الدجاجة والطفل 

بقلم أ . د / عبدالغنى الغريب
أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

 

إن البيضة إذا انفصلت عن الدجاجة خرج الفرخ عنها، وغدت والتقطت من الحَبِّ ما ينفعها، واحترزت عما يُؤذيها، وفَرَّقت بين أمها المشفقة بها وبين الهِرة الطالبة لإيذائها.

أما الإنسان: فإنه حال انفصاله عن الأم لا يميز بين المنافع والمضار، والصديق والعدو، فكان في هذا الوقت أكثر جهالة من الفرخ عند خروجه عن قشر البيضة.

#ثم إن الأمر لو كان مستمرًا على قانون الطبيعة والخاصية، وجب أن يكون الإنسان في مبدأ الأمر أكثر تمييزًا من الفرخ، وأن يكون الفرخ أذكى وأكثر تمييزًا من الإنسان عند المنتهى والكمال، لكنه تعالى قلب هذه القضية، فجعل من كان كثير التمييز في أول الأمر، قليل التمييز عند الكمال والغاية، وجعل الإنسان الذي هو أقل الحيوانات تمييزًا في أول الأمر، أكثر معرفة وهداية وعقلًا، لتعرف أن كل ذلك بحسب القدرة والحكمة والعناية الإلهية.

#ثم إن الصبي بعد الخروج من بطن الأم حين احتاج إلى الغذاء، انظر كيف هداه الله تعالى إلى التقاء الثَّدْي، ولمّا كان بدنه نحيفًا لا يحمل الأغذية الكثيفة،انظر كيف دَبَّر له في جلب اللبن اللطيف، فخلق له الثديين وجمع فيهما اللبن اللطيف ، وأنبت على رأس الثديين حلمتين على قدر ما يطيق فم الصغير، ثم جعل في تلك الحلمة ثُقْبًا ضيقًا جدًا، حتى لا يخرج اللبن منه إلاّ بعد المصِّ على سبيل التدريج، فإن الطفل لا يقدر على الابتلاع من اللبن إلاّ القليل.

#ثم إنه تعالى كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع على سبيل الرفق.

ثم إنه سبحانه أخّر خلق الإنسان إلى تمام الحولين، لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن وهو مستغن عن السن، فإذا صار كبيرًا ولم يوافقه اللبن واحتاج إلى الطعام الغليظ، فيحتاج حينئٍذ فى أن يذهب إلى المضغ والطحن.

#فلا جرم تنبت الأسْنَان عند حدوث الحاجة لا قبلها ولا بعدها، فتبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين. ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[ فصلت: ٥٣]
أسرار التنزيل وأنوار التأويل للرازى ج٣ ص ٢٣٥
تحقيقد عبدالغني الغريب طه راجح