حُكم قراءة القرآن بالمقامات الصوتية بين الإباحة والمنع.. دراسة علمية منهجية
24 نوفمبر، 2025
قضايا وأحكام

بقلم الشيخ : نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
مقدمة
يُعدّ تحسين الصوت بالقرآن من أعظم أبواب تعظيم كلام الله تعالى، وقد وردت نصوص كثيرة تُرغّب في تجويد التلاوة وإضفاء البهاء على الأداء. ومع تطور الفنون الصوتية، ظهر موضوع القراءة بالمقامات، مما أثار جدلًا بين أهل العلم، وتنوّعت فيه المذاهب ما بين الإباحة والكراهة والتحريم. وهذا الدرس العلمي يهدف إلى بيان حقيقة المسألة، وتقريب مذاهب العلماء، وترجيح القول الأقرب للدليل.
فضل تحسين الصوت بالقرآن
دلّت السنة الصحيحة على أن تحسين الصوت بالقرآن عبادة مُستحبّة، تليّن القلوب، وتزيد النص القرآني جمالًا ورونقًا:
حديث النبي ﷺ: “ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن”، وفي رواية ابن أبي مليكة: «يُحسِّنه ما استطاع».
وقوله ﷺ: “زيّنوا القرآن بأصواتكم”.
وثناؤه على أبي موسى الأشعري بقوله: “لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود”، وفي رواية: «لحبَّرته لك تحبيرًا» أي زيّنته وغنّيته غاية التحسين.
وقد ثبت عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يطربون بالقراءة ويتأثرون بها، من غير تكلف ولا تغيير لأحكام التلاوة.
فهذا سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول لأبي موسى: «ذكّرنا ربنا»، فيقرأ ويتلحّن.
وكان السلف يقدمون حسن الصوت في الإمامة لما يورثه من الخشوع.
ولهذا قال الإمام الشافعي:
«لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت بأي وجه كان».
وقال القاضي عياض:
«أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة».
ما المقصود بالمقامات الصوتية؟
حقيقة المقامات المقامات ليست علمًا تعبديًّا، بل قواعد وضعها أهل صناعة الغناء لضبط ألحان الأصوات، مثلما وضع الخليل بن أحمد البحور الشعرية.
وهي ستة مقامات مشهورة: البيات، الرست، النهاوند، السيكا، الصبا، الحجاز.
ولا يشترط للقارئ أن يتعلمها، فقد يقرأ أحدهم على مقامٍ ما بطبيعته دون معرفة اسم المقام.
وعليه؛ فالمقامات قواعد صوتية بشرية، وليست عبادة مخصوصة، ولا سنة متّبعة، لكنها أيضًا ليست حرامًا من حيث هي إلا إن أخلّت بالقراءة.
المقامات: هي أوزان ونغمات صوتية استقرأها أهل الغناء والإنشاد، تشبه «البحور الشعرية» من حيث كونها أنماطًا تُحسّن الأداء.
ومن أشهرها: البيات، الرست، النهاوند، السيكا، الصبا، الحجاز.
والمقامات نفسها ليست عبادة مستقلة، بل هي مجرد قوانين صوتية تساعد على تنويع النغم.
اختلاف الفقهاء في حكم القراءة بالمقامات
القول بالتحريم
ذهب إليه طائفة من المالكية والحنابلة، محتجّين بأنها تشبه ألحان أهل اللهو، وأنها مدخل إلى تغيير ألفاظ القرآن.
القول بالكراهة
وهو مذهب طائفة من الشافعية والمالكية والحنابية؛ خشية الوقوع في الإفراط والتمطيط.
القول بالجواز
نقله ابن بطال عن جماعة من السلف، وهو المنصوص عن الإمام الشافعي، واختاره جمع من المحققين.
تحرير محلّ الخلاف وضبط المسألة
اتفق العلماء على أمرين لا خلاف فيهما:
★استحباب تحسين الصوت بالقرآن لقوله ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن».
★تحريم تغيير الحروف أو إخراجها عن مخارجها
قال النووي: “أجمعوا على تحريمه”.
أما القراءة بالمقامات فمردّها إلى الشرطين التاليين:
★ إن كانت مجرد تحسين للصوت دون إخلال باللفظ والأداء → فهي جائزة، بل قد تكون مستحبّة لأنها تحقق مقصد تحسين الصوت.
★ إن أدّت إلى التمطيط المفرِط أو تغيير مخارج الحروف → فهي محرّمة اتفاقًا.
خلاصة التحقيق والترجيح
بعد جمع الأدلة وكلام المحققين كابن القيم وابن حجر والنووي والقاضي ابن العربي:
اتفق العلماء اتفاقًا قاطعًا على أن: ما يغيّر حرفًا أو يخلّ بمدٍّ أو غنّة أو مخرج؛ فهو حرامٌ بلا خلاف.
قال النووي:«أجمع العلماء على تحريمه».
إذن النزاع ليس في مطلق تحسين الصوت، بل في الغناء الموزون المصنوع الذي يغيّر هيئة القراءة.
الحافظ ابن حجر رحمه الله خلُص إلى أن: تحسين الصوت بالقرآن مطلوب شرعًا. مراعاة النغم تَزيد الصوت حُسنًا، ولا حرج فيها.
شرط ذلك: ألا يُخلّ القارئ بشروط القراءة المتلقاة عن الأئمة.
فإن اجتمع تحسين الصوت وضبط الأداء؛ فهو أكمل القراءات.
ابن قدامة قال: «تحسين الصوت مستحب ما لم يغيّر لفظًا أو يزيد حرفًا».
ابن القيم ميّز بين: تطريب طبيعي فطري: جائز، وهو هدي السلف.
تطريب مصطنع متكلف على أوزان الغناء: هو المكروه والمذموم، لأنه خارج عن خشوع القراءة.
الراجح:
أن القراءة بالمقامات الصوتية جائزة لا حرج فيها، ما دامت لا تُغيّر شيئًا من ألفاظ القرآن، ولا تُخرج التلاوة عن قوانين التجويد، ولا تُشبه ألحان أهل الفسق.
وبهذا يجتمع قول من أجاز وقول من منع، لأن الخلاف في الحقيقة راجع إلى حال القارئ لا إلى ذات المقام.
إذن يجوز القراءة بالمقامات الصوتية بشرطين اثنين لا ثالث لهما:
1. ألا يغيّر القارئ حرفًا، ولا حكمًا من أحكام التلاوة، ولا يخرج الصوت عن خشوع القراءة.
2. ألا تشبه القراءة الغناء اللهويّ أو ألحان الفساق.
توجيهات عملية للقارئين
1. الأصل تقديم التجويد على المقام؛ لأن حفظ القرآن مقدّم على تحسين الصوت.
2. التلاوة بالمقامات ينبغي أن تخدم معنى الآية لا أن تُخرجه عن سياقه.
3. ينبغي تجنب التكلف، فإن النبي ﷺ قال: «هلك المتنطعون».
4. المقامات وسيلة لا غاية، والغاية هي الخشوع والنفع والتأثير.
خاتمة
القراءة بالمقامات باب من أبواب تحسين الصوت، وقد بيّن العلماء ضوابطها، ورجّح المحققون مشروعيتها بضوابطها الشرعية.
وإنّ القرآن الكريم في ذاته نور، يزيده حسن الصوت نورًا على نور، متى كان الأداء منضبطًا، بعيدًا عن التكلف، قائمًا على الخشوع والوقار.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.