خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ ” تَوْقِيرُ كِبَارِ السِّنِّ وَإِكْرَامُهُمْ” للشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
23 نوفمبر، 2025
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ ” تَوْقِيرُ كِبَارِ السِّنِّ وَإِكْرَامُهُمْ”
وَمَعَهَا: أَنْتُمْ تُرْزَقُونَ بِهِمْ (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”)
(بَرَكَةُ الدِّيَارِ وَوَصِيَّةُ الْمُخْتَارِ)
للشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
بِتَارِيخِ: بِتَارِيخِ: ٧ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ١٤٤٧هـ، الْمُوَافِقُ ٢٨ مِنْ نُوفَمْبَرَ ٢٠٢٥م
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
أَوَّلًا: الشَّيْبُ نُورٌ وَوَقَارٌ (مَكَانَةُ كِبَارِ السِّنِّ عِنْدَ اللَّهِ).
ثَانِيًا: “لَيْسَ مِنَّا..” (الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ فِي تَوْقِيرِ الْكَبِيرِ).
ثَالِثًا: صُوَرٌ مُشْرِقَةٌ مِنْ حَيَاةِ السَّلَفِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الشُّيُوخِ.
رَابِعًا (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ): هَلْ هُمْ عِبْءٌ أَمْ مَصْدَرُ رِزْقٍ؟ (تَصْحِيحُ مَفْهُومِ التَّعَامُلِ مَعَ الْمُسِنِّينَ)
الْمَوْضُـــــــــــوعُ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مُذَكِّرًا بِدَوْرَةِ الْحَيَاةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُوَقِّرِينَ، وَسَيِّدُ الْمُتَأَدِّبِينَ، الَّذِي مَا رُئِيَ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْهُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْكَبِيرِ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ رَحْمَةً بِالضَّعِيفِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ فِي إِجْلَالِ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ…
أَيُّهَا السَّادَةُ الْمُؤْمِنُونَ، يَا أُمَّةَ الْوَفَاءِ،
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ مُجْتَمَعٌ مُتَرَاحِمٌ، يَصِلُ فِيهِ اللَّاحِقُ السَّابِقَ، وَيَرْحَمُ فِيهِ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَيَعْرِفُ فِيهِ الصَّغِيرُ حَقَّ الْكَبِيرِ. وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ صِحَّةِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَرُقِيِّهَا: كَيْفِيَّةَ تَعَامُلِهَا مَعَ كِبَارِ السِّنِّ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ، وَقَوَّسَتِ السِّنُونَ ظُهُورَهُمْ، وَاشْتَعَلَتْ بِالْبَيَاضِ رُؤُوسُهُمْ.
هَؤُلَاءِ هُمُ “الْبَرَكَةُ” فِي دِيَارِنَا، وَهُمُ “التَّارِيخُ” الَّذِي يَمْشِي بَيْنَنَا. وَسَنَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ وَاجِبِنَا تُجَاهَهُمْ، لِنُعِيدَ لَهُمْ مَكَانَتَهُمُ الَّتِي أَقَرَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ عَبْرَ الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ:
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الشَّيْبُ نُورٌ وَوَقَارٌ (مَكَانَةُ كِبَارِ السِّنِّ عِنْدَ اللَّهِ).
يَا عِبَادَ اللَّهِ، قَدْ يَنْظُرُ الْبَعْضُ إِلَى الشَّيْبِ وَكِبَرِ السِّنِّ عَلَى أَنَّهُ مَرْحَلَةُ ضَعْفٍ وَانْتِهَاءٍ، لَكِنَّ الْإِسْلَامَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظْرَةَ إِجْلَالٍ وَتَكْرِيمٍ. إِنَّ هَذَا الشَّيْبَ الَّذِي يَعْلُو رُؤُوسَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ هُوَ “نُورٌ” يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. وَقَالَ: “لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ”.
بَلْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا طَالَ عُمُرُهُ فِي الْإِسْلَامِ. جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَيَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا شَابَ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُعَذِّبَهُ”.
فَيَا مَنْ تَرَى شَيْخًا كَبِيرًا يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، لَا تَنْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ فَقَطْ، بَلْ انْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ؛ فَهَذَا جَسَدٌ قَضَى سَنَوَاتٍ طِوَالًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وَهَذَا وَجْهٌ شَابَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْهُ، أَفَلَا نَسْتَحْيِي نَحْنُ مِنْهُ؟!
وَقَدْ أَبْدَعَ الشَّاعِرُ حِينَ قَالَ وَاصِفًا وَقَارَ الشَّيْبِ:
عَيَّرَتْنِي بِالشَّيْبِ وَهُوَ وَقَارُ
لَيْتَهَا عَيَّرَتْ بِمَا هُوَ عَارُ
إِنْ تَكُنْ شَابَتِ الذَّوَائِبُ مِنِّي
فَاللَّيَالِي تُزَيِّنُهَا الْأَقْمَارُ
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: “لَيْسَ مِنَّا..” (الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ فِي تَوْقِيرِ الْكَبِيرِ).
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرَ الْكَبِيرِ جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ وَانْتِمَائِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. اسْمَعُوا إِلَى هَذَا الْإِنْذَارِ النَّبَوِيِّ الشَّدِيدِ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا”.
“لَيْسَ مِنَّا”! أَيْ لَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا وَلَا عَلَى طَرِيقَتِنَا. بَلْ رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلَةَ تَوْقِيرِ الْمُسِنِّ إِلَى مَرْتَبَةِ “إِجْلَالِ اللَّهِ”. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ”. فَإِذَا أَكْرَمْتَ الْمُسِنَّ، فَكَأَنَّمَا تُقَدِّمُ دَلِيلًا عَلَى تَعْظِيمِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلَنَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوَاقِفُ تَأْخُذُ بِالْأَلْبَابِ فِي هَذَا الْبَابِ:
الْمَوْقِفُ الْأَوَّلُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ذَلِكَ الْيَوْمُ الْمَشْهُودُ، دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِرًا، وَجَاءَ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْمِلُ وَالِدَهُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ “أَبَا قُحَافَةَ”، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ، وَرَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، لِيُبَايِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَجْلِسْ لِيَتَلَقَّى الْبَيْعَةَ بِكِبْرِيَاءِ الْفَاتِحِينَ، بَلْ قَالَ بِعِتَابٍ مُحِبٍّ لِأَبِي بَكْرٍ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي آتِيهِ؟”.
اللَّهُ أَكْبَرُ! رَسُولُ اللَّهِ، قَائِدُ الدَّوْلَةِ، نَبِيُّ الْأُمَّةِ، يَعْرِضُ أَنْ يَذْهَبَ بِنَفْسِهِ لِيَزُورَ رَجُلًا عَجُوزًا لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، تَوْقِيرًا لِسِنِّهِ وَمَكَانَتِهِ! ثُمَّ أَجْلَسَهُ النَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ عَلَى صَدْرِهِ، وَلَقَّنَهُ الشَّهَادَةَ.
الْمَوْقِفُ الثَّانِي: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَحَدَّثَ اثْنَانِ، وَبَدَأَ الصَّغِيرُ بِالْكَلَامِ قَبْلَ الْكَبِيرِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَبِّرْ كَبِّرْ”. أَيْ: دَعِ الْكَبِيرَ يَتَكَلَّمُ أَوَّلًا. حَتَّى فِي السِّوَاكِ، كَانَ يَقُولُ: “أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ”.
إِنَّهُ دُسْتُورٌ كَامِلٌ لِحِفْظِ الْمَقَامَاتِ وَالْمَنَازِلِ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: صُوَرٌ مُشْرِقَةٌ مِنْ حَيَاةِ السَّلَفِ.
لَقَدْ سَارَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ عَلَى هَذَا الدَّرْبِ الْمُنِيرِ.
يُحْكَى أَنَّ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَأَى رَجُلًا يَمَانِيًّا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ حَمَلَ أُمَّهُ الْعَجُوزَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ
إِنْ أَذْعَرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرْ
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ: “يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟” (هَلْ وَفَّيْتُ حَقَّهَا؟). قَالَ ابْنُ عُمَرَ: “لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ!”. (أَيْ وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَلَقَاتِ الْوِلَادَةِ).
وَانْظُرُوا إِلَى أَدَبِ الْعُلَمَاءِ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا مَشَى مَعَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ (أَكْبَرُ سِنًّا)، لَمْ يَمْشِ عَنْ يَمِينِهِ، بَلْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ قَلِيلًا إِجْلَالًا لَهُ.
بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَخَارَ”، وَكَانُوا يَخُصُّونَ كِبَارَ السِّنِّ بِالْمَشُورَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّجْرِبَةِ وَالْحِكْمَةِ.
فَأَيْنَ نَحْنُ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ؟ حِينَ تَرَى الشَّابَّ يَجْلِسُ فِي الْمُوَاصَلَاتِ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَاقِفٌ يَتَمَايَلُ مِنْ ضَعْفِهِ! أَوْ تَرَى مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ جَدِّهِ! إِنَّ ذَهَابَ تَوْقِيرِ الْكِبَارِ نَذِيرُ شُؤْمٍ عَلَى الْمُجْتَمَعِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ…
فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ،
نَصِلُ إِلَى الْعُنْصُرِ الرَّابِعِ، ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”، وَهُوَ تَصْحِيحُ مَفْهُومٍ خَطِيرٍ تَسَرَّبَ إِلَى الْبَعْضِ: “هَلْ كِبَارُ السِّنِّ عِبْءٌ أَمْ مَصْدَرُ رِزْقٍ؟”.
فِي زَمَنِ الْمَادِّيَّاتِ، يَنْظُرُ الْبَعْضُ لِلْأَبِ الْكَبِيرِ أَوِ الْأُمِّ الْمُقْعَدَةِ عَلَى أَنَّهُمْ “عِبْءٌ” ثَقِيلٌ، قَدْ انْتَهَتْ صَلَاحِيَّتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُكَلِّفُونَ الْأُسْرَةَ مَالًا وَجُهْدًا دُونَ “إِنْتَاجٍ”. وَهَذَا مَفْهُومٌ مَغْلُوطٌ، وَجُحُودٌ لِلنِّعْمَةِ.
صَحِّحْ مَفْهُومَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءُ هُمْ سَبَبُ قُوَّتِكَ، وَهُمْ سَبَبُ رِزْقِكَ الَّذِي تَأْكُلُ مِنْهُ.
أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟”.
إِنَّ وُجُودَ هَذَا الشَّيْخِ فِي بَيْتِكَ هُوَ “تَأْمِينٌ” لَكَ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَ “اسْتِجْلَابٌ” لِلرِّزْقِ. دُعَاؤُهُمُ الْمُسْتَجَابُ، وَأَنْفَاسُهُمُ الطَّاهِرَةُ، هِيَ الَّتِي تَدْفَعُ عَنْكَ الْبَلَاءَ.
وَتَذَكَّرُوا قِصَّةَ “الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ حُبِسُوا فِي الْغَارِ” وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ. بِمَاذَا نَجَوْا؟ أَحَدُهُمْ نَجَا بِبِرِّهِ بِوَالِدَيْهِ الْكَبِيرَيْنِ. كَانَ لَا يَشْرَبُ اللَّبَنَ قَبْلَهُمَا وَلَا يَسْقِي أَوْلَادَهُ حَتَّى يَشْرَبَا. فَلَمَّا تَأَخَّرَ يَوْمًا وَوَجَدَهُمَا نَائِمَيْنِ، وَقَفَ بِالْقَدَحِ عَلَى رَأْسِهِمَا وَأَطْفَالُهُ يَبْكُونَ مِنَ الْجُوعِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَلَمْ يُوقِظْهُمَا وَلَمْ يَشْرَبْ قَبْلَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَدَعَا رَبَّهُ بِهَذَا الْعَمَلِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ.
لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَرَى وَالِدَيْهِ “عِبْئًا” وَفَضَّلَ رَاحَةَ أَبْنَائِه الصِّغَارِ عَلَيْهِمَا، لَهَلَكَ فِي الْغَارِ. لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ النَّجَاةَ فِي تَوْقِيرِ الْكِبَارِ.
فَالْكَبِيرُ فِي الْبَيْتِ لَيْسَ ضَيْفًا ثَقِيلًا، بَلْ هُوَ “عَمُودُ الْخَيْمَةِ” وَ “بَابُ الْجَنَّةِ”. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ”.
فَيَا مَنْ عِنْدَهُ كَبِيرٌ، اغْتَنِمْهُ قَبْلَ فِرَاقِهِ. قَبِّلْ يَدَهُ، وَتَحَمَّلْ ضَعْفَهُ، وَاسْمَعْ حَدِيثَهُ الْمُعَادَ بِكُلِّ اهْتِمَامٍ، وَاخْفِضْ لَهُ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَغَدًا سَتَكُونُ مَكَانَهُ، وَسَتَنْتَظِرُ مَنْ يَرْحَمُ ضَعْفَكَ.
الدُّعَاءُ…
اللَّهُمَّ ارْحَمْ وَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا ، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا حَيًّا فَمَتِّعْهُ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ وَالطَّاعَةِ، وَاجْعَلْ آخِرَ عُمْرِهِ خَيْرَ عُمْرِهِ ، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا فَأَنْزِلْ عَلَى قَبْرِهِ شَآبِيبَ الرَّحَمَاتِ، وَاجْعَلْ قُبُورَهُمْ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا بَارِّينَ بِآبَائِنَا، مُوَقِّرِينَ لِكِبَارِنَا، وَاصِلِينَ لِأَرْحَامِنَا ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ فِينَا شَقِيًّا وَلَا مَحْرُومًا، وَلَا عَاقًّا وَلَا قَاطِعًا ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا مِصْرَ، وَاحْفَظْ شُيُوخَهَا وَشَبَابَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ بِرٍّ وَصِلَةٍ وَإِحْسَانٍ ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ…