خطبة بعنوان «تكريم كبار السن ورعاية أصحاب الفضل» للشيخ : أحمد عزت حسن
23 نوفمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان «تكريم كبار السن ورعاية أصحاب الفضل»
للشيخ : أحمد عزت حسن
خطبة الجمعة ٧ من جمادى الآخر ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٨ من نوفمبر ٢٠٢٥م
الموضوع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا”، وبعد،
فإن الإسلام دين القيم والأخلاق في أسمى معانيها، وإن من الأخلاق الحسنة والقيم النبيلة: “احترام الكبير”، فلقد وهب الإسلام الكبير حقا في الاحترام والتقدير
فإن مِن إجلال الله: إكرامَ ذي الشيبة المسلم.
ومن عظمة الإسلام أنه كما اهتمّ بالإنسان صغيرًا ووجّه الأسرة والمجتمع إلى رعايته والاهتمام به، فكذلك أمر بحسن رعايتة واحترامه كبيرًا مهما كان أبًا أو أمًا، قريبًا أم بعيدًا، …. فقال -تعالى- عن الوالدين: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:٢٣-٢٤]، وقال -ﷺ-: “ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا” رواه أحمد وصححه ابن حبان، والترمذي وحسنه، ويقول النبي -ﷺ- “مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا”.
ففي هذا الحديث يرغبنا فيه -ﷺ- في الرحمة بالصغير، وتوقير الكبير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، ويحذرنا من مخالفة ذلك قول النبي -ﷺ-: (لَيْسَ مِنَّا)،
وقد حثنا على التمسك بهذه الأخلاقيات الفاضلة؛ فهي من القيم الإسلامية العظيمة التي يتقرَّبُ المسلمُ بها إلى الله -عَز وجل-، وهي ليست مجرَّدَ تقاليدَ صارمةٍ، أو أعراف، أو عادات؛ بل سلوكيات راقية نُؤَدِّيها عن طِيبِ خاطرٍ، ورضا نفسٍ، والتماس أجْرٍ، وابتغاءِ ثواب.
فتعالوا معًا أيها الأخوة الأحباب لنرى عظمة الإسلام في هذا المجال،
ونسأل:
١- لماذا يجب علينا احترام الكبير؟
٢- وما هي أهمية وفوائد ذلك؟
٣- وما فضل احترام الكبير؟
٤- وما حقوق الكبير في الإسلام؟
٥- وهل هناك مجالات معينة لاحترام الكبير؟
٦- كبار السن ومراتب الحقوق. فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: لقد حثَّ الإسلام على حُسن معاملة الكبير والاهتمام به من خلال احترامه وتوقيره وتقديمه في الكثير من الأمور والأعمال، ومن ذلك ما جاء في قول النبي -ﷺ- فيما يرويه عنه الترمذي قال: قال رسول الله -ﷺ-: “ليس منا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صغيرنا ويوَقِّرْ كبيرنا ويأمُرْ بالمعروفِ وينْهَ عنِ المنكَرِ”.
ويُعرّف التّوقير بأنّه: الإجلال لمن هم أكبر سنًّا ومكانةً، فلا يقتصر على كبير السنّ فقط، وإنما يشمل كبير السن ذي المنزلة الأدنى، وكبير المنزلة والمكانة حتى لو كان صغيرًا في السن، فمن الضروري أن يشجع الآباء أبنائهم على ذلك.
ثانيًا: من أبرز فوائد احترام الكبار ما يلي:
* الفوز بالثواب العظيم؛ وذلك لأن التمسك باحترام كبار السن وتقديرهم من أهم الأخلاقيات، والآداب الفاضلة التي حثنا الإسلام على التمسك بها.
* شعور الفرد الذي يحرص على احترام الكبار، وتقديرهم بالراحة، والاطمئنان، وذلك لأنه حينما يكبر سيجد من يحترمه، و يقدم له المساعدة .
* احترام كبار السن وتقديرهم يغرس هذا المفهوم لدى الأطفال، ممّا يدفعهم لاحترام كبار السن مستقبلًا، فينشأ جيل يحمل معه ثقافة راقية. فليس في الإسلام ما يُعرف ب “صراع الأجيال”
* توطيد العلاقات الطيبة بين أبناء المجتمع الواحد مما يزيد وحدتهم، ويسهم في رفعة المجتمع، وتقدمة والحد من انتشار الخلافات والمشكلات، فيشعر الفرد بالأمان المستقبلي، وهو واثق بأنّه سينال الاحترام والتقدير من الآخرين. فكما تَدين تُدان: فإذا احترمنا الكبير، ورعينا حقوقه، يسر الله تعالى لنا في كِبَرنا مَن يرعى حقوقنا، جزاءً من جنس إحساننا، وسيأتي علينا يوم نكون فيه كبراء مُسنِّين، ضعيفي البدن والحواس، في احتياج إلى من حولنا؛ أن يرعوا حقنا، وإن كنا مضيعين حقوقهم في شبابنا، فسيضيع الشباب حقوقنا في كبرنا، لأن الله عز وجل يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وفي مقابل ذلك: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]؛ فإن جزاء الإحسان إحسانًا، والإساءة جزاؤها الإساءة.
وفي الحديث عن أنس مرفوعًا: (ما أكرم شابٌ شيخًا لسنِّه، إلا قيَّض اللهُ له مَن يكرمه عند سنِّه)،
وقال -ﷺ-: “مَن أهان ذا شيبة لم يمُتْ حتى يبعث الله عليه مَن يهين شيبه إذا شاب”.
فهذان الحديثان يبينان أن إحسانَ الشباب للشيخ أو إهانته تكون سببًا لأن يقيِّض الله له من يكرمه أو يهينه عند كبره.
ثالثًا: فضل احترام الكبير
تضافرت الأحاديثُ الواردة عن الرسول -ﷺ- بأن
١- الخير مع الأكابر، والبركة مع كبار السن، وأن المؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيرًا له، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا يتمنى أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟”، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: “خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا ” رواه أحمد.
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: “الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ”. صحيح ابن حبان
٢- جعل الإسلام احترام الكبير نوعًا من أنواع إجلال الله وتعظيمه، فأرشدنا -ﷺ- إلى أنَّ عامل السِّنِّ له اعتباره في تحديد مكانة الأشخاص، وأنه يجب أن يُراعى، وجعل إكرام الكبير بمنزلة إجلال الله تعالى؛ فقال -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» رواه أبو داود
فمن كان حامِلًا لكتابِ الله الحمل الشرعيَّ، ليس غاليًا فيه، فإنّ الغاليَ في القرآنِ يخرج به غلوُّه عن المنهَج والطريق السويِّ؛ كما خرج بفرقةِ الخوارج، الذين ساءَ فَهمُهم للقرآن، وقَلَّ وعيُهم وإدراكهم؛ حتى استحلُّوا دِماءَ المسلمين، كفَّروهم واستحلّوا دماءَهم وأموالهم، والغالي في القرآن تراه متكبِّرًا على غيره، مكفِّرًا لغيره، معتقِدًا ضلالَ غيره بلا فِكرٍ ولا رَأيٍ مُصيب، أو الجافي عنه الذي حمَله فعطَّل العملَ به، ولم يَقُم بحقوقِه، عافانا الله وإيّاكم من ذلك. وذُو السلطان المقسِط العادِل، تكرمه لإمامتِه وقيامِه بشأن رعيَّته.
٣- وكان -ﷺ- إذا تحدث إليه اثنان بدأ بالأكبر سنًا، ويقول: “كبِّر كبِّر” أخرجه البخاري. يبدأ الأكبرُ قبلَ أن يبدأَ الأصغر، هكذا أمر الإسلام.
روى الشيخان عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلاَمِ: (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟)، فَقَالَ الغُلاَمُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ الله، لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ الله -ﷺ- فِي يَدِهِ”. فهذا الحديث يبين لنا قيمة إسلامية مهمة، نحن أحوج ما نكون إليها، نحتاجها في هذا الوقت أكثر مما مضى، ألا وهي قيمة الاحترام … احترام النفس …. واحترام الآخرين.
نبيُ هذه الأمة -ﷺ-، على جلالة قدره، وعلو منزلته، يستأذن غلامًا صغيرًا لكي يتنازل عن دوره في الشراب، فيأبى الغلام، فلم يعنّفه ولم يُكرهه، بل وضع الإناء في يد الغلام، وانتهى الموقفُ بكل هدوء وأريحية.
فأين نحن من هذا؟ ماذا لو كنت أنتَ الذي طلبتَ مثل هذا الطلب ورُفض طلبك؟
وأزيدك من الشعر بيتًا بهذا الموقف
روى البخاريُ وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- للعبَّاسٍ: “يَا عَبَّاسُ، أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا” فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: “لَوْ رَاجَعْتِهِ” قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: “إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ” قَالَتْ: “لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ”
هذه المرأة كنت مولاة وأعتقت .. وبقي زوجها رقيقًا، ومن حقها شرعًا بعد عتقها أن تنفصل عنه، فاختارت الفراق، فكان زوجها يبكي على فراقها وطلب من النبي -ﷺ- أن يشفع له عندها، فشفع في ذلك النبي -ﷺ-، وقال لها: (يا بَريرَةُ اتقي اللهَ، فإنه زَوْجُكِ وأبو ولدكِ)، فظنتْ أنه يأمرها بالرجوع إليه. فبيّن لها -ﷺ- أنه ليس آمرًا وإنما شافع، فردّتْ هذه المرأة -التي كانت جارية- ردّتْ شفاعة النبي -ﷺ-.
نبيُ هذه الأمة -ﷺ- على جلال قدره، وعلو منزلته، يستجيب لعبدٍ مملوك، ويشفع له عند جاريةٍ سوداء؛ لكي تعود لعصمته وتأبى المرأة! وترفض شفاعته -ﷺ-! فلم يعنّفها ولم يُكرهها، بل تقبّل الأمر وانتهى الموقفُ بكل هدوء وأريحية. فأين نحن من هذا؟؟
ماذا لو كنت أنتَ الذي طلبتَ مثل هذا الطلب ورُفض طلبك؟
٤- بل ومن رعاية الإسلام للكبار أنه رخص لهم في كثير من العبادات والطاعات في القيام والصيام والحج والجهاد؛ رحمةً ورأفةً بهم، فقد أمضوا سنوات عمرهم في هذه الطاعات، فلما كبر سنهم ورق عظمهم وخارت قواهم راعى الإسلام هذه الحال، ووجه إلى التخفيف والتيسير، وتكليف العبد بعد الفرائض ما يطيق من العبادات.
فهذا رجل كبير السن -كما في حديث عبد الله بن بسر الصحابي- يأتي للنبي -ﷺ- فيقول: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ! فأخبِرْني بشيء أتشبث به. وفي رواية: ولا تُكْثِرْ. فقال -عليه الصلاة والسلام-: “لا يزالُ لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى” رواه الترمذي وصححه الأرناؤوط.
٥- بل جعل الإسلام للشيب الذي يظهر على رأس المسلم ولحيته قيمة عظيمة، وأجراً كبيراً، قال -ﷺ-: “ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، وحَطَّ عنه بها خطيئة” أخرجه الدارمي وصححه الألباني.
٦- ولذلك جعل النبيُّ -ﷺ- لعامل السِّنِّ دوره في أولويَّة الإمامة، فإذا وُجدَ من يتساوى في الفقه وقراءة القرآن مع غيره، قُدِّمَ الأكبر سنًّا؛ فقال -ﷺ- لمالك بن الحويرث رضي الله عنه وصاحب له: «أَذِّنَا، وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» رواه البخاري،
وفي الصلاةِ وجَّهَ النبي -ﷺ- بأن يتقدم بعد الإمام البالغون وكبار السن، فعن أبي مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ- أنه قال: “لِيَلِيَنِي منكُم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” رواه مسلم، كل ذلك تقديرًا وإكرامًا لهم، فإذا أقيمت الصلاة في المسجد وقام الناس لتسوية الصفوف فإن كبار السن أحق بالصفوف الأولى، أما إذا جاء أحدهم متأخرًا فلا يجوز له أن يسحب أحدًا من الصلاة ولو كان صغيرًا حتى لا يشغله عن صلاته، ومراعاةً لشعوره وحقه في السبق.
وهذا من المنزلة التي وضعها الإسلام للكبير؛ فالنبي -ﷺ- هو القائل: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» رواه أبو داود،
ومن المواقف ذات الدلالة على هذا التكريم والتوقير للكبير، ما وقع من رسول الله -ﷺ- حين فتح مكة، فلمَّا دخل رسول الله -ﷺ- مكة، ودخل المسجد، أتاه أبو بكر بأبيه، فلما رآه رسول الله -ﷺ- قال: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ» رواه أحمد.
٧- بل جعل -ﷺ- وجود الكبير في الصلاة سببًا في تخفيفها، وأرشد الأئمة إلى ذلك ففي البخاري يقول ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ»
٨- ولم تقتصر قيمة احترام الكبير ورعايته على المسلم؛ بل شملت غير المسلم طالما أنه يعيش بين المسلمين، فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر -رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير، فيذكر أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مر بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر. فضرب عضده من خلفه فقال: من أي أهل الكتب أنت؟ قال يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الحاجة، والسن.
قال: فأخذ عمر -رضي الله عنه- بيده، فذهب به إلى بيته، فأعطاه بعض ما عنده، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وأمثاله، والله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم! (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ…) [التوبة:٦٠]، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضَع عنه الجزية وعن أمثاله ومَن هُم في سِنه في جميع البلاد الإسلامية.
رابعًا: حقوق الكبير في الإسلام
لقد جعل الإسلام لكبار السن العديد من الحقوق منها:
أ- توقيره وإكرامه:
إن مِن تعاليم الإسلام في حق الكبير: توقيره وإكرامه، بأن يكون له مكانة في النفوس، ومنزلة في القلوب، وكان ذلك مِن هدي النبي -ﷺ- وقد حث رسول الله -ﷺ- عليه، وجعله مِن هديه وسماته وصفاته، فقد أوجب نبينا -ﷺ- احترام كبار السن، والسعي في خدمتهم؛ فرُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء شيخ يريد النبي -ﷺ- فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي -ﷺ-: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف ويَنْهَ عن المنكر) وعن معاذ بن جبل: أن رسولَ الله -ﷺ- قال:(إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه).
كذلك انظر ما كان منه فيما جاء عن المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (رَضِيَ الله عَنْهُمَا)، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى -ﷺ- أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، فَقَامَ أَبِي عَلَى البَابِ، فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ -ﷺ- صَوْتَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: “خَبَأْتُ هَذَا لَكَ خَبَأْتُ، هَذَا لَكَ” (البخاري)
ب- طيب معاملته:
إن مِن حقوق الكبير في الإسلام أن يُحسَن معاملاته، بحسن الخطاب، وجميل الإكرام، وطيب الكلام، وسديد المقال، والتودد إليه؛ فإن إكرام الكبير وإحسان خطابه هو في الأصل إجلال لله عز وجل؛ فقد جاء في حديث النبي -ﷺ-: “إن مِن إجلال الله: إكرامَ ذي الشيبة المسلم” وفي رواية عن ابن عمر موقوفًا: عن ابن عمر، قال: “إن مِن أعظم إجلال الله عز وجل: إكرامَ الإمام المقسط، وذي الشيبة في الإسلام”.
ج- بَدْؤه بالسلام:
إن مِن حقوق كبير السن إذا لقيناه أن نبدأه بالسلام مِن غير انتظار إلقاء السلام منه؛ احترامًا وتقديرًا له، فنسارع ونبادر بإلقاء السلام عليه بكل أدبٍ ووقار، واحترام وإجلال، بل بكل معاني التوقير والتعظيم، بل نراعي كِبَرَ سنه في إلقاء السلام بحيث يسمعه ولا يؤذيه، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي”.
د- إحسان خطابه:
وإن مِن حقوق كبير السن إذا حدثنا كبير السن أن نناديه بألطف خطاب، وأجمل كلام، وألين بيان، نراعي فيه احترامه وتوقيره، وقدره ومكانته، بأن نخاطبه بـ “العم” وغيره من الخطابات التي تدل على قدره ومرتبه ومنزلته في المجتمع بكبر سنه، فعن أبي أمامة بن سهل: قال: صلينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت : يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله -ﷺ- التي كنا نصلي معه.
ه- تقديمه في الكلام:
إن مِن حقوق الكبيرِ في السن أن نقدمه في الكلام في المجالس، ونقدمه في الطعام، والشراب والدخول والخروج، فقد ورَد في الحديث النبوي الشريف: عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبدُالله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي -ﷺ-، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: (كبِّرْ، كبِّرْ)، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلَّما،
وعن ابن عمرَ: أن النبي -ﷺ- قال: (أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغرَ منهما، فقيل لي: كبِّرْ، فدفعته إلى الأكبر منهما)،
ويقول سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: “لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله -ﷺ- غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي “(رواه مسلم).
وكان لنا قدوة وأسوة أكابرنا وأماجدنا؛ لأن شباب الصحابة والتابعين كانوا في غاية الأدب، وفي غاية الاحترام للكبار، والتوقير والتقدير لهم، والقيام بحقوقهم، ومن النماذج والأمثلة على ذلك: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله -ﷺ- يومًا لأصحابه: (إن مِن الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي)، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة).
و- الدعاء له:
وإن مِن إجلال الكبير وحقه علينا أن ندعو له بطول العمر، والازدياد في طاعة الله، والتوفيق بالسداد والصلاح، والحِفظ من كل مكروه، والتمتع بالصحة والعافية، وبحُسن الخاتمة، وحثَّ اللهُ عز وجل الأبناء على الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: ٢٤]؛ لأن خيرَ الناس بموجب الحديث مَن طال عمره، وحسُن عمله، فعن عبدالله بن بسر: أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، مَن خيرُ الناس؟ قال: (مَن طال عمرُه، وحسُن عمله)
بل جاء في حديث آخر: أن الله يصطفي من عباده بعضهم بإطالة العمر وإحيائهم في عافية إلى أن يقبِضَ أرواحهم؛ فرُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن لله عبادًا يضِنُّ بهم عن القتل، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، فيُعطيهم منازلَ الشهداء) لأن مَن طال عمره ازداد علمه وإنابته ورجوعُه إلى الله عز وجل؛ لأن الشباب شعبة من الجنون، فيزداد الرجل في الشباب في الشهوات واللذات، والشيخوخة موجب للخير والبركة، فلما يدنو العبد من الشيخوخة يتوجه إلى الله، فيذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، ويحمده، ويسبِّحه، ويهلِّله ويكبره كلما سنحت له الفرصة، وقيل: أن سليمان بن عبدالملك دخل مرة المسجد، فوجد في المسجد رجلًا كبير السن، فسلم عليه، وقال: يا فلان، تحبُّ أن تموت؟ قال: لا، ولمَ؟ قال المسن : ذهب الشبابُ وشرُّه، وجاء الكِبَرُ وخيرُه، فأنا إذا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحب أن يبقى لي هذا.
ز- مراعاة وضعه وضعفه:
الإنسان في بداية عمره وعنفوان شبابه يكون غضًّا، طريًّا، طازجًا، لين الأعطاف، قوي العضلات، بهي المنظر، ثم يشرع في الكهولة، فتضعف قواه، فيتغير طبعه، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يصير شيخًا كبير السن، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجِزُ عن المشي والحركة السريعة، فيتقدم إلى الأمام بطيئًا، ويتوكأ على العصيِّ،
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط، ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.
فقد قال تعالى ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيمًا تشريفًا لقدر المصطفى ﷺ وتعظيمًا “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”، فاللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين … وبعد:
أيها الإخوة المؤمنين،
خامسًا: مجالات ومظاهر احترام الكبير
يجب الاهتمام بالكبير وتقديره في الكثير من المواضع، ومن مجالات ومظاهر ذلك ما يلي:
* حرص الإسلام على تقديم الكبير في كل شيء، كالتحدُّث في المجالس، والأمر، والطلب، والبدء بالطعام، والجلوس، وغير ذلك من الأعمال، حثِّ المسلمين على تقديم الكبير على الصغير في صلاة الجماعة،
وتقديم الرعاية لهم سواء إن كان ذلك بزيارتهم أو التواصل معهم، ومساعدتهم في القيام بالأعمال التي لا يستطيعون القيام بها، وتقدير ضعفهم، والحرص على عدم التثقيل عليهم بل ومساعدتهم .
سادسًا: كبار السن ومراتب الحقوق:
الحق يعظم ويكبر من جهة ما احتف به؛ فإذا كان قريبًا فله حق القرابة مع حق كبر السن، وإذا كان جارًا، فإضافة إلى حقه في كبر سنه فله حق الجوار، وإذا كان مسلمًا، فله مع حق كبر السن حق الإسلام، وإذا كان الكبير أبًا أو جدًّا فالحق أعظم، بل إذا كان المسن غير مسلم فله حق كبر السن؛ إذ إن الشريعة جاءت بحفظ حق الكبير، حتى مع غير المسلمين، فلربما تكون رعايتك لحقه سببًا لدخوله في هذا الدِّين في مراحل حياته الأخيرة.
وأخيرًا أخوتاه
فإذا كانت توجيهات هذا الدين نحو الكبار واحترامهم بهذا السمو، فأين هذه القيمة العظيمة في حياتنا؟
وأين حقوقهم في مجتمعاتنا وفي سلوكنا وتعاملاتنا؟
ولماذا لا نعود لقيمنا وأخلاقنا ونعلمها لأبنائنا وننشرها للعالم كله؟
ففيها السعادة والراحة والحب والتآلف والتراحم.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَكُونُوا عَلَى هَذَا الأَدَبِ فِي مُعَامَلَةِ الكَبِيرِ، عَوِّدُوا ذَلِكَ أَنْفُسَكُمْ، وَرَبُّوا عَلَيْهِ أَبْنَاءَكُمْ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ؛ تَطْبِيقًا لشريعتكم؛ تَفُوزُوا بِرِضَا رَبِّكُمْ.
فكم من أبوين كبيرين عقهما وهجرهما وأساء معاملتهما أبناؤهما! وكم من شيخ أو إنسانٍ كبير تطاول عليه الصغار والشباب وسخروا من كلامه ورأيه، وتقدموا عليهم في المجالس والطعام والشراب!
لا بد أن ندرك أن الأكابر خيرًا لنا وبركةً لنا في حياتنا، وازديادًا في أرزاقنا وفي أعمارنا، وأن الإساءة إليهم وسوء معاملتهم قد نجازى به في أواخر أعمارنا، فلا بد لنا أن نحترم الأكابر ونجلهم ونكرمهم، ونحسن الخطاب معهم، ونخاطبهم بما يظهر به احترام، فحَقُّ الكبير التقدير والاحترام، وتقديمه في الأكل والشرب، وفي الشارع والسوق وفي وسائل المواصلات، وعند الحديث لا تقاطعه حتى ينتهي، وفي المجلس ينبغي أن يجلس في المكان اللائق به، وإذا رأيته عليك أن تبدأ بالسلام عليه، وأن تُظهر له الفرح والسرور، وعليك مخاطبته بأفضل وأحب الأسماء إلى النفس، وإذا أخطأ الكبير وجب عليك تقديم النصح بأسلوب مهذب وراق، حتى وإن لم يقتنع فقد قمت بدورك وواجبك.
فاللهم وفقنا لكل عمل صالح واجعلنا مباركين أينما كنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.