خطبة بعنوان ( توقير كبار السن وإكرامهم ) للدكتور أيمن حمدى الحداد


خطبة بعنوان ( توقير كبار السن وإكرامهم )

للدكتور : أيمن حمدى الحداد

نص الخطبة
الحمد لله الذى أعطى كل شيء خلقه فهدى ورفع السماء بلا عمد وبسط الأرض على ماء جمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين

أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: إن الإسلام دين القيم النبيلة، ومن أجل القيم التى رسخها احترام الكبير وإجلاله وتقديره والرفق به والشفقة عليه، لأن مرحلة الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل حياة الإنسان وهى مرحلة ضعف؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾(غافر: ٦٧)،

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾(الروم: ٥٤)، ولقد جعل سيدنا رسول الله ﷺ إكرام كبار السن وتوقيرهم علامة على تعظيم العبد لربه جل وعلا؛ فعن أَبي موسى رضى الله عنه قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرآنِ غَيْرِ الْغَالي فِيهِ والجَافي عَنْهُ، وإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ» رواه أَبُو داود.

وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جَدِّه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» رواه أَبُو داود، والترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيح.

إن الشيوخ والكبار لهم فضل في الإسلام، ولهم حقوق وواجبات تحفظ قدرهم فالخير والبركة في ركابهم، والمؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيراً له؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيراً» رواه مسلم.

♦ أولاً: منهج النبوة فى معاملة كبار السن؛ لقد ضرب سيدنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في تعامله مع كبار السن من ذلك؛

– سيدنا رسول الله ﷺ يُبين ﷺ فضل الكبر في الإسلام؛ فعن عبدالله بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «ليسَ أحدٌ أفضلَ عندَ اللهِ مِنْ مؤمنٍ يُعمرُ في الإسلامِ لتسبيحِهِ وتهليلِهِ وتَكبيرِهِ» رواه أحمد.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألَا أُنَبِّئُكم بخِيارِكم؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: «خِيارُكم أطوَلكم أعمارًا، وأحسَنُكم أخْلاقًا» رواه أحمد.

– سيدنا رسول الله ﷺ؛ يُأمل كبار السن في رحمة الله عزّوجل؛ فعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ شيخ كبير يُدعم على عصا، فقال: يا رسول الله، إن لي غدرات، وفجرات، فقال: «ألستَ تشهد ألا إله إلا الله؟» قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله، قال: «قد غفر لك غدراتك وفجراتك» رواه أحمد.

– سيدنا رسول الله ﷺ يَمن على كبار السن، ويكرمهم؛ لقد سُبيت سفانة بنت حاتم الطائي أخت عدي بن حاتم الطائي، فجاءوا بها إلى رسول الله ﷺ في سبايا من طيئ، فمنّ عليها، وأطلقها، وأعطاها نفقة، وكسوة، وردها إلى مأمنها، وأشارت على أخيها عدي بن حاتم بالقدوم على رسول الله ﷺ، فجاء فعلاً بعد ذلك، وأسلم. معرفة الصحابة لأبي نعيم.

– وكان من وصيايا سيدنا رسول الله ﷺ ألّا يقتل كبير السن في الحرب؛ فكان يقول للسرية أو الجيش إذا بعثهم: «اغزُوا بِسمِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ فقاتِلوا مَن كفَر باللهِ لا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا» رواه الطبراني في الأوسط.
– وكان ﷺ يرفق بحال العجزة وكبار السن؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى شيخًا يُهَادَى بيْنَ ابْنَيْهِ، قالَ: ما بَالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِيَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ عن تَعْذِيبِ هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ. وأَمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ» رواه البخاري ومسلم.

– وكان ﷺ يرشد كبار السن إلى اغتنام الأوقات الفاضلة؛ فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ إني شيخٌ كبيرٌ عَليلٌ يشقُّ عليَّ القيامُ فمُرني بليلةٍ لعلَّ اللَّهَ يوفِّقُني فيها لليلةِ القدرِ قال: علَيك بالسَّابعةِ» رواه أحمد.

– وكان ﷺ يأمر بإكرامهم؛ فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما بعث النبي ﷺ أتيته فقال: «يا جرير لأي شيء جئت؟ قال: جئت لأُسلم على يديك يا رسول الله، قال: «فألقى إليَّ كساءه ثم أقبل على أصحابه وقال: « إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»، وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلا تبسم في وجهي» رواه ابن ماجه.

– وكان ﷺ يبادر بالذهاب إلى كبار السن ويزورهم؛ إنه لا يريد أن يُرهق كبير السن في المجيء إليه فلما دخل ﷺ مكة فاتحاً، ودخل المسجد الحرام، أتاه أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة، وكان مشركاً إذ ذاك، فلما رآه سيدنا رسول الله ﷺ قال: «هلّا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه» فقال أبو بكر: «يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، وقال له: أسلم، فأسلم.» رواه أحمد.

– ولقد كان ﷺ يكرم صديقات خديجة رضي الله عنها؛ ويقول للواحدة منهن لما دخلت عليه: «كيف أنتِ، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا» رواه الحاكم.

– وكان ﷺ بمازح بعض هؤلاء كما حصل في قصة العجوز لما قال لها: «إن الجنة لا يدخلها عجوز» الشمائل المحمدية للترمذي.

– ولقد حذر سيدنا رسول الله ﷺ من الاستخفاف بالكبير وعدم توقيره، وبين أن ذلك علامة من علامات النفاق؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ لا يَستَخِفُّ بهم إلا منافقٌ: ذو الشَّيبةِ في الإسلامِ، وذو العلمِ، وإمامٌ مُقسِطٌ» رواه الطبراني

واصعد إلى جنة الأخلاق متشحا
حلو الخصائل كى ترقى معاليها
إن المكارم في الأخلاق تزكية
للنفس عن كل ما يبدي مساويها
إن الله قد جعل مكارم الاخلاق
ومحاسنها وصلا بيننا وبينه

♦ثانياً: نماذج من حياة الصالحين؛ لقد حفظ الصالحون للكبار حقهم من الاحترام والتقدير والتوقير؛ فعن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: «لمَّا قُبِض رَسولُ اللَّهِ ﷺ قالت الأنصارُ: مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ. فأتاهم عُمَرُ فقال: ألستُم تعلَمونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قد أمَر أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقَدَّمَ أبا بكرٍ؟ قالوا نعوذُ باللَّهِ أن نتقَدَّمَ أبا بكرٍ» رواه النسائي.

– وعن عبدِ اللهِ بن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ من الشَّجَرِ شَجَرةً لا يسقُطُ وَرَقُها، وإنَّها مِثلُ المُسلِمِ، فحَدِّثوني ما هي؟
فوقع النَّاسُ في شَجَرِ البوادي، قال عبدُ اللهِ: ووقع في نفسي أنَّها النَّخلةُ، فاستحَيَيتُ. ثمَّ قالوا: حَدِّثْنا ما هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: فقال: هي النَّخلةُ. قال: فذَكَرْتُ ذلك لعُمَرَ، قال: لأن تكونَ قُلتَ: هي النَّخلةُ، أحَبُّ إليَّ مِن كذا وكذا» رواه البخارى.

لقد استحيى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن يتكلم لصغر سنه، ووجود كبار السن والمقام فى مجلس سيدنا رسول الله ﷺ فتأمل يرحمك كيف يكون الاحترام والتوقير للكبار!!

– وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «لقَدْ كُنْتُ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عنْه، فَما يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلَّا أنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي» رواه مسلم.
– وعن أبي عمار: «أن زيداً بن ثابت قُربت له دابة ليركبها، فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابها، فقال زيد: تنحى يا بن عم رسول الله، ابن عباس ابن عم رسول الله، زيد بن ثابت صحابي، ولكنه عالم، فقال ابن عباس: هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا، فقال زيد بن ثابت: أرني يدك، فأخرج يده فقبلها، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، هو قرب له ركاب الدابة، والثاني قبّل يده» رواه ابن عساكر.

– وقال معاذُ بنُ سعيدٍ: «كنَّا عِندَ عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، فتحدَّث رجُلٌ بحديثٍ فاعترَضَ له آخَرُ في حديثِه، فقال عطاءٌ: سُبحانَ اللَّهِ! ما هذه الأخلاقُ؟ ما هذه الأحلامُ؟ إنِّي لأسمعُ الحديثَ مِن الرَّجُلِ وأنا أعلَمُ منه، فأُريهم من نفسي أنِّي لا أحسِنُ منه شيئًا».

– وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: «رأيتُ أبي إذا جاء الشَّيخُ والحَدَثُ من قُرَيشٍ أو غيرُهم من الأشرافِ، لم يخرُجْ من بابِ المسجِدِ حتَّى يخرِجَهم، فيكونوا هم يتقَدَّمونه، ثمَّ يخرُجُ مِن بَعدِهم».

– إن من أحق الناس بالاحترام والتوقير الأبوين؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾(الإسراء: ٢٣)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بِحُسن صَحَابَتِي؟ قال: «أمك» قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أبوك». متفق عليه. وفي رواية: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدْنَاك أدْنَاك» متفق عليه.

– ولقد كان أبو هريرة رضي الله عنه مثالاً رائعاً فى الأدب مع أمه؛ فإذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أُمِّه فقال: السلام عليك يا أُمَّاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك السلام يا بُنَيَّ ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا. وإذا أراد أن يدخل صنع مثله.

وهذه رسالة إلى الشباب؛ توقير الكبير وتقديره أدب من آداب الإسلام وسنة من سنن سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام .. فينبغي أن يراعي الصغير أنه في يوم من الايام سوف يكبر مثله مثل الكبير، فيجب عليه احترام الكبير حتي عندما يكبر يقوم الصغير باحترامه.

فاتقوا الله عباد الله: واحسنوا إلى الكبار ووقروهم تسعدوا برضا ربكم فى الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد: إن الاحترام من أعظم الخصال التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان، والاحترام هو أساس كل العلاقات الراقية؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾(البقرة: ٨٣)،

♦ثالثاً: من صور الاحترام والتوقير؛ لقد تعددت صور ووسائل التقدير والاحترام للكبار من ذلك؛

– الثناء وذكر الفضائل؛ لقد رسخ سيدنا رسول الله ﷺ مبدأ الاحترام رغماً من أنه ﷺ أعظم الناس وأفضلهم على الإطلاق إلا أنه كان يعامل كل من حوله بالتوقير والإكرام؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا» رواه مسلم

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمرُ بنُ الخطابِ» رواه الترمذي.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لِكلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ أمتي أبو عبيدَةُ بنُ الجرَّاحِ» رواه البخارى.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «نعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ ؛ سيفٌ من سيوفِ اللهِ» رواه الترمذي.

وعن أبى سعيد الخدري أن سيدنا سعد بن معاذ كان سيد قومه، فلما دخل على النبي ﷺ قال لقومه الأنصار: «قوموا إِلى سيّدِكم – أو قال: خيرِكم» أخرجه البخاري ومسلم.
– تقديم كبار السن عند الكلام؛ لقد كان رسول الله ﷺ يقدِّم كبار السن؛ ففي قصة الرجل الذي قتل بخيبر، وجاء رجلان من قومه يكلمان رسول الله ﷺ فانطلق عبد الرحمن بن سهل، وميحصة، وحويصة، ابنا مسعود إلى النبي ﷺ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، ولم يكن أكبر القوم، فقال ﷺ: «كبِّر كبِّر» أي قدم الكبير وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما يعني الأكبر سناً» رواه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم» رواه أبو داود.

– تقديم كبار السن عند الطعام والشراب؛ لقد كان رسول الله ﷺ إذا جلس مع أصحابه في مجلس يُقدم الأيمن، لكن إذا ما كانوا جالسين، ولم يترتبوا في المجلس يُقدم الأكبر؛ فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبى ﷺ أُتِيَ بشَرَابٍ، فَشَرِبَ وعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقالَ: «لِلْغُلَامِ: إنْ أذِنْتَ لي أعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ، فَقالَ: ما كُنْتُ لِأُوثِرَ بنَصِيبِي مِنْكَ يا رَسولَ اللَّهِ أحَدًا، فَتَلَّهُ في يَدِهِ» رواه البخارى.

وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«أَرانِي في المَنامِ أتَسَوَّكُ بسِواكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلانِ، أحَدُهُما أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَناوَلْتُ السِّواكَ الأصْغَرَ منهما، فقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكْبَرِ» رواه مسلم.

– يبدأ الصغير بالسلام على الكبير؛ فعن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ علَى الكَبِيرِ، والمارُّ علَى القاعِدِ، والقَلِيلُ علَى الكَثِيرِ» رواه البخاري.
– تقديمهم في الصلاة؛ أن يلي الإمام مباشرةً كبار القوم وذوو المكانة والمنزلة العلمية؛ فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يمسح مَنا كِبَنا في الصلاةِ ويقولُ: استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، ليلني منكم أولو الأحلامِ والنهى، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم. قال أبو مسعودٍ: فأنتم اليوم أشدَّ اختلافاً» رواه مسلم.

– شدة العناية بكبار السن والشفقة لمرضهم وضعفهم؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهاقالت: «ما رأيتُ أحدًا أَشْبَهَ سَمْتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسولِ اللهِ في قيامِها وقعودِها من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ قالت وكانت إذا دَخَلَتْ على النبيِّ ﷺ قام إليها فقَبَّلَها وأَجْلَسَها في مَجْلِسِهِ وكان النبيُّ ﷺ إذا دخل عليها قامت من مَجْلِسِها فقَبَّلَتْهُ وأَجْلَسَتْهُ في مَجْلِسِها فلما مَرِضَ النبيُّ ﷺ دَخَلَتْ فاطمةُ فأَكَبَّتْ عليه فقَبَّلَتْه ثم رَفَعَتْ رأسَها فبَكَتْ ثم أَكَبَّتْ عليه ثم رَفَعَتْ رأسَها فضَحِكَتْ فقلتُ إن كنتُ لَأَظُنَّ أنَّ هذه من أَعْقَلِ نسائِنا فإذا هي من النساءِ فلما تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ قلتُ لها أرأيتِ حين أَكْبَبْتِ على النبيِّ ﷺ فرَفَعْتِ رأسَكِ فبَكَيْتِ ثم أَكْبَبْتِ عليه فرَفَعَتِ رأسَكِ فضَحِكْتِ ما حَمَلَكِ على ذلك قالت إنِّي إذًا لَبَذِرَةٌ أخبرني أنه مَيِّتٌ من وجعِه هذا فبَكَيْتُ ثم أخبرني أني أَسْرَعُ أهلِه لُحُوقًا به فذاك حينَ ضَحِكْتُ» رواه الترمذي.

– رعاية وصيانة كبار السن حتى لو كانوا غير المُسلمين؛ لقد ظهر ذلك واضحاً في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رأى يهوديّاً كبيراً في السنّ يسأل الناس، فسأله: لم تسأل؟ فأجابه: بسبب الجزية، والحاجة، وكبر السن، فأخذه وأعطاه شيئاً من بيته، وصرف له من بيت مال المُسلمين، وقال: «والله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم» فوضع عنه وعن أمثاله الجزية.

عباد الله: إنه من المؤسف ومما يندى له الجبين استهانة البعض بقيمة الاحترام فنجد أحياناً شاباً يجلس في إحدى المواصلات العامة ويرى شيخاً كبيراً فلا يقوم ليجلسه؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ «ما أَكْرمَ شابٌّ شيخًا لسنِّهِ إلَّا قيَّضَ اللَّهُ لهُ مَن يُكْرمُهُ عندَ سنِّهِ» أخرجه الترمذي، وفي إسناده مقال.

– يجب علينا تربية الأبناء على احترامِ الكِبار، وإجلالِهم، والرِّفقِ بهم وعَدمِ التّطاوُل عليهم أقوالاً وأفعالا فالإسلام يدعو المسلمَ إلى أن يُكرِمَ أخاه المسلمَ الذي تقدَّمَه سِنًّا، وسبقه في هذه الحياةِ، يدعوه إلى أن يحترمَه ويكرِمَه، ويراعيَ له كِبَرَه وسابِقَتَه في الإسلام، والكبيرُ مأمورٌ برحمةِ الصِّغار، والعطفِ عليهم، والرِّفق بهم، والإحسانِ إليهم. فبهذه الروح الطيبة بين أفرادِ المجتمَعِ المسلِم تسود أواصِرَ الحبِّ والوِئام.

فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا معاملة كبار السن فالدنيا يوم لك ويوم عليك والأيام دول فشباب اليوم هم شيوخ الغد فقدموا لأنفسكم وأعملوا صالحاً تفوزوا برضى ربكم جل وعلا اللهم أجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وأقم الصلاة.