الوجود كلّه يسبّح والإنسان وحده يعصي


بقلم الكاتب والداعية الإسلامى

الدكتور : رمضان البيه

نظن نحن البشر أننا أعقل المخلوقات ، والكون كل أعقل منا .. فهل السموات والأرض والجبال كائنات عاقلة ؟ .
وهل كانت تعلم ما هي الأمانة التي عرضها الله تعالى عليهم وتدرك عدم قدرتهم على تحملها ؟ .

هذا ما سوف نجيب عنه في هذا المقال ، قد يظن البعض الكثير من البشر هم وحدهم الكائنات العاقلة بحكم أنهم سادة الأرض وخلفاء الله تعالى فيها، وأن جميع الكائنات في السموات والأرض مسخرون من الله عز وجل لهم، بالإضافة إلى أنهم والجن مقامان في مقام التكليف والإختيار، وهذا الظن خاطئ، ففي الحقيقة أن جميع الكائنات عاقلة وعارفة بالله تعالى والأدلة على ذلك كثيرة، منها :

ما كان من السموات والجبال والأرض حينما عرض الله عز وجل عليهم الأمانة قبل عرضها على الإنسان، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وهذا يعني أنهم يعلمون مدى خطورة هذه الأمانة، وفي نفس الوقت يدركون عدم قدرتهم على حملها والوفاء بحقها، وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على أنهم كائنات عاقلة بل في منتهى العقل.

هذا ودليل آخر..
عندما كانتا السموات والأرض كائنتين في مكنون علم الله تعالى قبل أن يأذن الحق سبحانه باستخراجهما من مكنون علمه إلى عالم الظهور، عندما خاطبهما ربهما عز وجل بقوله (أن ائتيا طوعا أو كرها ) .
كان ردهما ( أتينا طائعين) وهذا يعني أنهم يدركون ويعلمون أن الله سبحانه هو صاحب القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء، وأنه تعالى على كل شيء قدير وأنه آت بهما آت سواء طوعا (أي باختيارهما ) أو قهرا وكرها، وإن دل شيء على ذلك إنما يدل على أنهم كائنات عاقلة وعارفة بالله عزوجل.

هذا وهناك كائنات ذكرها الحق سبحانه وتعالى في قرآنه تخطت أنبياء لله وهم ليسوا ببشر عاديين، فهم كما نعلم أنهم صفوة البشر وخيرة الله منهم، وهم الذين شرفهم الله وسيدهم بالنبوة، وخصهم بأربع لم تعط غيرهم سوى أهل ولاية الله تعالى ، وهي ( علوم نبوة وأنوار نبوة وأسرار نبوة ومعارف نبوة ) وبالرغم من كل هذه المعطيات والمنح الإلهية، إلا أن منهم من وقف عاجزا أمام كائن صغير الحجم، وهو الهدهد الذي تخلف عن أمر نبي الله سليمان عليه السلام عندما أمر أن تجمع الحيوانات والطيور بين يديه، وأصدر على الهدهد أحكاما غيابية وهو غاضب فقال بعد تفقده للطير: “مالي لا أرى الهدهد لأذبحنه أو أعذبنه أو يأتيني بنبإ يقين”، وعندما عاد الهدهد ووقف بين يديه عليه السلام وقفة الواثق العارف بالله، قال وهو يهز برأسه المتوج الرقيق: “أحطت بما لم تحط به”، انظر عزيزي القارئ إلى هذا القول وخاصة إلى كلمة أحطت ولم يقل علمت شيئا أو عرفت، كلمة الإحاطة تجمع بين العلم والمعرف التامة الكاملة.

وانظر إلى قوله بما لم تحط به، ثم قال، وجئتك من سبأ بنبإ يقين، إنه يعلم ويعرف المدن ومسمياتها، نستكمل قوله: “إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم”، هنا هو أي ( الهدهد ) يعرف في الأجناس ويميز بين الرجل والمرأة، ثم أنه يعرف المناصب والوظائف ويعرف إمكانات ملكة سبأ والغني والعز والقوة والهيمنة التي لديها، نستكمل ثم قال: “وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون”، سبحان الله .. أي علم هذا وأي معرفة تلك، الهدهد يعرف عوالم السموات، ويعلم أن السجود والعبادة لا تكون لغير الله تعالى، ويعلم أن الشيطان هو الذي من وراء تضليلهم وصدهم عن سبيل الهداية إلى طريق الهداية،

نستكمل، ثم قال وهو مغضب ومتعجب: “ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون”، سبحان الله، الهدهد يتكلم عن التوحيد وتأخذه الغيرة على ربه وخالقه سبحانه وتعالى، ويشير إلى قدرته وعلمه المحيط بكل شيء، تبارك في علاه، عزيزي القارئ هل من بيننا من يتمتع بهذه المعرفة وهذا العقل، أعتقد أنه لو كنا نملك علم الهدهد ومعرفته بربه تعالى ومعرفته بعداوة الشيطان وأدواته في التضليل لكان حالنا غير الحال، وما ظلم بيننا أحد، وما استحل واحد منا دما وسفكه بغيا وظلما وعدوانا . ولساد العدل والسلام ولسادت الرحمة بيننا، إننا ندعي العقل وأحوالنا تقول غير ذلك، لقد ضيعنا الأمانة ولم نؤدي حقها وأتبعنا أهوائنا وإمتلأت قلوبنا بحب الدنيا والشهوات وتفشى الفساد فينا وغابت القيم والمبادئ والأخلاق، ولا زلنا ندعى أننا المميزون بالعقل.