بَيْنَ القَلْبِ السَّلِيمِ وَالقَلْبِ السَّقِيمِ: مَرَافِئُ النَّجَاةِ وَمَهَالِكُ الرَّدَى


بقلم الشيخ :  أحمد إسماعيل الفشني

من علماء الأزهر الشريف

 

الحمدُ للهِ مُقَلِّبِ القلوبِ والأبصارِ، العالِمِ بِمَا تُخْفِي الصدورُ وتُكِنُّ الأسرارُ، والصلاةُ والسلامُ على طبيبِ القلوبِ ودواتِها، سيِّدِنَا مُحمَّدٍ، الذي بُعِثَ ليُزَكِّيَ النفوسَ ويُطَهِّرَهَا، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأطهارِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ،

إنَّ الإنسانَ في هذهِ الحياةِ بضعةٌ، ومَلِكُ هذِهِ البضعةِ هو “القلبُ”.

إذا صَلَحَ المَلِكُ صَلَحَتِ الرعيةُ (الجوارحُ)، وإذا فَسَدَ فَسَدَتْ.

وقد جعلَ اللهُ النجاةَ يومَ القيامةِ مرهونةً بسلامةِ هذا المُضْغَةِ، فقالَ سبحانَهُ على لسانِ سيِّدِنَا إبراهيمَ الخليلِ عليهِ السلامُ:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).

فالقلوبُ بينَ يديِ اللهِ ثلاثةٌ: قلبٌ سليمٌ (حيٌّ)، وقلبٌ ميتٌ (والعياذُ باللهِ)، وقلبٌ مريضٌ (سقيمٌ). وحديثُنا اليومَ عنِ الفارقِ الدقيقِ بينَ “السلامةِ” و “المَرَضِ”.

أَوَّلًا: القَلْبُ السَّلِيمُ (وِعَاءُ الأَنْوَارِ)

هو القلبُ الذي سَلِمَ منْ كلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أمرَ اللهِ، ومنْ كلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خبرَهُ. هو قلبٌ ليسَ فيهِ إلا اللهُ.

ليسَ المقصودُ بالقلبِ السليمِ “السَّذَاجَةَ”، بل المقصودُ “النَّقَاءُ”.

أَهَمُّ عَلَامَاتِهِ:

 * سَلَامَةُ الصَّدْرِ لِلْخَلْقِ: لا يَحْمِلُ غِلًّا، ولا حِقْدًا، ولا حَسَدًا لأحدٍ.

   وقد رُوِيَ أنَّ سيِّدَنَا رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لأصحابِهِ يومًا: “يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ”. فطلعَ رجلٌ منَ الأنصارِ، تكرَّرَ ذلكَ ثلاثًا. فتبِعَهُ سيِّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ لِيَعْرِفَ سِرَّهُ، فباتَ عندَهُ لياليَ فلمْ يَرَهُ كثيرَ صلاةٍ ولا صيامٍ (نوافلَ).

   فلما سألَهُ عنِ السِّرِّ، قالَ الرجلُ: “مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ”. فقالَ عبدُ اللهِ: “هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ”.

 * الرِّضَا عَنِ اللهِ: فهو في سكونٍ وطمأنينةٍ، إنْ أَعْطَاهُ شَكَرَ، وإنْ مَنَعَهُ صَبَرَ، يعلمُ أنَّ تدبيرَ اللهِ لهُ خيرٌ منْ تدبيرِهِ لنفسِهِ.

ثَانِيًا: القَلْبُ المَرِيضُ (مَحَلُّ الأَكْدَارِ)

هو قلبٌ فيهِ حياةٌ، ولكنَّ فيهِ “عِلَّةٌ”. تَتَجَاذَبُهُ مادتانِ: مادةُ الإيمانِ ومادةُ الهوى. وهو في صراعٍ دائمٍ، وتظهرُ أعراضُ مَرَضِهِ في أمورٍ خطيرةٍ، سمَّاها العلماءُ “أمراضَ القلوبِ”، ومنْ أخطرِهَا:

 * الرِّيَاءُ: وهو أنْ يَعْمَلَ العبدُ العملَ لِيَرَاهُ الناسُ لا لِوَجْهِ اللهِ. وهو “الشركُ الخفيُّ” الذي حذَّرَ منهُ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ، لأنهُ يُحْبِطُ العملَ كما تَأْكُلُ النارُ الحَطَبَ.

 * العُجْبُ والكِبْرُ: أنْ يَرَى العبدُ نفسَهُ بعينِ التعظيمِ، ويحتقرَ غيرَهُ. وهذا هو داءُ إبليسَ الأولُ حينَ قالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾. والقلبُ المتكبرُ مَصْرُوفٌ عنْ فهمِ آياتِ اللهِ، قالَ تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.

 * القَسْوَةُ: وهي نتيجةُ كثرةِ الذنوبِ والغفلةِ. قالَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ… فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ”. فإذا زادتِ الذنوبُ، اسْوَدَّ القلبُ وعَلَاهُ “الرَّانُ”، فلمْ يَعُدْ يَعْرِفُ معروفًا ولا يُنْكِرُ منكرًا.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: كَيْفَ نُعَالِجُ قُلُوبَنَا؟

إنَّ طريقَ العودةِ منَ “السَّقَمِ” إلى “السَّلَامَةِ” يَحْتَاجُ إلى “طِبٍّ رَبَّانِيٍّ”، وصفَهُ لنا أطباؤنا منَ العارفينَ:

 * إِدْمَانُ الذِّكْرِ: الذكرُ هو “الجَلَّاءُ” الذي يُزِيلُ صدأَ الغفلةِ. شكا رجلٌ إلى الحسنِ البصريِّ قساوةَ قلبِهِ فقالَ لهُ: “أَذِبْهَا بِالذِّكْرِ”.

 * تَلَاوَةُ القُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ: فهو الشفاءُ لما في الصدورِ. قراءةُ وردٍ يوميٍّ بنيةِ الاستشفاءِ تُحْيِي مواتَ القلبِ.

 * مُخَالَفَةُ الهَوَى: أصلُ كلِّ مرضٍ هو اتباعُ الهوى، ودواؤُهُ في مخالفتِهِ.

 * قِيَامُ اللَّيْلِ: ركعاتٌ في جوفِ الليلِ، والناسُ نيامٌ، تَسْكُبُ في القلبِ نورًا لا تُوازِيهِ شموسُ الدنيا.

فَلْنَتَعَاهَدْ قلوبَنَا، ولْنُفَتِّشْ فيها كلَّ يومٍ: هلْ فيها غِلٌّ؟ هلْ فيها كِبْرٌ؟

ولْنُطَهِّرْهَا بماءِ الاستغفارِ، حتى نلقَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، فذلكَ هو الفوزُ العظيمُ.

وباللهِ تعالى التوفيقُ.