تعدد صور الرزق

بقلم : أ . د : السيد أحمد أحمد سحلول
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة
وعضو لجنة المحكمين لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين


الرِّزْقُ فِي ضَوْءِ السُّنَّةِ النَّبَوية :

الرِّزْقُ هو ما يُنْتَفعُ به ، وعلى هذا التعريف يكون ما يدخره الإنسان من مال لأولاده ليس رزقه ؛ لأنه لم ينتفع به ، وإنما أمين عليه يسلمه لأصحابه

فعن مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عن أبيه قال : أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم  وهو يَقْرَأُ ( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ) قال : ” يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ “

وللرزق أنواع كثيرة باعتبارات مختلفة ، وفيما يلي بيان لتلك الأنواع .

أولًا : أنوا ع الرزق باعتبار الظاهر والباطن :

الرزق باعتبار الظاهر والباطن نوعان هما :

1ـ رزق ظاهر للأَبدان كالأَقْوات .

2ـ رزق باطن للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم  .

ثانيًا : أنواع الرزق باعتبار الإيجاب والسلب :

الرزق باعتبار الإيجاب والسلب نوعان هما :

1ـ رزق الإيجاب : هو الذي يزيد في دخل الإنسان .

2ـ رزق السلب : هو الذي يمنع الإنسان من أن ينفق ماله فيما لا طائل منه ، أو ما ليس في حاجة إليه بحيث تستنفذ كله أو جله .

ويسمى رزق السلب برزق البركة فالإنسان عندما يكون دخله يسيرًا من حلال فيبارك الله له فيه على قلته ، ومن كان دخله كثيرًا من حرام تفتح له مصارف المال الكثيرة فيضيع فيها المال ، فماله كثير لكنه حرم البركة فيه .

ولعلنا في حياتنا اليومية نتعجب ممن يكون دخله يسيرًا كيف يعيش به ؟ ونسينا أن الله عز وجل قد أودع في هذا الدخل البركة ، وفي قلب صاحب

الدخل اليسير القناعة .

ثالثًا : أنواع الرزق باعتبار السعي :

الرزق باعتبار السعي نوعان هما :

1ـ رزق يسعى إليه الإنسان :وهو أن يضع الإنسان الخطط والمشاريع ويستخرج لها بحساباته المكاسب المنشودة منها فهو يسعي لتحقيق تلك المكاسب ، وقد يدركها وقد لا يدركها ؛ لأن كل شئ بمشيئته وقدرته عز وجل .

2ـ رزق يسعى إلى الإنسان : وهو أن يسعى الإنسان ويجتهد في عمله ويتقنه وهو في ذلك متوكل على الله عز وجل لا ينساه طرفة عين فيعطيه أكثر مما كان متوقعًا ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) {الحديد :21 ، الجمعة : 4}

والله عز وجل مَنّ عليه بفضله فرزقه الله من حيث لا يحتسب ؛ لأنه كان يتقي الله ويراقبه في عمله قال تعالي : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) {الطلاق : 2 ، 3}

ولله در القائل :

يَا طَالِبَ الرِّزْقِ فِي الآفَاقِ مُجْتَهِدًا أَبْصِرْ عَنَاكَ فَإنَّ الرِّزْقَ مَقْسُوم

الرِّزْقُ يَسْعَى لمن ليس يَطلبه وطالب الرزق يسعى وهو مَحْرُوم

رابعًا : أنواع الرزق باعتبار الحلال والحرام :

الرزق باعتبار الحلة والحرمة نوعان هما :

1ـ الرزق الحلال : كل ما انتفع به الإنسان من طريق مشروع لا تشوبه شائبة ، وهذا الرزق الذي ضمنه الله لعباده المتقين .

قال تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب) {الطلاق : 2 ، 3}.

2ـ الرزق الحرام : كل ما انتفع به الإنسان عن طريق غير مشروع كالرشوة والربا وغير ذلك … وهذا الرزق ضمنه الله لغير المتقين من عباده بما يناسبهم ، قال تعالى على لسان خليله ـ عليه السلام ـ : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) {البقرة : 126}. والله عز وجل يعاقب ما انتفع من مال حرام ، فكما أن الله كتب ما يعمله من خير و شر و هو يثيبه على الخير و يعاقبه على الشر فكذلك كتب ما يرزقه من حلال و حرام مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام .

والله عز وجل هو رازق الناس ومقدر الأرزاق ، ووزَّعها ، ولم ينسى أحدًا ،فالرزق كله منه ، وانفرد به سبحانه فهو مصدره لا غيره ، وقد تكفل بأرزاق عباده ، فهو رزاق ورازق .

قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) {الذاريات : 58 }

والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى ، ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سببًا في وصول الرزق .

والرزاق لا يقال إلا لله تعالى . وقوله : { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } [ الحجر : 20 ] أي : بسبب في رزقه ولا مدخل لكم فيه وقوله : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ } [ النحل : 73 ] أي : ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه وسبب من الأسباب( ) .

أبعد هذا كله يخاف الإنسان الفقر ؟
وكيف يخافه وهو يعلم أنه لا يموت حتى يستوفي رزقه الذي قدره الله له

فعن حذيفة ـ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ـ قال : قَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم : ” إنّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتّقُوا اللّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنّكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللّهِ فَإِنّ مَا عِنْدَ اللّهِ لَا يُنَالُ إلّا بِطَاعَتِهِ” .

وعلى المرء إذا أراد من أخيه شيئًا إن يطلبه بعزة لا بمذلة ؛ لأنه يعلم أن كل شئ بقدر القادر سبحانه وتعالى .

فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير » .

وعلى المرء منا أن يعلم أنه لن يأتيه إلا ما قدره الله عز وجل له

فعَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ : مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ” مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ”  .

أما بعد هذا كله تظن أن رازقك هو رئيسك في العمل الذي تخاف أن تشهد بالحق لكيلا يقطع عنك رزقك ، فما هو إلا سبب فقط ، فرازقك ورازقه واحد وهو الله عز وجل .

قال تعالى : (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) {النحل : 71}

وكان هشام بن عبد الملك قد دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له : سَلْني حاجتك ، فقال : إني استحيي من الله أن أسأل من بيته غيره . فلمّا خرجا منها قال : الآن قد خرجْتَ منها فاسأل !فقال : والله !ما سألْتُ الدنيا مّمن يملكُها فكيف أسألُ فيها مَنْ لا يَمْلِكُها ؟ .

فكان سلفنا الصالح زاهدين في الدنيا قنعوا بالقليل منها ، فلا حاجة لهم عند ملوكها ، فكانوا لا يتنافسون في طلبها ولا يسارعون إلى طلب ود ملوكها ؛ لأنهم إن فعلوا ذلك أهلكتهم .

وكما أن الله وحده هو الرزاق فهو أيضًا وحده هو يرفع سعر السلع ويخفضها ، ولا يجوز لأي أحد فعل ذلك فالله وحده هو المسعر

فعن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال : قال الناس : يا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لنا فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إِنَّ اللَّهَ هو الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ”  .

فالْمُسَعِّرُ هو الذي يُرْخص الأشياءَ ويُغْلِيها فلا اعتراض لأحدٍ عليه . ولذلك لا يَجوز التَّسعِير .

فهو يرفع سعر الأقوات ويضعها فليس ذلك إلا إليه وما تولاه الله بنفسه ولم يكله إلى عباده لا دخل لهم فيه .

والإنسان إذا أراد أن يرزق الله عز وجل فعليه أن يعمل ويتقن ذلك العمل ؛ لأن إتقان العمل هو مفتاح الرزق . فالله قد أمر عباده بالسعي في الأرض والعمل ليحصل كل إنسان على رزقه . قال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) {الملك : 15}

والرزق ليس قاصرًا على شيء بعينه فليس قاصرًا على المال فحسب كما يفهم البعض ، وإنما له صور متعددة منها :
العلم ، والمال ، والجنة والماء ، وسماع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وتطبيقها، و الفقه في الدين، وفهم القرآن الكريم ،و الكلم الطيب، و اعتناق الإسلام، و الشهادة في سبيل الله، و الصبر ، و الأولاد ، و البركة في الرزق رزق، والعمل و أجر العامل عليه رزق، و أكل الصائم وشربه ناسيًا، و الصحة، والأمن والأمان، و الزوجة الصالحة رزق، و حب الزوج لزوجته

فعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ : مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُولُ : ” أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ ” قَالَتْ : فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ خَدِيجَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ”  .