القراءة بالمقامات… بين الفهم الصحيح والتحريم بغير علم
22 نوفمبر، 2025
القرآن حياة

بقلم الشيخ : مصطفى عبدالكريم الأَزْهريّ المالكيِّ
سأكتب هذه الكلمات اليوم، لأنني – بعد برنامج «دولة التلاوة» – رأيتُ بعض الناس ينقلون نصوصًا عن الأئمة، وهم في الحقيقة لا يفهمون مرادها؛ وهذا مما يُحزن ويُؤلم ، وكأننا لم نطلع على تلك النصوص
ومع أنني – أنا كمصطفى – قلتها من قبل:
“لو طغى المقام على الحُكم، انقلب الأمر من الجواز إلى التحريم.
هذه قاعدة عظيمة.
فهل “كل من يقرأ القرآن بمقام فهو واقع في الحرام” ؟
في الحقيقة هذا تعميم غير صحيح، وبعيد عن فهم العلماء، والخلط فيه كثير.
فالعلماء الذين تكلموا عن تحريم “التلحين» لم يقصدوا كل تحسين للصوت،ولا كل موافقةٍ طبيعيةٍ لمقامٍ من المقامات،ولا قراءة القرّاء الذين يجتهدون في التعبير عن معاني الآيات بالحسّ الفطري.
بل كلامهم منصبٌّ على نوع واحد فقط:
القراءة التي تُخضِع القرآن لأوزان الموسيقى والغناء، فتغيّر هيئة التلاوة أو تضيع أحكام التجويد ، وهذا محلّ اتفاق بين أهل العلم.
أما تحسين الصوت، أو موافقة المقام بالفطرة، مع الالتزام بالتجويد؛فلم يقل أحد من السلف إنه حرام.
أولًا: النبي ﷺ أمر بتحسين الصوت
قال ﷺ:«زيّنوا القرآن بأصواتكم»
وقال ﷺ:«ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن»
أي يحسّن صوته دون تكلف، وهذا قد يوافق مقامًا من المقامات دون قصد،لأن المقامات أصلًا وصف لطبيعة الصوت البشري، وليست غناء ولا موسيقى.
ثانيًا: كبار القرّاء يوافقون المقامات دون تعلمها
الحصري – المنشاوي – عبدالباسط – مصطفى إسماعيل – الشيخ رفعت…كلهم كانت تلاوتهم توافق مقامات معينة، مع أنهم لم يتعلموها من أهل الموسيقى، وإنما هي موهبة فطرية.
فهل نحرم الناس من تحسين أصواتهم لأن أصواتهم بطبيعتها تنتقل بين المقامات؟!
ثالثًا: الفرق الواجب إدراكه
١) التلحين الممنوع (المحرّم):
تطريب مفرط؛ تكسير أحكام التجويد؛ اتباع الإيقاعات الموسيقية
تغيير مخارج الحروف؛ تقديم اللحن على المعنى
وهذا بالفعل بدعة منكرة.
٢) تحسين الصوت الجائز (والمستحب):
التزام كامل بالتجويد؛ عدم تغيير الحروف؛ عدم إدخال موسيقى
تعبير عن معاني الآيات (حزن – خشوع – رجاء – فرح)
وهذا ما فعله القرّاء الكبار ولم يُنكر عليهم أحد.
رابعًا: المقامات… مجرد وصف للصوت، وليست حلالًا ولا حرامًا
بعض الناس يتصور أن “المقام = حرام”!
وهذا خطأ؛فالمقامات ليست عبادة ولا معصية،بل هي مجرد مصطلح يصف طبيعة الصوت:
حزين، مفرح، خاشع، قوي…
فهل نحرم الصوت الحزين؟ أو الصوت الخاشع؟!
خامسًا: الحكم الصحيح عند المحققين:
* يجوز تحسين الصوت بالقرآن ولو وافق مقامًا من غير قصد.
*ويحرم إذا ضيّع التجويد أو أُدخلت الموسيقى.
وقال العلماء:
القرطبي: “تزيين الصوت غير التلحين المفسد للمعاني.”
النووي: “تحسين الصوت مندوب ما لم يخرج إلى التمطيط المذموم.”
ابن حجر: “التطريب الطبيعي محمود، والمصنوع المكلف مذموم.
الخلاصة:
ليس كل ما وافق مقامًا فهو حرام.
الحرام هو ما غيّر هيئة التلاوة الشرعية.
أما تحسين الصوت وإظهار المعنى والانتقال الطبيعي بين المقامات فهذا مشروع، بل مستحب.
فالواجب ألا نحرّم بغير علم، ولا نضيّق ما وسّع الله، ولا نخلط بين “الغناء” و“تحسين الصوت.
وفي برنامج التلاوة قلتها وكتبت منشورًا قبل ذلك(لما قال الشيخ طه النعماني في لجنة التحكيم (إذا خرج المقام على الحكم فبوظ المقام ع طول ) .
نسأل الله الفهم والعلم النافع.