المكروه والمباح والعزيمة عند الأصوليين 6

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

المكروه هو: ما كان تركه أولى من فعله، أو هو ما طلب الشارع من المكلف تركه لا على وجه الحتم والإلزام، وحكم المكروه أن فاعله يلام ولا يأثم، وتركه يُمدح ويثاب.

وتعرف الكراهة بصيغ، منها:

ـ صيغه النهي المقترنة بقرينة صارفة التحريم إلى الكراهة كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}[المائدة: 101]، فعجزُ الآية: {وَإِنْ تَسْأَلُوا…}، صرف صدرها من التحريم إلى الكراهة.

ـ لفظ الكراهة ومشتقاته، كحديث: “إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، …”.

والمكروه عند الحنفية على قسمين:

ـ المكروه كراهة التحريم، وهم ما طلب الشارع الكفُّ عنه حتماَ بدليلٍ ظني، كالخطبة على خطبة الغير، والبيع على بيع الغير، وهذا النوع يقابل الوجب عند الحنفية، وعند الجمهور هو والمحرم سواء، فيعاقب تاركه ولكن لا يكفر؛ لأن دليله ظني.

ـ المكروه تنزيهيًا، وهم ما طلب الشارع الكفُّ عنه طلبًا غير مُلزمٍ للمكلَّف، مثل أكل لحوم الخيل للحاجة إليها في الحرب، والوضوء من سُؤر سباع الطير، وفعل هذا المكروه خلاف الأولى، والأفضل التنزه عنه.

المباح هو: ما خير الشارع المكلَّف بين فعله وتركه، ولا مدح على الفعل ولا ذمَّ على الترك، وحكم المباح: أنه لا ثواب فيه ولا عقاب، ولكن قد يثاب عليه بالنية والقصد الحسن.

ويُعرف المباح بصيغ، منها:

ـ لفظ الحل ومشتقاته كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}[المائدة: 5].

ـ النصُّ على نفي الإثم أو الحرج أو الجناح، كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}[النور: 29].

ـ التعبير بصيغة الأمر مع وجود القرينة الصارفة عن الوجوب للإباحة.

ـ الاستصحاب (الإباحة الأصلية للأشياء).

والقرآن الكريم يستنكر على من يحرم المباح، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}[الأعراف: 32]، فلا يصح الإنكارعلى فعل المباح؛ لأنه لا إثم فيه، ومن ذلك جمع المال وَعَدِّه، أما قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}[الهمزة: 1، 2]، فالمراد به المال الحرام.

العزيمة والرخصة:

العزيمة هي: ما طلبه الشارع أو أباحه على وجه العموم.

والرخصة هي: ما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفًا على المكلفين.

وتعتبر العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفي؛ لأن الطلب والإباحة من أقسام الحكم التكليفي، وبعض العلماء جعلوهما من أقسام الحكم الوضعي؛ لأن الحاكم جعل الأحكام مشروعة ابتداءً وجعل الأعراض سببًا للرخصة، وهذا خلاف لفظي لا حقيقي بين الفريقين.

أنواع العزيمة:

أنواع العزيمة هي أنواع الحكم التكليفي من: الوجوب والندب والكراهة والإباحة، ولا تطلق العزيمة عند المحققين إلا إذا قابلتها رخصة.

أنواع الرخصة:

ـ إباحة المحرم عند الضرورة، كأكل الميتة للمضطر.

ـ إباحة ترك الواجب مثل الفطر في رمضان للمريض والمسافر.

ـ تصحيح بعض العقود التي يحتاجها الناس، كبيع السلم وعقد الاستصناع.

حكم الرخصة:

الأصل في الرخصة هو الإباحة؛ لأن مبناها ملاحظة عذر المكلف ورفع المشقة عنه، ولا يتأتى تحصيل هذا المقصود إلا بإباحة فعل المحظور وترك المأمور به، مثل الفطر في رمضان للمسافر والمريض.

وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى من الإباحة والأخذ بالرخصة، كترك النطق بالكفر مع الإكراه إظهاراً للاعتزاز بالدين، وقد يكون الأخذ بالرخصة واجباً كما في تناول الميتة عند الضرورة.