الإنابةُ والتوبة: درجاتُ القلوبِ المُنيبةِ عندَ العارفينَ باللهِ.

بقلم الشيخ: محمد رجب أبو تليح عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف 

سلسلة مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك المقال الثاني:

تحدثنا في اللقاء الماضي عن مفهوم التوبة عند خاصة المؤمنين، العارفين بالله تعالى.

وفي هذا المقال نتحدث، عن أعلى مقام وأسماه شرفا، ألا وهو مقام الإنابة إلى حضرة الحق تبارك وتعالى :

وبداية هناك علاقة بين التوبة والإنابة، علاقة عموم وخصوص : فالإنابة مقام أخص من التوبة، فالإنابة حال المصطفين من العباد، الذين تجلى الحق على قلوبهم بالأنوار، وخصهم بالتفضيل والاختيار، ولا يدلك على هذا إلا ثناء الله عليهم في كتابه، فهي مقام الأنبياء والمرسلين ، ومن تبعهم من الصديقين، والمحسنبن، وصف الله بها أنبياءه ورسله، وعباده المؤمنين الأخيار، ومن ذلك قوله تعالى في نبيه داود عليه السلام: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب ﴾ [ص: ٢٤]. وقال في شأن نبيه سليمان عليه السلام: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب ﴾ [ص: 34].

وقالها نبيه شعيب عليه السلام مفتخرا بها، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب ﴾ [هود: 88]. وقالها وافتخر بها حبيبه وصفيه محمد صلى اللهُ عليه وسلم، قال جل شأنه: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب ﴾ [الشورى: 10]. وأثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام لتحققه بها، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب ﴾ [هود: 75]. وأمر الله بها عباده المؤمنين، ليتحققوا بكمال الصفات السنية، والأحوال المرضية، فقال عز وجل: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [الزمر: 54]. فلهجت ألسنتهم بها، وحققوها بأحوالهم، إذ يقولون: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير ﴾ [الممتحنة: 4].

وهي في مفهومها اللغوي: الرجوع والعودة إلى الشيءِ بعدَ انصرافٍ. وقد استُعمِلَتْ في القرآنِ الكريمِ في موضعِ الرجوعِ إلى اللهِ تعالى، فهذا حال المتقين الأبرار، أنهم لا ملجأ ولا سند لهم إلا الله، فصححوا منهم مقام الغبودية، بالافتقار في كل أحوالهم إلى عز الربوبية، فهم أصحاب مقام، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة: 5)، فالإشارة هنا إلى من أناب وحقق المتاب، وصحح التفويض إلى الكريم الوهاب، فصاروا في كل أحوالهم لا يرجِعونَ إلى إليه، ولا يعتمدون في كل شؤونهم إلا عليه، فبه غناهم وعزهم، وإليه سؤالهم وافتقارهم. 

وفي الاصطلاحِ عند أهل الله: هي: رجوعُ القلبِ الدائمِ إلى اللهِ، والانقطاعُ الكاملُ إليه، معَ تركِ التعلُّقِ بالمخلوقِ، وحضورِ الذكرِ في السرِّ والعلنِ، وتجريدِ الإرادةِ للهِ وحده. وهي أعلى من التوبةِ في الدرجةِ، وأعمقُ في الأثرِ، إذ التوبةُ قد تكونُ بدايةَ طريقِ الخلاصِ من الذنبِ، بينما الإنابةُ هي ديدنُ السالكِ، وحالُ العارفِ.

والفرق بين الإنابةِ والتوبةِ: أنها منهجٌ سلوكيٌّ ومقامٌ تعبدي :
فالتوبةُهي: الندمُ على ما فات، والإقلاعُ عن المعصيةِ، والعزمُ على عدمِ العودةِ إليها. وهي أولُ مقاماتِ السالكِ، وبدايةُ طريقِ الاصطفاءِ، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).

أما الإنابةُفهي: استمرارُ حالةِ التوبةِ، بل تجاوزُها إلى حالِ الانكسارِ الدائمِ في حضرة الجلالِ ، وتحقيق الانكسار بين يدي العزيز الجبار، والرغبةِ في مرضاتهِ فوقَ كلَّ شيءٍ، فهذا هو أملهم ، وتحقيق خلاصهم، ولذلك قالوا عنها: الإنابةُ: ألا ترى لنفسكَ حيلةً دونَ اللهِ، ولا ملجأً من أمركَ إلا إليه، وأن تجعلَ وجهتَكَ كُلَّها نحوَه، فلا تستقبلَ الدنيا بوجهكَ، ولا تحملَ همَّها في قلبكَ”. 

فالتوبةَ قد تكونُ ردَّة فعلٍ بندم على الذنبٍ، في حال الخوف والاضطرار، بينما الإنابةُ هي مقام المحبة والشوق، بإرادة الاختيار. فالتوبةُ للذنبِ، والإنابةُ للربِّ . 

والإنابةُ في الكتابِ والسنةِ: نداءٌ إلهيٌّ وسلوكٌ نبويٌّ، فهي السبيل الذي وصى الله تعالى به عباده الأخيار، فقال جل شأنه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الروم: 30-31).

فلا يقام عبد في هذا المقام إلا وقد سبقت محبة الله له، وتفضله عليه بالاختيار:
فيرى العبدُ كلَّ الأحوالِ من اللهِ، فيشكرَهُ على النعمِ، ويصبرَ على البلوى، ويرجعَ إليهِ في السراءِ والضراءِ، ولا يُعرض عن ذكرهِ طرفةَ عينٍ. وهي تامةٌ عندَ من انكسرَ قلبهُ بينَ يديهِ، وصارَ لا يرى أحدًا سواهُ، فهي شهودُ تدبيرِ اللهِ في الأقدارِ، وامتثالٌ كاملٌ لأمرهِ، وتسليمٌ تامٌّ لقضائهِ، وحسن التوكلِ عليه جل في علاه.

فيقبل على اللهِ بقلبه قبلَ جسده، بحضورُ القلبِ مع اللهِ. 

اللهم ارزقنا الإنابة إليك، وحسن التوكل عليك. 

وإلى لقاء إن شاء الله.