الْحَقِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ
20 نوفمبر، 2025
منوعات

من ديوان أهل الذكر لسيدي برهان الدين أبو الإخلاص رضي الله عنه
يقدمها لكم : الشيخ السيد محمد البلبوشي
خويدم الطريقة الإخلاصية – خطيب بوزارة الأوقاف
الْحَقِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ
وَكِلَاهُمَا شَىءٌ وَاحِدٌ .
فَالشَّرِيعَةُ نِظَامُ ظاهِرِ الشَّـرْعِ ،
وَالْحَقِيقَةُ إدراكُ الْتِزَامَاتِ أَسرارِهِ وَحُكْمِهِ ، وَمُمَارَسَةُ أَهدافِهِ وآثارِهِ .
وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ نِسْبَةَ الْمَاءِ إِلَى الْعُودِ ، وَنِسْبَةَ الثَّمَرَةِ إِلَى الشَّجَرَةِ .
قَالَ السُّيُوطِىُّ: نِسْبَةُ الْحَقِيقَةِ إِلَى الشَّرِيعَةِ ، نِسْبَةُ عِلْمِ المَعانِى وَالْبَيَانِ إِلَى عِلْمِ النَّحْوِ فَهُوَ لَطَائِفُةُ وَمُتَعُهُ وَسِرُّهُ ولَذَائِذُهُ وَجَمَالُهُ . فالنّحوِىُّ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ قَوْلِ الشَّاعِرِ : ( وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرٌ )
وَلَكِنَّ علماءَ الْبَلاغَةِ يَرَوْنَ هَذَا الْكِلامَ فَاسِدَاً لَا جَمَالَ فِيهِ وَلَا قُوَّةَ ،
وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السّلامِ : مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الظَّواهِرِ مَعْرِفَةٌ لِجُلِّ الشَّرْعِ ، وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْبَوَاطِنِ معرفةٌ لِدِقِّ الشَّرْعِ . وَلَا يُنْكِرُ شَيئَاً مِنْهُمَا إلّا كَافِرٌ أَوْ فَاجِرٌ .
وَقَالَ الغزالىُّ يَضْرِبُ الْمَثَلَ مَا جُمْلَتُهُ : إِنَّ الْمُشَرِّعَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ الصَّلاةِ ، بِمُجَرَّدِ أَدَاءِ هَيْكَلِهَا الظَّاهرِىِّ ، أَمَّا المُتَحَقِّقُ فَلَا يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا إِلَّا مَعَ الْخُشُوعِ والتَّدَبُّرِ وَالْحُضُورِ . وَإلّا فَهىَ عِنْدَهُ فَاسِدَةٌ . وَإِنْ كَانَ ظاهِرُهَا سَلِيمَاً .
وَإذاً فَلْنَعُدْ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدِّينَ شىءٌ واحدٌ ، هَيْكَلُهُ وَظاهِرُهُ هُوَ الشَّرِيعَةُ وَلُبُّهُ وَبَاطِنُهُ هُوَ الْحَقِيقَةُ . فَلَا قِيامَ لِشَرِيعَةٍ بِغَيْرِ حَقِيقَةٍ وَلَا قيامَ لِحَقِيقَةٍ بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ فَهُمَا مُتَلازِمَتَانِ أَبَداً وَلَا تَنَافِى ، وَلَا اخْتِلافَ بَيْنَهُمَا عَلَى الإطلاقِ ، وَلَا غِنَى لإحدَاهُما عَنِ الأُخْرَى . وَبِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ شَلتوتُ أَخِيرَاً . وَالْقَائِلُ بِغَيْرِ هَذَا لَيْسَ صُوفِيَّاً مُسْلِمَاً وَإِنْ تَمَسْلَمَ !! وَالْاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ هُنَا مُغَالَطَةٌ خَبِيثَةٌ قَدْ تَصِلُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ ، فَلَيْسَ كُلُّ مُتَشَـرِّعٍ هُوَ مُوسَى ، وليسَ كُلُّ مُتَحَقِّقٍ هُوَ الْخَضِرُ ، فَكُونُوا كَمَا كَانَ الْخَضِرُ ، نَصْبِرُ مَعَكُمْ كَمَا صَبرَ مُوسى مَعَهُ !! وَالْاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ احْتِجَاجٌ بالأخَصِّ عَلَى الأعَمِّ وَهُوَ بَاطِلٌ ، أَوْ احْتِجَاجٌ عَلَى شَرِيعَةِ الإسلامِ بِشَـرِيعَةِ الْخَضِـرِ التى نَسَخَهَا الإسلامُ ، وَهُوَ أَشَدُّ بُطْلَانَاً . وَكُلُّ مايُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لَكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً ، وَلَكُلِّ ظاهِرٍ باطِنَاً ،
وَمِنْ وراءِ كُلِّ أَمرٍ سِرَّاً ، وَأَنَّ الْعَقْلَ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الإحاطةُ ، وَأَنَّ لِكُلِّ صَاحِبِ مَقَامٍ عِلْمَاً، لَا يَنبغى لِصَاحَبِ الْمَقَامِ الآخَرِ ، هَذَا هُوَ تَصَوُّفُ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا إثمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.