المندوب والحرام عند الأصوليين (5)

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى


المندوب هو:
ما طلب الشارع فعله من غير إلزام، بحيث يمدح فاعله ويثاب، ولا يثم تركه ولا يعاقب.

ويُعرف المندوب بصيغة الطلب إذا اقترنت بها ما يدل على إرادة الندب لا الإلزام، سواء كانت هذه القرينة نصًا أو غيره، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}[البقرة: 282] ، لا يدل على الإلزام بـ قوله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283], وكحديث: “من استطاع منكم الباءة فليتزوج”، لا يدل على الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُلزم كل مُكلَّفٍ بالنكاح ولو مع قدرته.

والمندوب يُسمَّى أيضاً بالسُّنَّة، والنافلة، والمُستحب، والتطوع، والإحسان.

وللمندوب مراتب، منها:

ـ السُّنَّة المؤكدة، وهي: ما واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتركها إلا نادرًا، كصلاة ركعتين قبل الصبح، وهذه السُّنَّة يُلام تاركها ولا يُعاقب.

ـ السُّنَّة غير المؤكدة، وهي التي لم يُداوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر.

ـ الفَضيلة والأدب وسُنَّة الزوائد، كالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في شؤونه التي صدرت منه بصفة إنساناً كآداب الأكل والشرب والنوم، فالاقتداء به في هذه الأمور مستحب ويدل على تعلُّق القلب به صلى الله عليه وسلم.

وأهمية المندوب أنه يُسهِّل على المُكلَّف أداء الواجب ويُذكِّر به، ويجبر ما فيه من النقص، وهو مقدمة للواجب؛ لأن أداء المندوبات والمواظبة عليها يسهل أداء الواجبات واعتيادها، والمندوب وإن كان غير لازم باعتبار الجزء، فهو لازم باعتبار الكلِّ، بمعنى أنه لا يصح للمُكلَّف أن يترك المندوبات جملة واحدة، فهذا قادح في عدالته ويستحق التأديب والزجر.
الحرام هو: ما طلب الشارع الكفَّ عنه على وجه الحتم والإلزام، فيكون تركه مأجورًا مُطيعًا وفاعلُه آثمًا. عاصياً

ويُعرف التحريم بصيغٍ, وأهمها:
ـ لفظ التحريم ومشتقاته.
ـ إذا ترتب على فعله حد من حدود الله.
ـ الوعيد على الفعل.
ـ صيغة النهي الخالية من القرينة الصارفة للكراهة.
ـ تسوية الفعل بفعل المحرم.

أقسام المحرم:
ينقسم المحرم إلى قسمين:

الأول: المحرم ذاته، وهو: ما حرمه الشارع ابتداءً لما فيه من الأضرار والمفاسد الذاتية التي لا تنفك عنه كالزنا وزواج المحارم والسرقة وأكل الميتة، وحكم هذا النوع أنه غير مشروع أصلاً، ولا يحل للمكلف فعله، ولا يصلح أن يكون سبباً شرعياً تترتب عليه أحكامه، وإذا كان محلاً للعقد بطل العقد ولم يترتب عليه أثره الشرعي.

الثاني: المحرم لغيره، وهو: ما كان مشروعاً في الأصل لا ضرر فيه ولا مفسدة، ولكن اقترن بما يقتضي تحريمه، كالنكاح المقصود به تحليل المطلقة ثلاثاً لمطلقها، والخطبة على خطبة الغير، وبيوع العينة، والبيع وقت نداء الجمعة.

وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع، فمنهم من غلب جهة مشروعية أصله على حرمة ما اتصل به، فقالوا إنه يصلح سبباً شرعياً, وتترتب عليه آثاره, وإن كان منهيًا عنه باعتبار ما اتصل به، ولهذا يلحق فاعله الإثم من هذه الجهة، وعلى هذا النظر يكون البيع وقت نداء الجمعة صحيحًا مع الإثم، ومن الفقهاء من غلّب جهة الفساد الذي اتصل به الفعل على مشروعية أصله، فقال بفساد الفعل, وعدم ترتب أثره الشرعي عليه، ولحوق الإثم بفاعله, وعلى هذا الأساس قالوا هذا الفريق ببطلان الصلاة في الأرض المغصوبة والطلاق البدعي، وبطلان عقد البيع وقت نداء الجمعة.

وأخيراً: يُباح الحرام عند الضرورة كإباحة أكل الميتة لمَن خاف على نفسه الموت من الجوع ولا يجد غيرها؛ لأن حفظ النفس ضرورية تستوجب هذا الحل.