انتبه فأكثر البلاء مرهون باللسان والمنطق
20 نوفمبر، 2025
منهج الصوفية

بقلم الشيخ: حمدى على الجهينى مسؤل إدارات المساجد بمديرية أوقاف القاهره وكبير أئمة بإدارة السيدة زينب
توطئة :
اللسان عضلة صغيرة، ولكن شأنها عظيم، قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك إذا لم يتريث ويتثبت من منطوقها، ولذا كان من الحكمة ألا تُستخدم إلا في الخير، وأن تحفظ من أي مقولة تنعكس على صاحبها شؤما أوعقابا ’ والسلامة لا يعدلها شيء، ومن هنا جاء التحذير كثيرا من النطق بالسوء، أوأستفتاح الإنسان على نفسه بالشر، أوالتشاؤم بأى أمر؛ وذلك حتى لا يُبتلى به، وانما يحسن انتقاء ألفاظه، ويختار الكلمات الحسنة الجميلة التي تدعوا إلي التفاؤل، وروح البشرى وتنشرعبير الأمل وتحمل دلالات طيبة ، فربما تكلم الإنسان بكلمة كتبها قلم القضاء عليه وكانت حتماً مقضيا ولذا قال الله عزوجل:”يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا..” وفي الحديث “أمسك عليك لسانك..” وقد أفلح من حفظ لسانه إلا من خير يتكلم به، فكم من شخص أطلق للسانه العنان متشائما بوقوع الشرعليه في مستقبل أيامه، فابتلي بوقوع ذلك الأمر’ ومن أشهر المقولات الدالة على ذلك والتي سارت مثلاً فيما بعد مقولة:( البلاءُ موكَّلٌ بالمنطق )
فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال:” الْبَلاَءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ ” وروى القاضي أبو يوسف في الآثاربسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:” إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْكَلَامِ “ويقال ان أول من قال تلك المقولة هوأبوها أبوبكر الصديق رضي الله عنه .
والمقصود من المقولة أن الرجل قد يتكلم بالكلمة فيصيبه بلاءٌ، وِفقَ ما نطق وتكلم به ’ وهى وان كانت ليست آيةً قرآنية ولاحديثاً نبوياً، وإنما أثرٌ واردٌ عن بعض الصحابة والتابعين، ومَثَلٌ سائر بين العرب من قديم الزمان ، إلا أن معناها صحيح، يشهد له كثير من ظواهرالنصوص الشرعية كما سنوضح ، والوقائع والحوادث في القديم والحديث، ولها تحقيق في واقع الناس من التجربة والمشاهدة ، ومنْ يبحث في ذلك يرى عجبًا ’وما زال أعلام هذه الأمة قديمًا وحديثًا يذكرون هذا المعنى ويقرونه. قال ابن القيم: وقد استشكل هذا من لم يفهمه, وليس بحمد الله مشكلًا, فإن مسبب الأسباب سبحانه ’جعل هذه المناسبات مقتضيات لهذا الأثر, وجعل اجتماعها على هذا الوجه الخاص موجبًا له وأخر اقتضاءها لأثرها إلى أن تكلم بها من ضرب الحق على لسانه, فحينئذ كمل اجتماعها وتمت, فرُتب عليها الأثر, فإن البلاء موكل بالمنطق, وقد رأيتُ أخبارَ كثيرٍ من المُتمنِّين، أصابتهم أمانيُّهم أوبعضها ( تحفة المودود بأحكام المولود ص: 124).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم النخَعي أنه قال:“إني لأجد نفسي تُحدِّثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلَّمَ به إلا مخافةَ أن أُبتلى به ”الصمت وآداب اللسان ص: 169.
وقال الشاعر العربي :
لا تنطقنْ بمقالةٍ في مجلسٍ تخشى عواقبَها وكن ذا مَصْدقِ
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكّل بالمنطق
وأنشد القاضي ابن بهلول يقول:
لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون .
ومع ما سبق؛ فإن ذلك ليس قاعدة عامة مطردة بحيث يقال: إن كل ما يتكلَّم به الإنسان يُبتلى به، ولاهو مقصود من أطلق هذه العبارة، فالواقع خير شاهد على بطلان عموم هذا الفهم’ ولكن الذي يظهر أن سبب أن يقع الرجل فيما تكلم به راجع إلى أمورسنوضحها ولكن ينبغي أن نلاحظ قبلها تنبيهات مهمة:
أولها: أن المسلم وإن كان مطالبًا بالأخذ بأسباب النجاة إلا أن ما قدره الله تعالى كائن لا محالة, ولو سعى المرء للفرارمنه كما قال تعالى:( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)آل عمران:154. وكما قال:(وماهم بضارين به من أحد الابإذن الله ) وكما في الحديث:(وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ)رواه الطبراني مرفوعًا. ومن أيقن بهذا استراح قلبه.
ثانيها: ليس معنى كون البلاء موكلًا بالمنطق أنه لا يصيبه بلاء إلا بسبب منطقه, فالعبد قد يبتليه الله تعالى اختبارًا أوعقابًا ولو لم يتكلم بما يوافق المصيبة.
ثالثًا: إن الإغراق في التخوف من المنطق خشية البلاء, والتدقيق في ربطه بما يقع من المصائب قد يجر صاحبه إلى التشاؤم, والتشاؤم منهي عنه ولذا، فمن الواجب ألا يقول الإنسان إلا قولا فيه تفاؤل وخير، فالفأل فيه تقوية للعزم، وهو باعث على الجد والتوفيق على خلاف التشاؤم، وهو مصدر يتوقع من خلاله وقوع الشر.
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن سبب أن يقع الرجل فيما تكلم به راجع إلى خمسة أمور:
الأول: ظنه السئ بربه تبارك وتعالى’ أوسوء أدبه معه ومع رسوله صلى الله عليه وسلم: وذلك لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي..) فمن تكلم بالبلاء وظن أن ربه سيوقعه فيه، فقد يقع فيه, ولهذا ينبغي للإنسان ألا يُطلق لسانه في أمور تظهرسوء ظنه بربه’ولَّايعجلَ على نفسه بكلام فيكونَ فيه هلاكُه، أويوافق ساعةَ استجابة فيصادف قولُه قدَرًا سبق في عِلم الله عزوجل؛ومن أمثلة ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي دخل عليه يعوده: فعن ابن عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما:(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ النبى: لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّه (يعنى: متقلقش هتقوم وتطهرمن تعبك وذنوبك كما يطهر الثوب من البُقع بعد الغسيل) فَقَالَ الرجل: كَلَّا، بَلْ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، كَيْمَا تُزِيرَهُ القُبُورَ، فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا) رواه البخاري. وفي زيادة عند الطبراني:«أما إذا أبيت فهي كما تقول وماقضى الله فهو كائن» قال ابن عباسٍ:فما أمسى من الغد إلا مَيِّتا.
وقول النبى:(فنعم إذا) ليس دعاءً عليه لأن النَّبِي لن يدعواعليه بالموت, لكن لمَّا كان هذا الرجل غير مُتفائل جعل له النَّبِيُّ ما أراد’ أي: إذاً هذا المرض ليس بمطهرك كما قلت’ويحصل لك ما قلت’ إذ ليس جزاء كفران النعمة إلا حرمانها. ونظيرذلك تصورالناس وتصويرهم دائما أن القبر مكان للرعب والتعذيب’مع أن النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أنه إما روضة من رياض الجنة واما حفرة من حفر النار’على حسب عمل صاحبه , فلماذا نتوقع دائما أن يكون الأخرى ولايكون الأولى’ فلا بدأن نغيرتلك النظرة الظالمة ونحسن الظن بالله تعالى ونتبعه بحسن العمل حتى يكون روضة من رياض الجنة كما بشرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومن سوء الأدب ’حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال:(أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك ؟ قلت: حَزْن، فقال: أنت سهل، فقلت: لا أغيّر اسماً سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فمازالت تلك الحزونة فينا بعد) رواه البخاري.ومثاله أيضا حديث الرجل الذى أكل بشماله,فقال له النبى صلى الله عليه وسلم كل بيمينك فقال لاأستطيع فقال النبى لااستطعت فما رفعها الى فيه, ومثاله أيضا قوله تعالى:﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ المائدة: 64؛ فلأن البلاء موكل بالمنطق لمَّا وصفوا اللهَ بالإمساك، طُردوا وأُبعدواعن رحمته؛ وقيل لهم: إذا كان الله عز وجل كما قلتم لا يُنفق، فليمنعْكم رحمتَه حتى لا يعطيكم من جُودِه، فعُوقبوا بأمرين: بتحويل الوصف الذي عابوا به الله سبحانه إليهم بقوله:﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ’وبإلزامهم بمقتضى قولهم بإبعادهم عن رحمة الله؛ حتى لا يجدوا جُودَ الله وكرمه وفضله فقوله (بِمَا قَالُوا) الباء هنا للسببية فكان سبب بلائهم ما تلفظوا به من الكفر والتنقص لمقام الرب تبارك وتعالى .
الثاني: أن يقول هذا الكلام سخرية من الغير وتعييرا له: قال الحسن رحمه الله :(كان يُقال: مَن عَيَرَ أَخَاه بذَنبٍ تاَبَ منه لَم يَمت حَتَى يبتَليه الله به (وفي الأثر:”لا تستهزئ بأخيك فيعافه الله ويبتليك” وكانت العرب تقول:”لا تسخر من شيء فيحور بك” أي يرجع عليك ويحل بك، وروى ابن أبي شيبة في الأدب المفرد عن ابن مسعود أنه قال:”البلاء موكل بالمنطق لوسخِرتُ من كلب، لخشيتُ أن أُحَوَّلَ كلبًا ’وفى رواية: الْبَلاءُ مُوَكَّل بِالْقَوْلِ، فَلَوْأَنَّ رَجُلا عَيَّرَ رَجُلا بِرَضَاعِ كَلْبَة لَرَضَعَهَا”(كشف الخفاء للعجلوني). فالكلمات التي تنطق بها لتعيب الآخرين وتذمهم وتسخر منهم، ثق بأنها سترتد إليك ويكون لها تأثير في جلب ما عبت به الناس إلى عالمك الخاص وإلى نفسك التي بين جنبيك.
بل إن علماء النفس من جانبهم يرون أنه عندما يركز الشخص على تجربة شخص آخر ويتحدث عنها، فإن العقل الباطن يترجمها كأنها طلب، أي أن هذا الشخص يريد أن يعيش تجربة الشخص الآخر نفسه، وبذلك فهو يصنع واقعه بطريقة غيرواعية. ومن أمثلة ذلك: ذكر شهاب الدين العمري فى مسالك الأبصار في ممالك الأمصار(5/ 240) عن الدورقي قال: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فحضرت صلاة العِشاء، فقدَّموا الكسائي إماماً، فارتجَّ عليه في قراءة ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ فقال اليزيدي: قراءةُ هذه السورة يُرتجُّ فيها على قارئ أهل الكوفة! قال: فحضرت صلاة فقدَّموا اليزيدي فارتج عليه في الفاتحة فلما سلَّم قال:احفظ لسانَك لا تقول فتُبتلى إن البلاء موكَّل بالمنطقِ .
وقال محمد بن سيرين: عيّرت رجلاً بشيء منذ ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به, وكانوا يرون أنه عيّر رجلاً بالفقر فابتلي به . وذكر الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه سيرأعلام النبلاء ” أن الوزير ابن الزيات, قال: ما رحمت أحدًا قط، فالرحمة خور في الطبع. قال ثم تغيرالحال, فسُجن ابن الزيات في قفص جهاته بمسامير كالمسال، فكان يصيح: ارحموني، فيقولون له مقولته السابقة: الرحمة خور في الطبع .
الثالث: أن يقول شيئا ويظن أنه يمتنع عنه ولايحدث له لقدرته على دفعه فى المستقبل: بأن يقول الرجل مثلا: لا أفعل كذا وكذا’معتقداً أنه لا يفعله لقدرته على الامتناع منه فيعاقبه الله عزوجل بأن يوقعه فى فعل ذلك’ومن هذا ماجاء في تذكرة الحفاظ للذهبي(1/ 32)عن سليمان بن يسار قال كنت أقسم نفسي بين ابن عباس وابن عمررضى الله عنهما’ فكنت أكثر ما أسمع بن عمريقول:لا أدري، وابن عباس لا يرد أحدا ’ فسمعت ابن عباس يقول: عجبا لابن عمر وردّه على الناس ألا ينظر في ما يشك فإن كانت مضت به سُنة قال بها وإلا قال برأيه. قال سليمان بن يسار: فسُئل بن عباس عن مسألة فارتج فيها فقال: حقا إن البلاء موكل بالقول.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذُكِرَ المُتلاعنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً(كأنَّه استبعَدَ أنْ يَجِدَ الرَّجلُ امرأتَه مع رجُلٍ، ثُمَّ يَذهبَ لِاتِّهامِها بِالزِّنا أولِنفْيِ الولدِ ) ثم انصرف, فأتاه رجل من قومه, فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلاً, فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون, هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس,وما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولي(أي بسؤالي عما لم يقع, كأنه قال فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي) فَذَهَب إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخْبَرَهُ بالَّذِي وجَدَ عليه امْرَأَتَهُ، فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:اللَّهُمَّ بَيِّنْ. فَوَضَعَتْ صبيا شَبِيهًا بالرَّجُلِ الَّذي ذَكَرَزَوْجُها أنَّه وجَدَهُ عِنْدَها، فَلاعَنَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَهُما) متفق عليه. فقول عاصم رضي الله عنه:”ما ابتُليتُ بهذا الأمر إلا لقولي ” دليل على أن البلاء موكل بالمنطق. ولهذا قال الله عزوجل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ *وَإِنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَااللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌحَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) المائدة:101/102. ولما ولَّى ابن حفصون أشهر معارضي الدولة الأموية في الأندلس قائدَه عيشون على مدينة “رية” فسار إليه الأمير المنذر بن محمد ليقاتله، فقال عيشون لأصحابه: إذا المنذرُ ظفر بي، فليصلبْني بين خِنزيرٍ وكلب؛ دلالةً على استهانته به، ويقينه من الانتصارعليه، فحاصره المنذر حتى عجز أهل “رية” مما حلَّ بهم، فسلموا إليه”عيشون” فوجه به إلى قرطبة، وصلبه وعن يمينه خنزير وعن يساره كلب كما قال.(مطلع الأنوار ونزهة البصائروالأبصار؛لأبي عبدالله بن عسكر ص: 330).
ومن أعجب ما قرأت في صدق هذا المثل ما ذكر صاحب الأغاني وغيره عن المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر فقد قال في امرأةٍ كان يهواها، يقال لها هند قصيدة مشهورة وفيها:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر …ليت المؤمل لم يخلق له بصر
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم … والله لا عذبتهم بعدها سقر
قال: فرأى المؤمل في نومه قائلاً يقول: أنت المتألي على الله أنه لا يعذب المحبين حيث تقول:
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم … والله لا عذبتهم بعدها سقر . قال: نعم. فقال: كذبت يا عدو الله ثم أدخل إصبعيه في عينيه وقال له: أنت القائل: شف المؤمل يوم الحيرة النظر … ليت المؤمل لم يخلق له بصر,هذا ما تمنيت فانتبه فزعاً فإذا هو قد عمي.(معجم الأدباء؛ لياقوت الحموي 2/ 6). ومثاله ما قال مجنون بني عامر في ليلى:
فلو كنتُ أعمى أخبِط الأرضَ بالعصا أصمَّ فنادتني أجبتُ المناديا
فعمي وصَمَّ، وذهب بصره وسمعه.[الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء؛ لمحمد بن عمران المرزباني ص: 266].
وفى قصة قوم سبأ عبرة وعظة قال تعالى:(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ(18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)سبأ. أي: جعلناهم حديثا للناس، وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء; ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا:” تفرقوا أيدي سبأ “وذلك أنهم بطروا هذه النعمة وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة; ولهذا قال لهم:(أتستبدلون الذي هوأدنى بالذي هوخير اهبطوا مصرا فإن لكم ماسألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله )البقرة :61 ،
ومثال ذلك فى عالمنا اليوم أن تقول امرأة عن بناتها الصغار:( أنا لن أزوج بناتي, بل سأبقيهن عندي) وهي لا تقصد ذلك, ولكن من باب كثرة الكلام والفخر, أولتبين للناس أنها غير مهتمة إن جاءهن خطاب أم لا, ولكن فعلاعندما يكبرن يبتليهن الله بمرض, أو لايأتيهن خطّاب فلا يتزوجن فعلا, ومن هذا القبيل أيضا قول شخص لآخروالله أموت ولا أفعل كذا أوتنقطع إيدّي ولا أفعل كذا وهويتجرأ ويستبعد أن يحدث ذلك ولكن قديحدث , حتى لوكان هذا القول على غيرسبيل الجد بل ولو كان مزاحا’ ففى قصة المثل المشهور: نام نومة عبود ’يروي الشرفي بن القطامي أن أصلها أن عبودًا ذلك عبد أسود تماوت في مرة على أهله ،وغلبه الفضول أن يعرف كيف سيندبونه إن مات ، فقال لهم ذات يوم: اندبوني لأعلم كيف تندبون إذا مت، فغطوه لينام وندبوه…’ فإذا به قد مات فعلًا ونام أطول نومة له ، ومنذ ذلك الحين صارت نومة عبود مضربًا للأمثال الشعبية في ثقل النوم والإطالة فيه . وفى هذا العصرذكر أحدهم قائلا أعرف رجلا كان كل لما مراته تيجي تصحيه من النوم يعمل فيها مقلب قال إيه إنه ميت كل كام يوم يعمل فيها المقلب ده والست تبكي وهو يضحك, لحد ما في يوم جت تصحيه لقته فعلاً مات! ونشرت احدى النساء على وسيلة التواصل تمزح مع صديقتها وخوفا من الحسد قائلة: مش هتيجى عشان أوريكى قسيمة زواجى وقسيمة طلاقى وشهادة ميلاد بنتى , وبعد مرور خمس سنوات نشرت تغريدة تقول فيها بعد ان قرنت التغريدة السابقة معها قائلة : البلاء موكل بالنطق به انا مش مصدقة ان الكلام دا انا قلته من خمس سنين وفعلا انا دلوقتى معايا قسيمة زواجى وقسيمة طلاقى وشهادة ميلاد بنتى . ولله درّالشاعر:
لا تمزحن بما كرهت فربما … ضرب المزاح عليك بالتحقيق .
وفى مشهد من فيلم يسمى قمر14 تم تصويره سنة 1950 جمع بين كل من الممثلة كاميليا والممثلة وداد حمدى والتى اشتهرت بدور الخادمة فى معظم أفلامها قالت وداد لكاميليا يارب تتحرقى, فردت عليها كاميليا يارب تتضربى بالسكينة فى قلبك (ويبدوا أنهم اندمجوا فى أدوارهم وتقمصوا الشخصية لدرجة الأنفعال الوجدانى) ومرت الأيام واذا بالمشهد يتحقق بكل تفاصيله فاذا بكاميليا فعلا تموت محروقة بعد شهورقليلة فى حادث سقوط الطائرة الأمريكية التى كانت تستقلها متجهة الى روما وسقطت بالقرب من محافظة البحيرة بسبب احتراق أحد المحركات، وعند وصول الشرطة وجدوا جميع الركاب محترقين. وأما وداد فبعد سنوات وفى يوم26 من مارس 1994تموت طعنا بسكين فى القلب بهدف السرقة وبسبب 250 جنيها فقط’ حيث كانت تعيش بمفردها فقتلها ريجيسير من أجل الحصول على المال من خلال طعنها بالسكين 35 طعنة فى الصدر والبطن حتى سقطت على الأرض جثة هامدة.على الرغم أنها كانت لاتسمح بدخول غرباء عليها والحادثة مشهورة .
رابعها: الدعاء : فمن الناس من يدعو على نفسه ، أوعلى ولده ، أوماله بشر دون أن يستشعرأنه قد يصادف دعاؤه بابًا مفتوحًا فيصيبه مادعا به ، فيكون البلاء الذي أصابه بسبب ما نطق به وتلفظ ، داعيا كان أو متمنيا وقدجاء في الحديث :(لا تدعوا على أنفسِكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا تُوافقوا من اللهِ تعالى ساعةَ نَيلٍ فيها عطاءٌ، فيستجيبَ لك) رواه أبو داود بإسناد صحيح. ورُوي أن رجلًا من النصارى- وكان بالمدينة – إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال:”حُرِق الكاذب” فسقطت في بيته شرارةٌ من نار وهو نائم، فتعلَّقت النارُ بالبيت فأحرقته، وأحرقت ذلك الكافرَ معه؛ فكانت عبرة للخلق.[أحكام القرآن؛ لابن العربي 2/ 139]. وسُئل بعض الشباب من أصحابه عن أسوأ رحله قام بها قال ذهبنا فى رحلة عمرة نحن وزوجة أبى وكانت تكرهنا ونكرهها والمشاكل بيننا كثيرحتى فى هذه الرحلة المباركة فقعدنا ندعى عليها وهى تدعى علينا واحنا راجعين عملنا حادثة اتكسرنا كلنا . وتقول احدى الفتيات زعلت مرة امى فقعدت تدعى عليا وتقولى يجيكى اللى ماتطيقيه , فجانى كانسر(سرطان) فبقي جسمى وعظمى يؤلمنى ويعذبنى ليل نهار. وانظر الى كثيرمن المصريين عندما كثر بينهم دعاء الله يخرب بيتك خربت بيوت الكثيرين منهم. واللبنانيون والاردنيون كثربينهم سباب يفضح عرضك انتشرت بينهم جرائم الشرف بحق وبغيرحق. والسوريون كثر بينهم مقولة تقبرنى امتلات بلادهم بالمجازر والقبور.
خامسها : الإغراق في التخوف من البلاء والتشاؤم من المستقبل, واستشراف المصائب وتوقعها والتدقيق في ربطها بما يقع من المصائب مما يجر صاحبه إلى التشاؤم, والتشاؤم منهي عنه ولذا فمن الواجب ألا يقول الإنسان إلا قولا فيه تفاؤل وخير، فالفأل باعث على الجد والتوفيق على خلاف التشاؤم، وهو مصدر يتوقع من خلاله وقوع
الشر قال تعال:(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) قال ابن القيم في زاد المعاد:” وقد تقع الطيرة لا سيما على المتطيرين ، فقل من تطير إلا ووقعت به طيرته، وأصابه طائره ’ وعن ابن مسعود أيضًا قال:” لا تستشرفوا البليَّة؛ فإنها مُولعةٌ بمَن يُشرِف لها، إن البلاء مولع بالكَلِم . وفى الحديث:(لاتتمنوا لقاء العدوا …). ومن المقولات المشهورة:(لا تمارضوا فتمرضوا، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا) والتمارض : يعني التظاهر بالمرض مع أن الحقيقة السلامة منه ، ومن الأبيات الجميلة في هذا المعنى:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل وكل امرئ ما بين فكيه مقتل
إذا ما لسان المرء أكثر هذره فذاك لسان بالبلاء موكل
و كم فاتح أبواب شر لنفسه إذا لم يكن قفل على فيه مقفل
وقول الآخر: لا تنطقن بما كرهت فربما عبث اللسان بحادث فيكون
فعندما يتهاون بعضهم ويطلق للسانه العنان، متشائماً بوقوع الشرعليه في مستقبل أيَّامه، فقد يُبتلى بما يقول، فالمريض اللى دائما يقول انا لوروحت المستشفى هاموت يروح المستشفى ويموت. وكذلك الذى يقول لوشربت الدواء هموت لوشرب فعلا قد يموت .اللى بيقول لوسافرت مش هرجع تانى لوسافر مش هيرجع .اللى بيقول دا انالو عملت كذا هاروح فيها لوعمل فعلا هيروح فيها. يقولك انا حاسس إني هسقط اه هتسقط ’ الظروف هتفضل ملطشه معايا كده ! اه هتفضل ملطشه معاك كده , هيجيلى كورونا آه هيجيلك كورونا , والوالد اوالوالدة التى تخاطب ولدها اوابنتها دائما بأنه أهبل وعبيط وفاشل سيظل هكذا ويتحقق فيه ما تدعيه ولولم يكن فيه والافضل ان تشجعه وتنمى موارد الذكاء والنجاح فيه
وتنظركذلك الى مميزاته لاعيوبه فقط وتدعوا الله له ’الوالدان عندما يريان كثرة حركة الولد فيقولان دا هيطلع شقى تمر الايام ويتحقق’ والزوجة التى تدعى الفقر والحاجة والضيق مع زوجها سيظل حالها دئما فى ضيق وفقر ولذلك لمازار ابراهيم ولده اسماعيل فوجد زوجته فسألها عن حالهم فاشتكت اليه بالضيق والفقر المزمن ’أمراسماعيل ان يغيرها. وتغريدات الدعاء بعد الموت مثلا قد تجلب الموت’ كمن يكتب فى تغريدته اذا متّ فادعوا لى’ وبالفعل بعد أيام قليلة اذا به يموت ويتناقل اصحابه تغريدته على انه كان يشعر بموته وماعلموا انها قد تكون هى التى عجلت بموته . هذا الصحفي اللبناني فرح أنطون ضاق بكثرة التضييقات الصحفية في مقالاته، فكتب في مقالٍ له يومًا: فيا موتُ زُرْ إن الحياةَ ذميمةٌ ويا نفسُ جِدِّي إن دهرَك هازلُ . فمات في اليوم التالي. فطبيعي تفضل ظروفك كده مادام حكمت علي نفسك بحاجه وقدمت البلاء قبل وقوعه يبقي هيحصل !فتذّكر كم مرة يقول كل منا جملة مشابهة ؟ وعلشان كده الحكمه تقول تفائلوا بالخير تجدوه ’ فزي ما تبشر نفسك بالشر فيحصل كذلك لو بشرت نفسك بالخير هيحصل .. لذلك قالوا لاتكن عيناك عين ذباب لاتقع الا على المزابل بل اجعل عيناك عينا نحلة لاترى الا أطايب الزهور والرحيق . زي بالظبط لما تكون قاعد بتتكلم علي حد وفجأه لقيته داخل عليك فقولت: يارتني افتكرت مليون جنيه, وده يبينلك إن كتير من حاجات بتحصل في حياتنا بتيجي بسبب إننا جبنا سيرتها! لأن كُل مُتوَقَّع آتٍ ,
وكثير من الناس يقولون أشياء ولا تلبث سنون أوأسابيع حتى تصيبهم وعلى سبيل المثال أعرف رجلاً كان يعملٌ في قطاع الأمن فقام بسؤاله أحد أصدقائه فقال له فلان إلام تخطط أن تصبح مستقبلا؟ فأجابه : لا أظن أني سأتعدى رتبة رقيب و فعلا مضت السنون ومرض وتوفاه الله وهو لم يتعدى أويتخطى رتبة رقيب .
يذكرنى هذا بابن طولون وزميله الطباخ فقد جئ بهما رقيقان وبيعا فى سوق النخاسة فى مصر فقال بن طولون لصاحبة ما الذى تتمناه فقال أتمنى أن يشترينى طباخ حتى أشبع وآكل مااريد من الطعام’واللحوم والفواكه ’ فقال بن طولون أما أنا فأتمنى أن احكم هذا البلد ومرت السنوات وبيع ابن طولون للجيش وأخذ يصعد فى الرتب حتى تولى فعلا حكم مصر فكان والي الدولة العباسية على مصر، ثم استقل بمصرعن الخلافة العباسية، فكان أول من يستقل بمصر،وتمدد باتجاه الشام. وبينما هويسير يوما يتفقد السوق اذا به يرى صاحبه وقد أصبح مساعدا لطباخ فقال لأصحابه لقد اتيت وهذا الى مصر فى يوم واحد اما هو فوقفت به همته عند بطنه واما انا فلو طاولت همتى لبلغت عنان السماء. وهناك العديد من القصص التي تسير وتقع على لفظ اللسان’ والأفضل للإنسان أن يتفاءل لنفسه خيراً, فيعقوب عليه السلام لما قال لبنيه في يوسف:﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾يوسف: 13، جاؤوا إليه عِشاءً وقالوا: أكله الذئب، فابُتليَ من ناحية هذا ا