التغلغل الإستخباراتي


إسرائيل وحلم إفريقيا الغالي (الجزء الخامس )

بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس على درجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

في هذا الجزء الخامس نغوص في أحد أخطر الأبواب التي ولجت منها إسرائيل إلى قلب القارة الإفريقية، بابٌ لا يُصدر ضجيجًا ولا يُرى بالعين المجرّدة، لكنه الأكثر تأثيرًا والأطول عمرًا: باب التجسس، وبناء شبكات النفوذ داخل المؤسسات الإفريقية. فبعد الزراعة، والمياه، والتجارة، والسيطرة التقنية، جاء دور الاستخبارات الصهيونية لتستكمل الخطة الكبرى: التغلغل داخل عقول متخذي القرار في إفريقيا قبل أرضهم ومواردهم.

لم يكن الموساد بعيدًا يومًا عن أي خطوة تتخذها إسرائيل في القارة. فكل مشروع زراعي كبير، وكل اتفاق مائي، وكل تعاون تجاري، كان يمر عبر عيون استخباراتية دقيقة تُحلِّل وتراقب وتُقيّم. وبمرور الوقت، تحوّل الوجود الظاهري لإسرائيل في إفريقيا إلى وجود مزدوج: حضور اقتصادي فوق السطح، وحضور استخباراتي عميق في الجذور.

عملت إسرائيل على تجنيد عناصر محلية داخل عدد من الدول الإفريقية، ليس بالطرق التقليدية، بل عبر برامج تدريب، ومِنَح تعليمية، و“شراكات بحثية” تتكفّل بتحويل الشباب الإفريقي إلى أدوات معلومات، يقدّمون ما يحتاجه الكيان دون أن يشعروا أحيانًا أنهم يخدمون مصالحه.

وفي بعض الدول، أنشأت إسرائيل مراكز تدريب أمنية تحت ستار “مكافحة الإرهاب” و“تطوير القدرات الشرطية”، لكنها في الحقيقة كانت معامل مفتوحة لجمع أكبر قدر من المعلومات عن البنية المؤسسية للدول، وطرق اتخاذ القرار، ونقاط الضعف، وتركيبة الجيوش، وحتى العلاقات بين القبائل والطوائف.

ولم تقف عند هذا الحد، بل دعمت شركات تقنية صهيونية تعمل في مجال الاتصالات والأنظمة الذكية، لتصبح تلك الشركات موجودة داخل وزارات الاتصالات والداخلية والدفاع في عدة دول. وهكذا أمكن للموساد أن يبني شبكة مراقبة صامتة تمتد من غرب إفريقيا إلى شرقها، تتابع تحركات المسؤولين، وتستطلع توجهات الحكومات، وتتحسس ردود الفعل قبل أن تقع.

إنّ إسرائيل لم تذهب إلى إفريقيا فقط للاستثمار أو الزراعة أو التجارة… بل ذهبت لتعرف كل شيء. تعرف من يحكم، ومن يعارض، ومن يملك الأرض، ومن يتحكم في الجيش، ومن لديه تأثير شعبي، ومن يُمكن شراء ولائه، ومن يجب إبعاده. إنها خريطة كاملة لمجتمعات كاملة، تُرسم داخل غرف مغلقة في تل أبيب.

وهكذا أصبحت بعض الدول الإفريقية مكشوفة أمام الموساد كما لو كانت كتابًا مفتوحًا، تُقرأ صفحاته دون عوائق. وهذا يفسر قدرة إسرائيل على اتخاذ خطوات ناجحة وسريعة في القارة، لأنها ببساطة لا تتحرك في الظلام… هي من تصنع الظلام للآخرين.

إنّ خطورة هذا التغلغل ليست في الحاضر فحسب، بل في المستقبل، فحين تتحكم دولة غريبة في شبكة المعلومات داخل قارة كاملة، فإن النفوذ السياسي يصبح مجرد نتيجة، والسيطرة الاقتصادية تصبح خطوة لاحقة، والتدخل العسكري يصبح خيارًا مطروحًا عند الضرورة. لقد أصبح الأمن القومي الإفريقي في بعض المناطق مكشوفًا أمام جهاز لا يعرف حدودًا ولا قوانين.

ووسط هذا المشهد الثقيل، يبقى السؤال الأهم: هل ستستيقظ إفريقيا قبل أن تُسلب إرادتها بالكامل؟

ما زال في القارة من يستطيعون المواجهة، وما زال فيها من يدرك خطورة ما يُحاك، لكن الوقت يمضي، والمخطط يتمدد، والخيوط تتشابك، وما يكشف اليوم من معلومات هو أقل بكثير مما يجري في الظل. وفي الجزء القادم، سنفتح بابًا آخر من تلك الأبواب التي لا تنتهي، لنعرض فصلًا جديدًا من صراع خفيّ يتسلل إلى القارة مثل الماء في الشقوق، لا يُرى… لكنه قادر على تغيير كل شيء.

وهكذا يتبيّن لنا — بعد تتبّع الخيوط الخفية التي نسجتها إسرائيل داخل القارة — أن ما يجري ليس مجرد تعاون عابر، ولا شراكات أمنية ظاهرية، بل هو مخطط مُحكم، طويل النفس، صامت في حركته، مدمر في نتائجه. فالتغلغل الاستخباراتي الذي نراه اليوم لم يكن خطوة معزولة، بل حلقة جديدة ضمن سلسلة بدأت منذ عقود، كل حلقة فيها تفتح الباب لما بعدها، حتى أصبحت إفريقيا في بعض مناطقها كتابًا مكشوفًا في أيدي خفافيش الظلام الصهانية.

إن ما فعله الموساد في إفريقيا هو أخطر أشكال السيطرة: السيطرة على العقل قبل الأرض، وعلى المعلومة قبل الثروة، وعلى القرار قبل الحكومات نفسها. ومن يملك السرّ يملك صاحبه، ومن يملك المعلومة يملك الاتجاه، ومن يملك الاتجاه يفرض رؤيته على الآخرين دون أن يعلن الحرب، فالحرب الجديدة تُدار من خلف الشاشات لا من فوهات البنادق.

والمؤلم حقًا أن إفريقيا — القارة الغنية بتنوعها ومواردها وقيمها — تُنتزع اليوم قطرةً قطرة من أهلها، بينما العدو يمدّ خيوطه حولها بصبر عقرب لا يتعجل الفريسة. فإسرائيل لم تكتفِ بالتغلغل الزراعي، ولا الاقتصادي، ولا الديني، بل أطلقت ذراعها الأخطر: ذراع التجسس، وبناء شبكات النفوذ، واختراق المؤسسات من الداخل، حتى صارت بعض المكاتب الحكومية والقطاعات الحساسة تعمل تحت أعين لا تراها، لكنها تعرف عنها كل شيء.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد اختراق، بل إعادة تشكيل لملامح القارة الإفريقية وفق رؤية صهيونية بحتة، تجعل من إسرائيل قوة غير قابلة للمنافسة داخل إفريقيا، وتحوّل القرار الإفريقي إلى صوتٍ لا يخرج إلا بإذن، ولا يتحرك إلا تحت سقف محدد.

وهنا تكمن المأساة…
مأساة قارةٍ تُزرع فيها الفتنة بذورًا، ويُنثر فيها الجهل عمدًا، ويُغتال فيها الوعي بخبث، بينما العدو يبتسم ببرود المنتصر الخفيّ الذي لا يطلق رصاصة، لكنه يربح الحرب كاملة.

إن هذه السلسلة ليست مجرد رصد تاريخي، بل جَرَس إنذار يدقّ في كل اتجاه، لنقول للعالم الإفريقي والعربي:
انتبهوا… فالقارة تُسرق من تحت أقدامكم.
انتبهوا… فالمستقبل يُعاد صياغته دونكم.
انتبهوا… فهناك مشروعًا صهيونيًا جريئًا يمضي كالسيل، إن لم يُواجه اليوم فسيمتد غدًا، وإن تُرك غدًا سيبتلع قارات لا قارة واحدة.

لقد كتبنا الحقيقة كما هي، بلا تجميل ولا مواربة،
والتاريخ سيشهد:
أن من صمت اليوم…
قدّم لإسرائيل أكبر انتصار دون معركة.