نشر الدين يكون من القاعدة ام من القمة ؟


بقلم الدكتور : حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس 


سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الرابع:

 ان قضية نشر الدين وتطبيقه في حياتنا العامة، قضية هامة وحساسة وقد تكون من الأسباب المهمة لكثير من مشكلاتنا المعاصرة في الوطن العربي أو من العوامل التي يستغلها البعض للتأثير في المجتمع لتحقيق أهدافه السياسية في السلطة والنفوذ أو حتى لخدمة الاخرين فهل تكون أفضل وأسهل من قمة الحكم والسياسيين أم من القاعدة والتربية والتعليم للنشء منذ الطفولة وقد يرى البعض أنه لا يوجد ما يمنع السير في الاتجاهين معاً.

وحتى لو افترضنا جدلاً صحة الجمع بين الموقفين فهذا يعني الإسراع في نشر التعليم والثقافة الدينية من خلال الاسرة أولًا ثم وسائل التنشئة الاجتماعية المختلفة والتركيز على مرحلة الطفولة و النشء، وهناك تجارب محيطة لبعض الدول لفرض الدين من القمة كأنت

قوانينها تفرض أزياء وملابس معينة وغيرها من أمور ثبت بالتجربة الحقيقية فشلها سواء بالتراجع عن هذه السياسات أو حتى قبل التراجع كان الالتزام شكلي للكثيرين وبمجرد الخروج عن النطاق الرسمي يحدث العكس تماماً من البعض والتجربة ثبت للجميع فشلها ، ثم أن البدء بالتعليم والنشء سيصل بنا في النهاية إلى تغير القوانين والتشريعات وهي قضية الضبط الاجتماعي بوضوح حيث ينقسم الضبط الاجتماعي إلى ضبط رسمي وضبط غير رسمي.

الضبط الرسمي ونعني به القوانين التي تضمن العقاب والثواب من خلال السلطة ومجالسها التشريعية والضبط غير الرسمي بداية هو الحضانة الأولى للضبط الرسمي، ويمكن تحديد الضبط غير الرسمي في عادات وتقاليد وقيم وأعراف المجتمع وهذا يقودنا بوجه عام إلى عملية الإصلاح في الكون وهي وظيفة الإنسان أن يعمر ويصلح في الأرض وهي أيضاً قضية الإنسان والبيئة منذ بدء الخليقة، حيث يمكن التمييز بين ثلاث منظومات اساسية في الكون وهي:

المنظومة الطبيعية:
وهي من صنع الله وحده دون تدخل من الإنسان وهي منظومة المحيط الحيوي وتشمل الأرض والغلاف المائي والغلاف الهوائي أو الجوي وهذا هو الحيز المكاني الذي يتواجد فيه كافة الكائنات الحية وهذه المنظومة سبقت ظهور الانسان بملايين السنين، ويلاحظ هنا أن الأرض تمثل نحو 29% فقط من مساحة الكون في مقابل الغلاف المائي الذي يغطي نحو 71% من مساحة الكون ثم الغلاف الجوي بطبقاته المختلفة

 المنظومة الاجتماعية:
بعد نشأة الكون بملايين السنين بعناصره الثلاث الأرض والغلاف المائي والغلاف الهوائي ظهرت الحياة على سطح الأرض من خلال النباتات والحيوانات ثم جاء الإنسان وبدأت التجمعات الإنسانية ونشأت المدن والدول وظهرت المنظومة الاجتماعية، وهى تتكون من جزئيين أساسيين الأول يرجع للماضي البعيد و يضم العادات والتقاليد والأعراف والقيم الاجتماعية، والجزء الثاني من المنظومة الاجتماعية يضم النظم الاجتماعية المختلفة التي ينشئها الإنسان، مثل النظام التعليمي والتشريعي، والاقتصادي والإعلامي والسياسي وخلافه وسوف نرجع لهذه المنظومة تفصيلاً.

المنظومة التكنولوجية أو المشيدة أو الصناعية:
وهي من صنع الإنسان وتضم كل شيء صنعه الإنسان مثل المسكن والمصنع والسيارة والأسلحة والروبوت وخلافه كل ما شيده الانسان.

ويتفق علماء البيئة على أن المنظومة الاجتماعية هي أهم منظومة لأنها هي التي تصنع التكنولوجيا وتؤثر على المنظومة الطبيعية سلباً أو إيجاباً وأن أهم جزء في المنظومة الاجتماعية هو الجزء الاول الذي يرجع للماضي البعيد ويضم العادات والتقاليد والأعراف والقيم لأن هذا الجزء هو الأساس وفي ظله تنشا النظم الاجتماعية المختلفة فمثلاً إذا ضربنا مثالا بمجتمعين مختلفين، المجتمع الأول يهتم بالبيئة والمحافظة على التشجير وخلافه مثل ألمانيا.

أما المجتمع الثاني مثل دولة من الدول النامية عاداتها وتقاليدها وقيمها لا تهتم بالبيئة والتشجير وخلافه، سوف نجد النموذج الأول مثل ألمانيا نجد العادات والتقاليد والقيم ايجابية نحو البيئة منذ الطفولة وهى تشكل جميع النظم الاجتماعية وهي الجزء الثاني من المنظومة الاجتماعية، بمعنى سوف نجد نظام التعليم مثلاً يهتم بنشر الوعي البيئي ونشر الخضرة والتشجير والنظافة والحفاظ على البيئة وسوف يتصاعد ذلك مع سنوات الدراسة، فنجد كليات الزراعة تهتم بالزراعة العضوية وكليات الهندسة تهتم بتكنولوجيا الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والسيارات والأجهزة التي تعمل بدون تلوث وبتركيب الفلاتر للحد من التلوث كما نجد النظام التشريعي حاسم ويعاقب أي من يلوث البيئة ويفرض ضرائب عالية على التلوث والملوث.

أيضاً نجد كليات الإعلام تهتم بالتوعية والإعلام البيئي وكليات الخدمة الاجتماعية تهتم بالعمل الاجتماعي والمشاركة الاجتماعية في مجال حماية البيئة وبعد ذلك نجد النظام السياسي به حزب الخضر وهو حزب قوي ومؤثر في الحياة السياسية والتشريعية في المانيا ويعمل على حماية البيئة وإصدار التشريعات الخاصة بذلك وهكذا، فإن النظم الاجتماعية المختلفة تنشأ وتعتمد على العادات والتقاليد والأعراف والقيم التي تم تشكيلها في مرحلة الطفولة وهذه هي الوسيلة الأساسية لنشر الوعي البيئي والوصول إلى بيئة نظيفة جميلة. ولذلك نجد اهتمام واضح بالبيئة وتشريعات صارمة لحماية البيئة في المانيا مثلا عكس الدول النامية. وهنا نتذكر ما فعلة الجمهور الياباني في كاس العالم لكرة القدم في قطر حيث كان الجمهور الياباني يقوم بتنظيف الملعب وجمع المخلفات بعد نهاية المباراة لانهم تعلموا ذلك منذ مرحلة الطفولة وهى الأهم في التعلم والتعليم.

وما ينطبق على البيئة والمبادئ البيئية ينطبق على كل شيء بمعنى لو أردت مجتمع يحترم الدين وقواعده ونظمه علينا أن نبدأ بالمنظومة الاجتماعية وخاصة الجزء الأول الذي يتكون من العادات والتقاليد والأعراف والقيم في مرحلة الطفولة لأنها هي الحضانة الأولى لكافة النظم الاجتماعية بعد ذلك سواء نظام اقتصادي أو تشريعي أو إعلامي أو سياسي كل هذه النظم تنشأ في مظلة العادات والتقاليد والقيم فهي التي تشكل القوانين والتشريعات وكافة النظم والآن تلقي نظرة سريعة على أهم مكونات هذا الجزء، وتشمل العادات والتقاليد وهي بوجه عام وبدون الدخول في التفاصيل تعني السلوك المتكرر المكتسب والمتعلم من الآباء والأجداد وهو متوارث أباً عن جد ولم يكن يكتسب من خلال كتب أو خلافه مثل العادات والتقاليد المرتبطة بالميلاد والسبوع والاعياد ورمضان وخلافة اما العرف فهو أقوى ما في العادات والتقاليد بحيث يكون ملزما للجماعة ومن يخالفه يتعرض للعقاب المعنوي فمثلاً عمل الكحك في العيد عادات وتقاليد وليست ملزمة لكن لبس الملابس السوداء للمرأة في العزاء عرف لو حدث مثلاً وذهبت سيدة بملابس ملونة سوف تتعرض لعقاب معنوي مثل نظرة احتقاراً أو كلمة معينة وكذلك الأخذ بالثأر في بعض المناطق يعتبر عرف رغم انه مخالف للشرع.

القيم هي حكم عقلي يوجه الإنسان عند الاختيار بين عدة بدائل متاحة فمثلاً إذا وجد إنسان محفظة لزميل ولا يوجد أي شخص في المكان هنا قيم الأمانة هل يردها أم يأخذها وهكذا، والقيم والأعراف الاجتماعية هي أهم وسائل الضبط الاجتماعي غير الرسمي وفي ضوئها يتم وضع القوانين والتشريعات للعقاب وهي تمثل الضبط الرسمي ومن ثم فعلى من يريد أن يكون المجتمع كله منضبط دينياً ويسير على هدى الأديان عليه أن يبدأ بالنشء والتعليم لنشر العادات والتقاليد والقيم والأعراف الدينية لأنه في ضوئها وبشكل تلقائي سوف ينشأ النظام التعليمي وفقاً لتعاليم الدين وكذلك النظام الاقتصادي والإعلامي والتشريعي والسياسي وغيره، ومن هنا فالتعليم منذ الطفولة بين أفراد المجتمع هو الوسيلة الوحيدة لنشر الدين وليس القوة او العنف فالبداية بالتعليم ومن القاعدة وليست من أعلى البداية أو الطريق بالتعليم وليست البداية الصحيحة بالقانون لأنه اذا بدانا من القاعدة فهي التي سوف تضع القانون ويمكن ننظر حولنا لمن بدأ من أعلى وبالقوة ماذا كانت النتيجة فشل وتراجع كبير والتجارب الفاشلة في هذا الشأن موجودة حولنا وكل الجماعات التي أدعت أنها تعمل لصالح الدين ونشره كان هدفها السلطة والحكم بل أن معظمها تم تأسيسه من قبل قوى معادية للإسلام والعروبة بغرض نشر الفتنة والفوضى

وإذا رجعنا إلى نشأة الأديان كلها كانت من خلال التعليم ومن القاعدة لأن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لحل معظم أو كل المشاكل، فالمشكلة الأساسية هي الجهل فقط. ومن هنا فان رجال الدين هم المسئولون عن نشر الدين من القاعدة ومن الاسرة والمسجد والمدرسة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(العلق: 4) واعتقد هذا هو الواجب الأساسي الذى يجب التركيز عليه ونتائجه مضمونة ودائمة وليس به شبهات المصالح أو الجهل بالمجال السياسي او البحر العميق الذى ما خفى منه اكبر واخطر

التعليم منذ الطفولة هو الوسيلة الوحيدة لنشر الدين والمبادئ الدينية في المجتمع، والتعليم الذي يترجم إلى عادات وتقاليد وقيم وأعراف اجتماعية هو الوسيلة الوحيدة لوجود وضمان مجتمع متماسك بقيم دينية وعاداته وتقاليده ومن ثم وضع النظام التشريعي والاقتصادي والعلمي والسياسي والإعلامي وهو مسؤولية البيت والمدرسة والاعلام والجميع

الخلاصة:
نشر الدين أو الوعي البيئي او السياسي وخلافه يكون من القاعدة وليس من القمة ومن يلجأ لغير ذلك يكون هدفه السلطة والسلطان وعادة ما يكون ذلك لحساب قوى معاديه ولبث الفوضى والفتنة سواء بعلم هذه القيادات أو بجهلها. سواء بثمن او بجهل