خطبة بعنوان (كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا) للدكتور أيمن حمدى الحداد
18 نوفمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان (كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا)
للدكتور : أيمن حمدى الحداد
نص الخطبة
الحمد لله رب العالمين أمر بالإحسان إلى الجيران وجعل ذلك من سمات أهل الإيمان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له صفات الكمال وله الكمال في الصفات، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله اللهم صل وسلم وبارك عليه حق قدره ومقداره العظيم، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد أوجب ربنا تبارك وتعالى الإحسان إلى الجيران والقيام بحقوقهم حتى لو كانوا على غير الإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾(النساء: ٣٦)، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الجيرانُ ثلاثةٌ جارٌ له حقٌّ واحدٌ وجارٌ له حقَّانِ وجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ فالجارُ الذي له ثلاثةُ حقوقٍ الجارُ المسلمُ ذو الرحمِ فله حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلامِ وحقُّ الرحمِ وأما الذي له حقَّانِ فالجارُ المسلمُ له حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلامِ وأما الذي له حقٌّ واحدٌ فالجارُ المشركُ» رواه الطبرانى والعراقى.
فتأمل يرحمك الله كيف جعل ديننا الحنيف للمشرك حقاً لمجرد الجوار؛ قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الممتحنة: ٨)، وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» رواه الترمذي والحاكم وصححه.
عباد الله: إن الإحسان إلى الجيران يكون من خلال الآتي؛
♦ أولاً: حسن العشرة؛ ويكون ذلك بمراعاة حقوقهم من إفشاء السلام ولين الكلام وبشاشة الوجه وتفقد أحوالهم من حين لآخر والتلطف معهم والتغافل عن زلاتهم والتعاون معهم على البر والتقوى والوقوف إلى جانبهم حال الأفراح والأتراح حتى تسود روح المحبة والإخاء.
إلى مثل هذه القيم النبيلة أرشدنا إليها سيدنا رسول الله ﷺ؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ: «أتدرونَ ما حقُّ الجارِ؟ إنِ استعانَ بِكَ أعنتَهُ وإنِ استنصرَكَ نصرتَهُ وإن استقرضَكَ أقرضتَهُ وإنِ افتقرَ عدتَ عليهِ وإنِ مرضَ عدتَهُ وإن ماتَ اتَّبعتَ جَنازتَهُ وإن أصابَهُ خيرٌ هنَّأتَهُ وإن أصابتهُ مصيبةٌ عزَّيتَهُ ولا تَستعلِ عليهِ بالبناءِ فتحجبَ عنهُ الرِّيحَ إلَّا بإذنِهِ ولا تؤذِهِ وإذا اشتريتَ فاكِهَةً فأَهْدِ لَهُ فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا ولا يخرُجْ بِها ولدُكَ ليغيظَ بِهِ ولدَهُ ولا تؤذِهِ بقتارِ قِدرِكَ إلَّا أن تغرفَ لَهُ منها ثمَّ قالَ أتدرونَ ما حقُّ الجارِ؟ والَّذي نفسي بيدِهِ لا يبلغُ حقَّ الجارِ إلَّا مَن رحمَهُ اللَّهُ» في سنده ضعف،، ضعفه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء.
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما آمن بي من بات شبعانَ و جارُه جائعٌ إلى جنبِه و هو يعلم به» رواه الطبراني والبزار.
– ومن حسن العشرة؛ النصح للجيران برفق ورحمة وأمرهم بالمعروف بمعروف، ونهييهم عن المنكر بغير منكر، ودعوتهم إلى الحفاظ على شعائر الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(النحل: ١٢٥)،
– عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ فأثنَى على طوائفَ من المسلمين خيرًا ثم قال: «ما بالُ أقوامٍ لا يُفقِّهون جيرانَهم ولا يُعلِّمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم وما بالُ أقوامٍ لا يتعلمون من جيرانِهم ولا يتفقهون ولا يتعظون واللهِ ليعلِّمَنَّ قومٌ جيرانَهم ويفقهونَهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمَنَّ قومٌ من جيرانِهم ويتفقهون ويتفطنون أو لأعاجلَنَّهم العقوبةَ»، ثم نزل فقال: قومٌ مَن ترونه عنِيَ بهؤلاءِ قالوا: الأشعريينَ هم قومٌ فقهاءُ ولهم جيرانٌ جفاةٌ من أهلِ المياهِ والأعرابِ فبلغ ذلك الأشعريينَ فأتَوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا يا رسولَ اللهِ ذكرت قومًا بخيرٍ وذكرتنا بشرٍّ فما بالُنا!! فقال: «ليعلِّمَنَّ قومٌ جيرانَهم وليفقهِنَّهم وليفطنَنَّهم وليأمرنَّهم ولينهوَنَّهم وليتعلمن قومٌ من جيرانِهم ويتفطنونَ ويتفقهون أو لأعاجِلَنَّهم العقوبةَ في الدنيا فقالوا يا رسولَ اللهِ نفطِّنُ غيرَنا فأعاد قولَه عليهم وأعادوا قولَهم أنفطِّنُ غيرَنا فقال ذلك أيضًا فقالوا أمهلْنا سنةً فأمهلهم سنةً ليفقهونَهم ويعلمونَهم ويفطنونهم»، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ الآيةَ﴾، رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد.
– ومن حسن العشرة جبر الخواطر وذلك بتقديم الهدايا للجيران؛
– فهذا عبدالله بن عمر رضى الله عنها ذُبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: «هل أهديتم لجارنا اليهودي؟ فقيل له: كم تذكر اليهودي أصلحك الله!! قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» رواه البخاري في الأدب المفرد.
فما أحوج المسلمين إلى مثل فهم عبدالله بن عمر لهذه الوصية الكريمة ؟!
وعن أبى ذرّ رضي الله عنه قال: إن خليلي ﷺ أوصاني فقال: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ» رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنَّ لي جارينِ فإلى أيِّهما أُهْدِي؟ قال: «إلى أقربهما منكَ بابًا» رواه البخارى.
لأن الجار الملاصق لجاره قد يرى ما يدخل بيت جاره فيتشوف له بخلاف الأبعد، أو قد لا يملك الإنسان إلا ما يكفى لجار واحد فيتقدم الأقرب منهم باباً.
– ومن حسن العشرة مع الجيران المواساة بالمال لاسيما وقت الأزمات؛
– لقد كان لعبد الله بن المبارك جار يهودي؛ فأراد أن يبيع داره؛ فقيل له: بكم تبيع؟ قال: بألفين! فقيل له: لا تساوي إلا ألفاً. قال: صدقتم؛ ولكن ألف للدار، وألف لجوار عبد الله بن المبارك. فأخبر ابن المبارك بذلك،فدعاه، فأعطاه ثمن الدار، وقال لا تبعها. فأسلم اليهودي.
– ولقد باع أبو جهم العدوي داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوار سعيد بن المسيب؟ قالوا: وهل يشترى جوارٌ قط؟ قال: ردوا علي داري ثم خذوا مالكم، لا أدع جوار رجل، إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني جائحة فرج عني، فبلغ ذلك سعيداً، فبعث إليه بمائة ألف درهم. ذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان.
– ولقد سافر طالب مسلم إلى ألمانيا للدراسة هناك سكن الطالب في شقة وفى الشقة التي أمامه كان يسكن ألماني ليس بينهما أية علاقة سافر الألماني وكان موزع المجلات يضع كل يوم المجلة عند باب الألماني علم الشاب المسلم بسفر جاره الألماني فأخذ يجمع المجلات ويحتفظ بها لحين عودة جاره الألماني وبعد شهرين عاد الألماني؛ ذهب الشاب فسلم عليه واطمئن منه على حاله وهنا أخبره بأنه كان يحتفظ بالمجلات طيلة فترة سفره خوفاً أن تكون هناك أشياء مهمه تفوته إذا لم يجد تلك المجلات فربما تكون لها صلة بدراسة أو مسابقة يشترك بها الألماني وجاءه سفر مفاجئ فيضيع عليه ذلك تعجب الألماني من تصرف الشاب المسلم وسأله هنا لا أحد يصنع مثل ما صنعت لعلك تربد مقابل لذلك ضحك الشاب المسلم وقال: أنا لا أريد أية مقابل. فقال الألماني: ولماذا أتعبت نفسك بجمع المجلات وتحملت عبء الاحتفاظ بها فرد عليه الشاب قائلاً: أنا مسلم وديني يأمرني بالإحسان إلى الجيران لذلك أنا فعلت ذلك فتعجب الألماني من كلام الشاب وسأله عن الإسلام وما مضى على ذلك إلا زمن يسير حتى أعلن الألماني إسلامه.
فبحسن العشرة وبالإحسان إلى الجيران تكون هذه هي النتيجة وصدق القائل؛
يا حافظ الجار ترجو أن تنال به
عفو الإله وعفو الله مذخور
الجار يشفع للجيران كلهم
يوم الحساب وذنب الجار مغفور
♦ثانياً: الصبر على أذى الجيران؛ قد يبتلى الإنسان بجار لا يتقى الله ولا يحسن الجوار وكأنه لم يستمع إلى وصية سيدنا رسول الله ﷺ؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «من يأخذُ عنِّي هؤلاءِ الكلماتِ فيعملُ بِهنَّ أو يعلِّمُ من يعملُ بِهنَّ»، قلتُ: أنا يا رسولَ اللَّهِ فأخذَ بيدي فعدَّ خمسًا فقالَ: «اتَّقِ المحارمَ تَكن أعبدَ النَّاسِ وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَك تَكن أغنى النَّاسِ وأحسِن إلى جارِك تَكن مؤمنًا وأحبَّ للنَّاسِ ما تحبُّ لنفسِك تَكن مسلِمًا ولا تُكثرِ الضَّحِك فإنَّ كثرةَ الضَّحِك تُميتُ القلبَ» رواه الترمذي.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «أربعٌ من السعادةِ: المرأةُ الصالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصالحُ، والمركبُ الهنيءُ. أربعٌ من الشَّقاءِ: الجارُ السوءُ، والمرأةُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ الضَّيِّقُ» رواه بن حبان.
– ولقد ضرب الصالحون أروع الأمثلة في الصبر على أذى الجيران؛
– فهذا أبو حنيفة رضى الله عنه يمكث زماناً طويلاً يتحمل أذى جاره اليهودي إذ كانت قصبة صرف حمام اليهودي يسقط منها الأذى في بيت أبى حنيفة رحمه الله فيحمله ويتخلص منه وذات يوم علم اليهودي بالأمر فتعجب من صبر وحلم أبى حنيفة وما ملك إلا أن يُسلم لله رب العالمين لما رأي من أخلاق أبى حنيفة رضي الله عنه وحسن جواره.
– جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود رضى الله عنه فقال: لي جار يؤذيني يشتمني ويضيق على؟!
قال: «أذهب فإن عصى الله فيك فأطع الله فيه»
– ليس الجار الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا تمكن من جاره الذى أذاه انتقم ولكن الجار الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا تمكن عفا؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(الشورى: ٤٠)، وقال تعالى:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(آل عمران: ١٣٤)، وهكذا يكون الإحسان إلى الجيران بالصبر على آذانهم والحلم معهم فإذا بلغك عن جارك ما تكره فإياك أن تبادر بالعداوة وأن تسئ الجوار فتكون كمن أزال يقينه بشك بل تغافل فإن التغافل عن زلات الجيران أفضل من قطع علاقتك بهم وتخلق بأخلاق الصالحين واكظم غيظك لله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾(آل عمران: ١٣٣-١٣٤)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منجَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» رواه ابن ماجه.
قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «مَنْ خاف الله لم يَشْفِ غَيْظه، ومَنْ اتَّقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون»، أحكام القرآن للجصاص.
وقال ابن عبد البر: «مَن كَظَم غَيْظَه وردَّ غَضَبه، أخزى شيطانه، وسَلِمت مروءته ودينه» التمهيد، لابن عبد البر.
قال الرَّاغب: «الكَظْم يدفع محذور النَّدم، كالماء يُطفئ حرَّ الضَّرم، كَظْمٌ يتردَّد في حلقي، أحبُّ إليَّ من نقص أجده في خُلُقي.
– ومما يعين على الصبر على أذى الجيران حسن الظن بهم لأن سوء الظن يورث البغضاء في القلوب؛ فعن عامر بن واثلة: أنَّ رَجُلًا مرَّ على قومٍ فسلَّم عليهم، فردُّوا عليه السَّلامَ، فلمَّا جاوَزَهم قال رَجُلٌ منهم: واللهِ إنِّي لأُبغِضُ هذا في اللهِ، فقال أهلُ المجلِسِ: بِئسَ –واللهِ- ما قُلتَ، أمَا واللهِ لنُنَبِّئنَّه، قُمْ يا فلانُ -رَجُلًا منهم- فأخبِرْه، قال: فأدرَكه رسولُهم، فأخبَرَه بما قال، فانصَرَف الرَّجُلُ حتَّى أتى رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مرَرْتُ بمجلِسٍ من المُسلِمينَ فيهم فلانٌ، فسَلَّمتُ عليهم فردُّوا السَّلامَ، فلمَّا جاوَزْتُهم أدركَني رَجُلٌ منهم فأخبرني أنَّ فلانًا قال: واللهِ إنِّي لأبغِضُ هذا الرَّجُلَ في اللهِ، فادْعُه فسَلْه علامَ يُبغِضُني؟ فدعاه رسولُ اللهِ ﷺُ فسأله عمَّا أخبره الرَّجُلُ، فاعترف بذلك وقال: قد قُلتُ له ذلك يا رسولَ اللهِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «فلِمَ تُبغِضُه؟» قال: أنا جارُه وأنا به خابِرٌ، واللهِ ما رأيتُه يُصَلِّي صلاةً قَطُّ إلَّا هذه الصَّلاةَ المكتوبةَ التي يُصَلِّيها البَرُّ والفاجِرُ، قال الرَّجُلُ: سَلْه يا رسولَ اللهِ: هل رآني قطُّ أخَّرْتُها عن وقتِها، أو أسأتُ الوضوءَ لها، أو أسأتُ الرُّكوعَ والسُّجودَ فيها؟ فسأله رسولُ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: لا، ثمَّ قال: واللهِ ما رأيتُه يصومُ قَطُّ إلَّا هذا الشَّهرَ الذي يصومُه البَرُّ والفاجِرُ؟ قال: يا رسولَ اللهِ هل رآني قطُّ أفطَرْتُ فيه، أو انتقَصْتُ من حقِّه شيئًا؟ فسأله رسولُ اللهِ ﷺ فقال: لا، ثمَّ قال: واللهِ ما رأيتُه يُعطي سائِلًا قطُّ، ولا رأيتُه يُنفِقُ من مالِه شيئًا في شيءٍ من سبيلِ اللهِ بخيرٍ، إلَّا هذه الصَّدَقةَ التي يؤدِّيها البَرُّ والفاجِرُ، قال: فسَلْه يا رسولَ اللهِ هل كتَمْتُ من الزَّكاةِ شيئًا قطُّ، أو ماكَسْتُ فيها طالِبَها؟ قال: فسأله رسولُ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: لا، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: «قُمْ إن أدري لعلَّه خيرٌ منك» أخرجه بن أبي الدنيا بسند حسن.
فاتقوا الله عباد الله: ولا تظنوا بجيرانكم إلا خيراً فإن ذلك أدعى إلى الإحسان إليهم، ومعاشرتهم بالمعروف.
أقول قولي هذا واستغفر الله لى ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد الله: لقد كاد ديننا الحنيف أن يشرع توريث الجار لجاره لعظم مكانته وحقه؛ فعن عائشة -رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» متفق عليه.
ولقد حث ديننا الحنيف على التنازل عن بعض الحقوق النافعة للجار؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» متفق عليه.
♦ ثالثاً: عواقب إيذاء الجيران؛ إن إيذاء الجيران من الكبائر العظام، والمنكرات الجسام التى تذهب بأجر الأعمال الصالحة؛
– إيذاء الجار علامة على نقص وضعف الإيمان؛ فعن أبى شريح العدوي خويلد بن عمرو قال رسول الله ﷺ: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ. قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ» رواه البخارى.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» رواه البخارى.
– لقد استعاذ سيدنا رسول الله ﷺ من جار السوء؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامةِ ، فإنَّ جارَ الباديَةِ يتحوَّلُ» رواه النسائي.
– إيذاء الجار من الذنوب المضاعفة؛ فعن المِقْدَاد بن الأسود رضي الله عنه قال: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصحابه عن الزِّنَى؟ قَالُوا: حرامٌ؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: «لِأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، وَسَأَلَهُمْ عَنِ السرقة؟ قالوا: حرام؛ حرمه اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: «لِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ عَشَرَةِ أَهْلِ أبياتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ» رواه البخاري في الأدب المفرد.
– إيذاء الجار محبط للأعمال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلاَنَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، قَالُوا: وَفُلاَنَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلاَ تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» رواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه أحمد.
– إيذاء الجار يكون سبباً فى شدة الحساب؛
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كم من جار متعلق بجاره يقول: يا رب، سَلْ هذا: لِمَ أغلق عني بابه، ومنعني فضله؟» رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق.
– إيذاء الجار من أعظم الخصومات التى يُقضى فيها يوم القيامة؛ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول خصمين يوم القيامة جاران» رواه أحمد، وأبو يعلى.
– إيذاء الجار دليل على حب الذات المذموم؛ فعن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره – أو قال لأخيه – ما يحب لنفسه» رواه مسلم.
– جار السوء يلعنه الله تعالى قبل الناس؛ فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يشكو جاره، فقال: «اطْرَحْ مَتَاعَكَ عَلَى الطَّرِيقِ»، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من الناس. قال: «وَمَا لَقِيتَ مِنْهُمْ؟». قال: يلعنوني. قال: «قَدْ لَعَنَكَ اللهُ قَبْلَ النَّاسِ» قال: فإني لا أعود؛ فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ، فقال له: «ارْفَعْ مَتَاعَكَ فَقَدْ كُفِيتَ» المعجم الكبير للطبراني. وفي رواية فجاء إليه جاره فقال: «فإنك لن ترى منى شيئاً تكرهه» سنن ابي داود.
فيا عباد الله:
اتقوا الله وأحسنوا إلى جيرانكم بإسداء كل خير لهم والصبر عليهم وكف الأذى عنهم تنعموا في دنياكم واخراكم.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
واقم الصلاة.