خطبة بعنوان ( جمال الظاهر والباطن ) ويليها ( الإحسان إلى الجار ) للدكتور : محمد جاد قحيف
18 نوفمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان ( جمال الظاهر والباطن ) ويليها ( الإحسان إلى الجار )
للدكتور : محمد جاد قحيف
* جمال الظاهر والباطن
* الإحسان إلى الجار
الحمد لله الذي تفرَّد بالعظمة والجلال، وتنزَّه عن الشبيه والنظير والمثال، أحمده -سبحانه-، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، المتوحِّد بنعوت العظمة والكمال والجَمال، رضي لنا الإسلامَ دينًا فامتَثَل المؤمنون أحكامَه وتشريعاتِه، فاكتَسَوْا من الحُسْن والجَمال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، المتحلِّي بجميل الفعال، وكريم الخصال، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه إلى يوم المآل ..
أما بعدُ: فإنَّ مِنْ أعزِّ أنواعِ المعرفةِ معرفةَ الربِّ بالجَمال، فأتمُّ الخلقِ معرفةً مَنْ عرَفَه بكماله وجلاله وجَماله، ويكفي في جَماله أن كل جَمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة مِنْ آثارِ صنعتِه، فما الظنُّ بمَنْ صدَر عنه هذا الجَمالُ، وأشرقتِ الظلماتُ لنور وجهه..
بل إن ديننا العظيم يرشدنا إلى تذوق الجمال والتأمل فيه من طريق النظر والتفكر في كل صغيرة وكبيرة في هذا الوجود، حتى في حركة الأنعام وهي تخرج إلى المرعى، يقول الله -عز وجل- في سورة النحل: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)؛ أي في وقت راحتها وسكونها ووقت حركتها وسرحِها؛ وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء فإنكم أنتم الذين تتجمّلون بها، كما تتجمّلون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك..
ومقولة كن جميلاً ترى الوجود جميلاً” تعكس فكرة أن جمال النفس الداخلي يؤثر على نظرتنا للعالم الخارجي، وأن الجمال الحقيقي ينبع من الداخل وليس من الخارج. هذا المبدأ موجود في قصيدة “فلسفة الحياة” للشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي ..
العنصر الأول : الجمال من صفات الله تعالى التي أبدع بها الخلق وصور..
لقد خلق الله عزّ وجل الكون بما فيه بمنتهى الدقة والجمال، وأرشد العباد للنظر في هذا الوجود بالعقل والحواس، فنجد عظمة الله في جمال الطير والحيوان وفي جمال الورد والنبات ، وفي أعظم مخلوقات الكون الإنسان..
ومن أسماء الله الحسنى الجميل، فهو جميلٌ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما أنه يُعبَد بالجَمال الذي يحبُّه من الأقوال والأعمال والأخلاق، وهو الذي قضى أن يكون التدينُ بالإسلام جميلًا؛ بأن يَتجمَّل الناسُ به ويتزيَّنوا، عبادةً لله ربِّهم، وعمارةً للأرض أيامَ حياتِهم..
فالله تعالى وجب له كل جمال وجلال وكمال يليق بذاته المقدسة ، فهو الجمال المطلق الذي يستمد كلّ جميل منه جماله ورونقه، إنّه واهب الجمال، و(فاقد الشيء لا يعطيه)، و(معطي الشيء ليس فاقدً له).
وتتحدّث بعض الآيات القرآنية عن جمال الذات الإلهية ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
ويتحدّث قسم آخر من الآيات عن جمال الأسماء والصفات الإلهية﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾.
كما يأتي قسم ثالث من الآيات ليثبت جمال الأفعال الإلهية ـ كالخلق ـ ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾..
فالله ـ سبحانه وتعالى ـ جميل ذاتاً، وجميل صفة، وجميل وفعلاً، بما يعود إلى أنواع التوحيد الثلاثة – الذات والصفات والأفعال-.
وممَّا يَحسُن بيانُه أن قوله -عليه الصلاة والسلام- عن ربنا ذي الجلال والإكرام: “إن الله جميل يُحِبُّ الْجَمَالَ” ينتظم دينَ الله كلَّه؛ فتتناول محبتُه -سبحانه- للجَمال أن يُجمِّل المرءُ قولَه وقلبَه وجوارحَه وأعمالَه، فيُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أن يجمِّلَ لسانَه بالذِّكْرِ وأطيبِ الكلامِ وأحسنِ الحديثِ، ويُجمِّلَ قلبَه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وغيرها من العبادات التي تزكِّي وتجمل القلبَ، يقول -صلى الله عليه وسلم-: “ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ”..
و القلب هو مناط التكليف ؛ لأنه العقلُ الحقيقي للإنسان، وهو المضغة التي في الجسد إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ولا نجاة للعبد يوم القيامة إلا أن يأتي بقلب سليم كما قال سبحانه: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)..
والقلب هو محل نظرِ الرب سبحانه، كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرةَ عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ الله لا ينْظُرُ إِلى أجْسَامِكُمْ، ولا إِلى صُوَرِكمْ، وَلَكن ينْظُرُ إلى قُلُوبِكمْ وأعمالكم..
وفي هذا دلالةٌ على عناية الإسلام بتجميل الباطن وتزيينه، حتى إذا أخذَتِ الروحُ جمالَها، سرى ذلك بالضرورة إلى ظاهر العبد، فكَسَاه وزيَّنَه بمحاسن الإسلام الظاهرة في تشريعاته وأحكامه، المحقِّقةِ للسعادة والفَلَاحِ في الدارين..
والرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو مربي الأمة، يتفقد أصحابه ويغرس فيهم القيم التربوية المختلفة، فقد روى جابر بن عبدالله قال: “أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره، ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبه”، فنرى هنا التوجيه النبوي في أدق تفاصيل الشخصية المسلمة التي يجب أن تكون قدوة للآخرين في كل جوانب الحياة..
إن الله عز وجل يقول منكرا على من تعنت وحرم ما أحل اللّه من الطيبات: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه؛ أي: مَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم اللّه بها على العباد، ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسَّعه اللّه؟ فالله -عز وجل- في هذه الآيات ينكر على المشركين والجهلة من الناس الذين تعالوا على مقام الربوبية التي لها التحليل والتحريم فقط وليس لأي أحد، فسبحانه يحب أن يرى على عباده التنعم بالطيبات من الرزق، ومن بينها التزيّن والتجمل في الحدود التي ترضيه -عز وجل- دون مباهاة أو إسراف أو تبذل غير محتشم..
كما يُجمِّله بإبعاده عن أمراضه؛ من ضغينةٍ وحسدٍ وغشٍّ وخيانةٍ وعُجْبٍ وغرورٍ وغيرِ ذلك، فهي تتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه القلب من جَمال وبهاء، ويجمِّل جوارحَه بالطاعات والأعمال الصالحات، ويجمِّل سيرتَه وسلوكَه بالأخلاق الفاضلة والآداب الكريمة، ويجمِّل بدنَه وهيئتَه بإظهارِ نِعَمِ اللهِ عليه في لباسِه، وتطهيرِه له من الأنجاس والأحداث والأوساخ، والحرصِ على نظافةِ جسدِه وطِيبِ ريحِه؛ بالاغتسال والتطيُّب وإزالة الأدناس والأقذار والروائح الكريهة، وتعاهُدِ سُنَنِ الفطرةِ؛ من الختان، وتقليم الأظفار، ونَتْفِ الإبطِ، وحلقِ العانةِ، وقصِّ الشاربِ، مع الاقتصار في الزينة على ما أباح الله منها، وعدم التشبُّه بأعداء الله ممَّا هو من خصائصهم في لبساهم وهيئاتهم، والحذرِ عندَ التزيُّن والتجمُّل من الإسراف والْمَخِيلة وتجاوُزِ التجمُّلِ المحمود المشروع إلى المذموم الممنوع؛ بحيث يرى القبيحَ حسنًا، وتغييرَ خلقِ اللهِ زينةً وجمالًا، فلا عجبَ عندئذٍ أن يصبح في نظره إظهارُ مفاتنِ الجسدِ والتبرجُ والسفورُ وتركُ العفةِ عندَ المرأةِ، والتخنثُ والميوعةُ عند الرجلِ، من مظاهر الجَمال والمحاسن، وهذا انتكاسٌ في الفطرة، وانحرافٌ في السلوك، وفسادٌ في الذوق، ونبذٌ لتعاليم الإسلام الصحيحة..
لذلك كله، يجب على الإنسان أن يحرص على ترتيب ذاته وتنظيم حاله مظهرا وجوهرا. يقول الله -عز وجل- في سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، فالأمر بأخذ الزينة والتزين من الله -عز وجل- هو منطلق مهم في التربية الجمالية التي يجب أن يتحلّى بها الفرد المسلم في حياته، سواء على مستوى نظافة الباطن من كل الشوائب النفسية، أم نظافة الظاهر في الجسد واللباس..
العنصر الثاني : الجمال في ممارسة شعائر الإسلام
وعندما نستعرض صور الجمال لممارَسة التدين في الإسلام، ونلتمس محاسنَ التعبد لله، نعجِز عن تَعدَادِها، فكلُّ طاعةٍ نتقرَّب بها إلى الله، فهي حُسْنٌ وجَمالٌ يحبه اللهُ -جل في علاه-، وأعظمُ ذلك جمالًا في العبد وحُسْنًا: المحافَظةُ على مباني الإسلام، فالصلاة جَمالٌ ونقاءٌ وصفاءٌ؛ فهي الصلة بين العبد وبين ربِّه، ومناجاةٌ لخالقه، وإذا أقبَل عليها بقلب خاشع أحسَّ بالسَّكِينة والطمأنينة والرَّاحة وهي سلوتُه عند النوائب، والصلاةُ نورٌ؛ نورٌ يزيل ظلام الزيغ والباطل، ونورٌ إذ تكسو صاحبَها جمالًا وبهاءً، وتهذِّب روحَه وتُنِير قلبَه، وهي ماحيةٌ لخطايا العبد ومُذهِبَةٌ لذنوبه، كما أنها تربِّي في النفس دوامَ مراقَبة الله -تعالى-، وخشيتَه واستشعارَ محاسبته، والزكاة جمالٌ؛ ففيها تطهيرٌ للنَّفس من الشح والبخل، وتعويدٌ على الكرم والبذل، الذي هو سببٌ لانشراح الصدر، وفيها تحقيقُ معنى التكافل الاجتماعي، والصيامُ جمالٌ؛ فهو مدرسةٌ تربِّي الروحَ وتقوِّي الإرادةَ، وبه تصفو النفوسُ من أكدارها، والأبدانُ من أدرانها، وفيه شعور بحاجة الجائعين والمحرومين..
والحجُّ إلى بيت الله الحرام جَمالٌ؛ فهو ينقِّي العبدَ من الخطايا والذنوب، ويهدِف إلى سمو الأخلاق وتهذيب النفوس من المثالب والعيوب، وترويضِها على مقاوَمة شهواتها واتصالها بالله خالِقِها، ويدعو إلى اجتماع المسلمين وتَرابُطِهم وتقوية أواصر الأُخُوَّة بينهم..
العنصر الثالث :الجمال في الأخلاق التي دعا إليها الإسلام.
ما أجملَ دينَ الإسلام! فقد أمَر بكلِّ حَسَنٍ، ودعا إلى كل خير وفضيلة، ونهى عن كلِّ سوءٍ، وحذَّر من كل شرٍّ ورذيلةٍ، وأمَر بسائر الآداب ومحاسن الأخلاق؛ مثلِ الصِّدْق والحِلم والأناة، والعفو والتسامح ، والتواضع والحياء، والوفاء بالوعد وحفظ السرِّ، والرحمة، والعدل، والشّجاعة، والصّبر، والألفة، والقناعة، والعفَّة، والإحسان، والسَّماحة، والأمانة، والشكر على المعروف، وكظم الغيظ، وبِرِّ الوالدينِ وصلة الرَّحِم وإغاثة الملهوف والإحسان إلى الجار، وحفظ مال اليتيم ورعايته، ورحمة الصغير واحترام الكبير، والرِّفق بالخدم والحيوانات، وإماطة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة والعفو والصَّفح عند المقدرة، والنصيحة وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين، وإدخال السرور عليهم، وإنظار المعسِر والإيثار والمواساة والتبسُّم، وعيادة المريض ونُصرة المظلوم، والهديَّة وإكرام الضَّيف ومعاشَرة الزوجة بالمعروف، وإفشاء السَّلام وغيرِها من الآداب والأخلاق التي تُضفِي جَمالًا وبهاءً على مَنْ تحلَّى بها.
وفي مقابل ذلك فإن ارتكاب المعاصي والآثام يَقبُح بالمرء ويَشينه، ويُفقِده حُسنَه وجَمالَه وما يَزِينُه، وإذا وقَع المسلمُ في محرَّم ولو كان من الكبائر فلا يُتخلَّى عنه، بل يعان بدعاء الله له بالتوبة ونصحه، واستثارة معاني الجَمال والحُسْن في قلبه بما هو عليه من الإيمان، ومحبة دِينه فلعلَّه يتذكَّر ويُفيق من غفلته، ويعود إلى رشده.
ومن جَمال هذا الدينِ وسموِّ تعاليمه؛ الإحسانُ في كل حال، كما قال عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ…” الحديثَ، “فمَنْ رَحِمَ ولو ذبيحةَ عصفورٍ -رحمه الله- يوم القيامة”، فالرفقُ والرحمةُ وإحسانُ الذبحةِ من المحاسن والجَمال الأخلاقي..
فالحرص على نظافة المكان قيمة مهمة للجانب الجمالي في السكن الصغير أو السكن الكبير الذي يشمل القرية أو المدينة أو الوطن..
العنصر الرابع :أنواع الجمال
الجمال نوعان حسي ومعنوي وباطن وظاهر ..
وما أعظمَ فضائلَ هذا الدينِ! فهو يدعو إلى الجَمال الحسي والجَمال المعنوي، ويهتمُّ بنظافة المظهَرِ وطهارةِ المخبرِ، والجمالُ -عبد الله- مطلوبٌ في كل شيء، في أخذِكَ وعطائِكَ، وَبَذْلِكَ وسخائكَ، وصبركَ وهجركَ..
مصطلح (الجمال) نفسه وباشتقاقاته المتعدّدة ورد ذكره في آيات عديدة منها:
قال تعالى: ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا)[الْمَعَارِجِ: 5]؛ فهو صبرٌ بلا شكوى، فيتحلَّى المرءُ بأجملِ معاني الصبر، وكذلك الهجر، قال تعالى: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)[الْمُزَّمِّلِ: 10]؛ فهو هجرٌ بلا أذى، يتحقَّق من ورائه النفعُ والإصلاحُ، وفي طلاق المرأة قال تعالى: (وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)[الْأَحْزَابِ: 49]؛ فهو تخليةٌ بالمعروف، وسراحٌ فيه جمالٌ وإحسانٌ، لا يشوبه مخاصَمةٌ ولا مشاتمةٌ، ولا جرحٌ للمشاعر، وهذا المعنى ينتظم أيَّ فضٍّ لشراكة أو إنهاءٍ لتعامُل؛ فينبغي أن يكون فيه من الجَمال وطِيب النفس، ولا يؤدِّي إلى الخصومة والقطيعة والجفاء، وكذا في العفو والصفح، قال تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)[الْحِجْرِ: 85]؛ فهو صفحٌ بلا عتاب، صفحٌ فيه من الحُسْنِ والجَمالِ ولِينِ الكلام، ما يكون أدعى للمحبَّة والوئام..
بيد أنّ هناك مصطلحات مفتاحية أخرى فرعية رديفة، منها: الحسن:
فالحسن هو أحد المعاني المخبوءة في طي لفظ (الجمال)، ومن الآيات في هذا الجانب:
* ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ .
* ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾..
قال ابن القيم في روضة المحبين: “اعلم أن الجمال ينقسم إلى قسمين: ظاهرٍ وباطن؛ فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته ،قال عليه الصلاة والسلام:”والله ما سبقكم ابو بكر بكثرة صلاة ولاصيام ، ولكن بشيء وقر في الصدر ها هنا ، وأشار إلى قلبه “..
وهذا الجمال الباطني يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات، فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل، ولا سيما إذا رُزق حظًّا من صلاة الليل، فإنها تنور الوجه وتحسنه… ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحب جمال الباطن ومحبته والميل إليه”.
وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”، قالوا: يا رسول الله: الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنًا، أفذلك من الكبر؟! فقال: “لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس”. فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم..
إنّ الله جميل يحب الجمال، يقول المناوي: “إن الله جميل؛ أي له الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال، يحب الجمال؛ أي التجمل منكم في الهيئة”. فالمؤمن مطالب بالحرص على تجميل هيئته وعدم إغفال كل الجوانب..
وقال ابن القيم -رحمه الله-: “وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده ، فالجمال الظاهر نعمة منه أيضًا على عبده يوجب شكرًا، فإن شكَرَه بتقواه وصيانته ازداد جمالاً على جماله، وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شينًا ظاهرًا في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحًا وشينًا، وينفر عنه من رآه، فكل من لم يتقِّ الله -عز وجل- في حسنه وجماله انقلب قبحًا وشينًا يشينه به بين الناس، فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره”. اهـ.
وقال ابن القيم أيضاً في الفوائد: “الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم، فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه. فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصرَ دينه وغيظ عدوه، والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك. وأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين”. اهـ.
ومن أنواع الجمال الجمال المطلق والجمال النسبي والجمال المطلق هو الجمال الإلهي الذي يتضح أثره في كل ما خلق الرحمن ، والجمال النسبي في مخلوقات الله وحين يتأمل الإنسان هذا الجمال ـ ومنه الجمال البشري ـ يقف مشدوه البال حائراً، وهذا ما فعلته النسوة حين رأين الجمال الباذخ للنبي يوسف الصديق ..
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾..
فمنهم: من أُعطي جمال الظاهر مع جمال الباطن، فنبي الله يوسف عليه السلام كان له الجمال الظاهر والباطن؛ قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء عن جماله الظاهر: (فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد أُعطي شطر الحسن)؛ [أخرجه مسلم].
أما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها.
ومنهم: من أُعطي جمال الظاهر، بدون جمال الباطن، فصورته جميلة، وباطنه فاسد لا جمال فيه، فجماله غير نافع له، ولذا ذمَّ الله عز وجل جمال الظاهر إذا كان بدون عقيدة وإيمان، فقال في المنافقين: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ﴾ [المنافقون: 4]، قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد، تُعجبك أجسامهم لاستواءِ خلقها، وحُسن صورها.
وكان رأس المنافقين: عبدالله بن أُبي، من أبهى المنافقين وأطولهم؛ كما ذكر ذلك الإمام ابن عطية رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية، ومع ذلك فجمالهم لم ينفعهم، فقد ختَم الله عز وجل الآية بقوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾[التوبة: 30]..
وختاماً: اتقوا الله -عباد الله-؛ فتقوى الله أجمل لباس يتزيَّن به العبد في كل حين وعلى كل حال؛ (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[الْأَعْرَافِ: ..
والمرأة المسلمة عليها بالتقوى وصيانة جمالها، فلا تعصي الله بهذه النعمة، فلا يكون هذا الجمال بوابة إلى خُلق العُجب والغرور المكروهَيْنِ من الله ومن خَلْقه.
ولا تظهر ولا تُبدي زينتها إلا لمن يجوز أن ينظروا إليها، ولا تَغتر بكثرة من يخالفن في ذلك،
اللهم جمِّلْنا بمحاسن الأخلاق والآداب، اللهم جملنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، واللهم جمّل بواطننا بالإخلاص لك، وحسن أعمالنا باتباع سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-.
واللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
الإحسان إلى الجار
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وبعد :
من أهم الموضوعات الدعوية الإحسان الى الجار .
١-فمعرفة ما للجار من حق ، وما عليه من واجب ، أضحت ضرورية لا سيما في هذا الزمان الذى كثرت فيه الشكاوى ، من ابتلاء بعض الناس بالجار السوء الذي يصعب معاملته ومعاشرته لشراسة طبعه وسوء أخلاقه ، وكثير من المسلمين لا يعرف حق الجار ، وإذا علم ما للجار من حق ، فهذه معرفة نظرية لا تطبق على أرض الواقع ، وتذهب أدراج الرياح.
٢- صور منتشرة في حياة الناس تعقبها نتائج مرة .
فلربما بلغت أذية الجيران ببعض الناس أن يبيعوا مساكنهم مضطرين بأبخس الأثمان، والجار السوء هو وحده من يتحمل وزر ذلك عند الله.
٣-رابطة الجوار من أقوى الروابط والصلات بين الناس ، مثل رابطة القرابة ، ورابطة النسب والمصاهرة ، ورابطة الصداقة والزمالة ، وغيرها من الروابط التي يقوى بها المجتمع ..
وفي القرآن الكريم أوصى الله جل في علاه بالجار سواء كان جارا قريبا ، أو أجنبيا . و الصاحب بالحنب أي الجار المسافر ، أو الزوجة .
قَالَ الله تَعَالَى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36].
وكذلك من كمال الإيمان حسن معاملة الجار وملاطفته وكريم معاملته، وعدم إيذاءه بالقول أو بالفعل .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
” مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ”.
صحيح الإمام البخاري .
وفي صحيح الإمام مسلم بلفظ ” مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ”
العنصر الأول : التعريف بالجار وأنواع الجيران .
الجارُ : المُجاور في المسكن. وفي المثل: «قد يُؤْخَذُ الجارُ بذنب الجار». جمع : جيران ، وجيرة ، وجوار ، وأجوار .
و الجارُ الشَّريك في العَقَار أَو التِّجارة. و الجارُ المُجيرُ.و المستجير. والمُجار.المعجم الوسيط. وَالْجَارُ هُوَ النَّزِيلُ بِقُرْبِ مَنْزِلِكِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّزِيلِ بَيْنَ الْقَبِيلَةِ فِي جِوَارِهَا. تعريف الجارُ مرده إلى العرف، والعرف يختلف باختلاف الزمان والمكان، فما تعارف عليه الناس أنه جار فهو جار، والعبرة بأكثرهم. وذلك لأن أحوال الناس تتغير؛ فقديما كانت الحارات صغيرة، والبيوت مجتمعة، ويرى الجيران بعضهم بعضا في اليوم أكثر من مرة، ويجمعهم مسجد واحد، وفي القرى والبلدان الصغيرة يجمعهم سوق واحد، وقد أُطلق الجوار في القرآن على أهل البلدة الواحدة .
ينظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
حد الجار :
يقول الإمام أبو حنيفة: «الجار هو الملاصق لبيتك فقط، لأن كلمة الجار من المجاورة أي الملاصقة».
وقال المالكية: «إن الجار هو الملاصق من جهة من الجهات أو المقابل له بينهما شارع ضيق».
عرفا الجار هو المجاور أو المواجه في المسكن ، إلى سبعة جيران .
وهناك من توسع في حد الجار من الفقهاء ، فعند الشافعية والحنابلة حد الجوار أربعون داراً من كل جانب، واستدلوا بحديث « الجِيرَانٌ أربعون دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ».
كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ: (حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ قُدَّامًا وَخَلْفًا وَيَمِينًا وَشَمَالًا) . ينظر صحيفة الخليج د عارف الشيخ . والحديث رَوَاهَُ الإمام أبو داوُد وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا، بسند ضعيف ، وَلَهُ طُرُقٌ تُقَوِّيه .
والحق أن الجار القريب منك في البيت ، وجار العمل، وجار العلم ، وجار التجارة، كل هؤلاء الجيران داخلون في مفهوم الجار، وما يعد عرفا جار لك فهو جار ، أما من كان بعيدا فهو ابن المنطقة، أو الحي أو البلد ..
أنواع الجيران
الْجِيرَان ثَلَاثَة جَار مُسلم قريب لَهُ حق الْجوَار وَحقّ الْإِسْلَام وَحقّ الْقَرَابَة وجار مُسلم لَهُ حق الْجوَار وَحقّ الْإِسْلَام وَالْجَار الْكَافِر لَهُ حق الْجوَار .
العنصر الثاني: صور الاحسان إلى الجار .
الإحسان إلى الجار :
لقد أوصى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإكرام الجار والإحسان إليه في أحاديث كثيرة ، عن أَبي شُريْحٍ الخُزاعيِّ رضي الله عنه: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : (مَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيُحسِنْ إلى جارِه .)(أخرجه الإمام مسلم) .
وفي الحديث المتفق عليه بين الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) .
وعملا بهذا الحديث كَانَ سيدنا عبد الله بْن عمرو رَضِي الله عَنْهُمَا لَهُ جَار يَهُودِيّ فَكَانَ إِذا ذبح الشَّاة يَقُول أهديتم جارنا الْيَهُودِيّ … الحديث أورده المحدث الوادعي في صحيح المسند ، وسنده حسن .
لقد أوصانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما فيه الخير وصلاح الأمر في الدين والدنيا والآخرة ، ومن أهم ما أوصانا به : أن نحسن إلى الجيران بجميع أنواعهم سواء كان جارا قريبا ، أو أجنبيا ، مسلما ، أو غير مسلم .
وهذه الوصية تدل على أهمية العناية بالجار وما أكثر الذين لا يفهمونها ولا يقدرون الوصية حق تقديرها .
من صور الإحسان إلى الجار
١-تفقد أحوال الجيران فإن كانوا فقراء أو محتاجين فأعطهم وأطعمهم إذا جاعوا ، وتصدق عليهم إبتغاء مرضاة الله إن الله يجزي المتصدقين ، وإذا وسع الله عليك و اشتريت لأولادك وأهلك كسوة ، فاشتري لليتيم أو لأولاد الجار الفقير إذا كانوا محتاجين ، وان كان الجار كبيرا ويحتاج إلى مساعدة فساعده ، وشاركه في أفراحه وأتراحه ، وسروره وأحزانه .
أخرج الإمام الطبراني في الكبير والحاكم في مستدركه ووصححه ووافقه الإمام الذهبي قوله عليه الصلاة والسلام “مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَان وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ”.
٢-عيادة الجار المريض من صور الإحسان إلى الجار عيادته إذا مرض
إذا كان جارك مريضاً فعيادته واجبة وزيارته مفروضة طبقا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لو كان غير مسلم ، أو من أصحاب المعاصي و الكبائر ، واستغلال تلك الزيارة في دعوته إلى الله ، كما فعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .
أخرج الإمام البخاري عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَمَرِضَ، فأتَاهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ له: أسْلِمْ، فَنَظَرَ إلى أبِيهِ وهو عِنْدَهُ فَقالَ له: أطِعْ أبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسْلَمَ، فَخَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يقولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.
٣- التهادي بين الجيران
من صور الإحسان بين الجيران : التهادي بينهم ، فالهدية جالبة للمودة والحب بين الجيران ، وينبغي أن لا يحقر الجار هديةً من جاره مهما كانت يسيرة .
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ.)(متفق عليه بين الإمامين البخاري ومسلم) .
فِرْسِنَ شاةٍ وهو ظِلْفُ الشَّاةِ كالحافرِ مِن الفرَسِ، وقيل: هو عَظْمٌ قَليلُ اللَّحْمِ، والمقصودُ: المبالَغةُ في الحثِّ على الإهداءِ ولو كان شَيئًا يَسيرًا .ينظر الدرر السنية.
وعن أَبي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَها، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ رواه الإمام مسلم.
إطعام أولاد المتوفي وأهله
من صور الإحسان صنع الطعام لأهل المتوفي إذا كان جارا أو قريبا .
فمن “السُنَّة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم ، ففي غزوة مؤته لما استشهد سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، أمرهم النبي بصنع الطعام لأهل الميت .
عن عبدِ اللهِ بنِ جَعفرٍ، قال: لَمَّا جاء نَعْيُ جعفرٍ قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (اصنعُوا لآلِ جَعفَرٍ طعامًا؛ فقد أتاهم ما يَشْغَلُهم، أو أمْرٌ يَشْغَلُهم ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده وصححه العلامة أحمد شاكر .
وقال الإمام الشافعي : ” وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم ، فإن ذلك سُنَّة ، وذِكْرٌ كريم ، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا “. ينظر أحكام الجنائز المحدث نصر الدين الألباني.
وفي الموسوعة الفقهية”يُسَنُّ لجيرانِ أهل المَيِّت ولأقارِبِه تهيئةُ طعامٍ يُشْبِعُهم يَوْمَهم وليلَتَهم، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنفيَّة، والمالِكيَّة، والشَّافعيَّة، والحَنابِلَة “
إرشاد الجار إلى الخير ونصحه .
ومن أهم صور الإحسان إلى الجار نصحه ودعودته إلى الصلاة ، وإرشاده إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهذا كله من حق الجار على جاره ، بل يجب للجار جميع الحقوق العامة للمسلم على أخيه ففي الحديث المتفق عليه
قال عليه الصلاة والسلام “حَقُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ سِتٌّ قيلَ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: إذا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عليه، وإذا دَعاكَ فأجِبْهُ، وإذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ له، وإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ وإذا ماتَ فاتَّبِعْهُ”.
العنصر الثالث : التحذير من إيذاء الجار
ومن هنا كان إيذاء الجار من كبائر الذنوب عند الله عزوجل ، بل هو منافٍ لكمال الإيمان أخرج الإمام البخاري في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم ” واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ. قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ”.
والبوايق والبوائق هي : الدواهي ، و الظلم ، والبلايا ، والفتن ، والشرور.
كما أن إيذاء الجار باليد أو اللسان ، سبب في دخول النار وإن كثرت الطاعات من صيام أو صلاة أو صدقات .
“قيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ : يا رَسولَ اللهِ ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ و تَصومُ النَّهارَ و تفعلُ ، و تصدَّقُ ، و تُؤذي جيرانَها بلِسانِها ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ و سلم :” لا خَيرَ فيها ، هيَ من أهلِ النَّارِ . قالوا : و فُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ ، و تصدَّقُ بأثوارٍ ، و لا تُؤذي أحدًا ؟ فقال رسولُ اللهِ : “هيَ من أهلِ الجنَّةِ ” أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.
من صور إيذاء الجار
إظهار ما خفي من عيوبه ،
وحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحذيرا شديدا من يؤذي جاره ، بالقول أو بالفعل ، والأذى عموما محرم ، وأذية الجار أشد حرمة ، والاطلاع على عورات جيرانه ونسائهم ،وعدم صيانة عرضه في غيابه ووسائل ذلك العصرية كثير ، وصور الأذى وألوانه أكثر ، كإزعاجه بارتفاع الصوت ، وتطييق الطريق، وإلقاء القذورات ، والنظر إلى العورات ، سواء بالعين أو بآلة تصوير ، وأعظم الأذية للجار والإساءة إليه: خيانته في عرضه، والعياذ بالله . وهو أمر بغيض حتى في الجاهلية.
فمن مميزات أخلاق بعض العرب في الجاهلية قبل الإسلام ، حفظ عرض الجار فقال قائلهم:
وما جارتي إلّا كأمّي وإنّي لَأَحْفَظُهَا سِرّا وأحفظهاجَهْرَا
وقال:
أغْض طرفي إذا ما جارتي بَرَزَتْ ** حتّى يواريَ جارتي الخدْرُ .
لذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهاك عرض الجار من أشد أنواع المعاصي والذنوب ، بعد الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله.
سُئِلَ- رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ معكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: أنْ تُزَانِيَ بحَلِيلَةِ جَارِكَ.متفق عليه بين الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما.
***ومن صور الأذى النفسي تبلد المشاعر والأحاسيس من بعض الجيران ، مثلا يقيمون الأفراح وعندهم جار ميت ، وكأن القيم الإنسانية قد ذهبت والعادات والتقاليد الطيبة في حياة الناس قد انمحت .
وقد عد الإمام شمس الدين الذهبي إيذاء الجار من الكبائر فذكر في الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسينَ أَذَى الْجَار
ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَالله لَا يُؤمن وَالله لَا يُؤمن قيل من يَا رَسُول الله قَالَ من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه أَي غوائله وشروره … ..وَرُوِيَ أَن الْجَار الْفَقِير يتَعَلَّق بالجار الْغَنِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب سل هَذَا لم مَنَعَنِي معروفه وأغلق عني بَابه . الكبائر للإمام الذهبي .
العنصر الرابع: كيفية علاج سوء معاملة الجيران .
أولا: نوصي بالصبر عليهم مع الأخذ بكافة الاحتياطات التي تمنعهم من أذيتكم، فعاقبة الصبر خير .
وأما التعامل مع الجار المسيء، فيكون بداية بالصبر، والحلم ، ودفع السيئة بالحسنة، كما قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {فصلت:34-36} .
ومن فقه معاملة النبي لرد أذى الجار أن رجلا جاء إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشكو جارَه، فقال :” اذهب فاصبرْ فأتاه مرتين أو ثلاثًا فقال : اذهب فاطرحْ متاعَك في الطريق . فطرح متاعَه في الطريق، فجعل الناسُ يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناسُ يلعنونَه : فعل اللهُ به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جارُه فقال له : ارجعْ لا ترى مني شيئًا تكرهه ” أخرجه الإمام أبو داوود في سننه وسنده صحيح.
وليس من حق الجار على جاره أن يردّ الأذى بمثله ، بل عليه بالصبر و تحمل الأذى ، والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ارتحال أو سفر .
ثانيا: كثرة الدعاء لهم بخير، وأن يهديهم الله
واستعذ بالله من شرورهم.
ثالثا: النصحية ، وتذكيرهم بالله -عز وجل – وانتداب بعض الفضلاء من الناس ممن له تأثير عليهم، فلكل إنسان مدخل ، فعسى الله أن يهديهم وينتفعوا بالنصح .
خامسا: تهديدهم برفع الأمر إلى المحاكم والمسئولين ، ورفع الأمر إليهم إن اقتضى الأمر ذلك، فإن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن ، ويمكن البحث عن مسكن آخر، والانتقال إليه إن أمكن ذلك.
وان استخدمت كل هذه الوسائل ، وصار الجار الطيب في عناء من سوء معاملة الجيران فليصبر ، والله قادر على تعويضه حقه في الدنيا والآخرة ، ولربما كان حسن خلق الجار وصبره وحلمه طريقا للدعوة إلى الله تعالى.
رُوِيَ عَن سهل بن عبد الله التسترِي رَحمَه الله أَنه كَانَ لَهُ جَار ذمِّي يسكن في الطابق الأعلى وَكَانَ قد انبثق من كنيفه إِلَى بَيت فِي دَار سهل بثق فَكَانَ سهل يضع كل يَوْم الْجَفْنَة تَحت ذَلِك البثق فيجتمع مَا يسْقط
فِيهِ من كنيف الْمَجُوسِيّ ويطرحه بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا يرَاهُ أحد و (كَنِيفُ البَيْتِ : المِرْحَاضُ، بَيْتُ النَّظَافَةِ . وكَنِيفُ الْمَاشِيَةِ : حَظِيرَةٌ مِنْ شَجَرٍ ) . ينظر قاموس المعاني.
فَمَكثَ رَحمَه الله على هَذِه الْحَال زَمَانا طَويلا إِلَى أَن حضرت سهلاً الْوَفَاة فاستدعى جَاره الْمَجُوسِيّ وَقَالَ لَهُ أدخل ذَلِك الْبَيْت وَانْظُر مَا فِيهِ فَدخل فَرَأى ذَلِك البثق والقذر يسْقط مِنْهُ فِي الْجَفْنَة فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي أرى قَالَ سهل هَذَا مُنْذُ زمَان طَوِيل يسْقط من دَارك إِلَى هَذَا الْبَيْت وَأَنا أتلقاه بِالنَّهَارِ وألقيه بِاللَّيْلِ وَلَوْلَا أَنه حضرني أَجلي وَأَنا أَخَاف أَن لَا تتسع أَخْلَاق غَيْرِي لذَلِك وَإِلَّا لم أخْبرك فافعل مَا ترى فَقَالَ الْمَجُوسِيّ أَيهَا الشَّيْخ أَنْت تعاملني بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة مُنْذُ زمَان طَوِيل وأنا مقيم على كفري مد يدك فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ مَاتَ سهل رَحمَه الله فنسأل الله أَن يهدينا وَإِيَّاكُم لأحسن الْأَخْلَاق والأعمال والْأَقْوَال وَأَن يحسن عاقبتنا إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم . الكبائر للإمام الذهبي.
والدار يعلو ثمنها بجيرانها ، وقد قيل أن جارا لابن دينار طلب في الدار ألفي دينار ، ضعف ثمنها ،ثم قال ألف ثمن الدار ، وألف لأنها بجوار مالك بن دينار ،(رضي الله عنه) .
نخلص من ذلك أن : حسن الجوار سبب لعمارة الديار والبركة في الأعمار، ففي الحديث عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” صلةُ الرحمِ وحسنُ الجوارِ ، وحسنُ الخلقِ يُعمِّرانِ الديارَ ويزيدانِ في الأعمارِ ” أخرجه الإمام أحمد في مسنده.وسنده صحيح.
فسلوا ربكم الجوار الصالح في الدنيا
وسلوه الجوار الصالح في الآخرة .
وتعوذوا بالله من جار السوء في الدنيا
وتعوذوا بالله من جار السوء في الآخرة، فقد تعوذ منه نبينا – صلى الله عليه وسلم- إذ قال:
” تعوَّذوا باللهِ مِن جارِ السُّوءِ في دارِ المقامِ ، فإنَّ جارَ الباديةِ يتحوَّلُ عنكَ”. أخرجه الإمام النسائي وسنده صحيح.
أي جار البادية جيرته مؤقتة ، بخلاف جار الريف والحضر .
ونوصيك في الختام بمجاهدة نفسك في أمر الطاعة والعبادة، وكثرة ذكر الله -عز وجل-، وعدم ترك فرصة للشيطان ليحول بينك وبين ما فيه الخير والسعادة وراحة النفس، وعسى أن يكون ذلك كله سببا لاستجابة دعائك،
ألا فارعوا لجواركم حرمته وكرامته، وأحسنوا إليه تسعدوا وتفلحوا في الدنيا والآخرة . وسلوا الله صلاح جيرانكم، أو أن يقيكم الله شرهم.
اللهم اجعلنا جيرانًا صالحين، وارزقنا جوار الصالحين في الدنيا، وفي الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.