الذِّكْرُ.. عِلَاجُ النِّسْيَانِ
17 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم الدكتور : إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية
نقرأ في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. عندما تأملت هذه الآية وجدتها جوهرةً فريدةً في القرآن الكريم، فهي ليست مجرد توجيه من الله تعالى فحسب، بل هي بمثابة علاجٍ إلهيٍّ شاملٍ للضعف البشري المتمثل في النسيان والغفلة. ويكمن السر الأعظم في هذه الآية الصغيرة في أنها ترسم طريقاً للتدارك والعودة إلى اليقظة بعد الوقوع في السهو، وتضم في طياتها معانيَ متعددةً لـ “ذِكر الله”، تجعلها قاعدةَ حياةٍ للمؤمن.
ولفهم المعنى الأصيل للآية، يجب النظر إليها ضمن سياقها في سورة الكهف، حيث جاءت الآية بعد نهي النبي ﷺ عن الجزم بفعل شيء في المستقبل دون تعليقه بمشيئة الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ…﴾.
هنا، يكون ذكر الله بمعنىً خاصٍ جداً، وهو الذكر اللساني بالتدارك (قول إن شاء الله). فالسر هو أن الآية تأمر بالتدارك؛ أي إذا نَسيت أن تقول “إن شاء الله” عند التخطيط لأمر مستقبلي، ثم تذكرت بعد فترة، فعليك أن تقولها حين التذكر. هذا هو التفسير المباشر الأكثر ارتباطاً بسياق الآية.
وهذا التوجيه يكشف عن سعةِ الرحمةِ الإلهيةِ، فالله سبحانه وتعالى لم يترك عبده الذي نسي هذا الأدب الإيماني في حرج، بل شرع له باباً لتصحيح النقص وتدارك ما فاته من ذكر. هذه دعوة للعودة الفورية لله والتصحيح، حتى وإن طالت مدة النسيان.
وبصرف النظر عن سياقها في الاستثناء، فإن الدلالة الأعم للآية تحمل معنىً أشملَ وأعمقَ، يرتقي بـ “ذِكر الله” ليصبح علاجاً شاملاً لكل أنواع النسيان والغفلة في حياة المسلم. فالنسيان ضعف بشري، والملاذ منه هو الرجوع الفوري إلى الله.
وللحقيقة فإن معاني الذكر المطلوب تتعدد لتشمل:
الذكر القلبي (الاستحضار والخشية): إذا نسي القلبُ مراقبةَ الله، وسها عن الآخرة، فاذكره بالتوبة والإنابة واستشعار عظمته؛ فالذكر هنا هو العودة إلى اليقظة الروحية الداخلية.
الذكر اللساني (التسبيح والتحميد): إذا نسي اللسان الحمد والشكر على النعمة أو الاستغفار من الذنب، فاذكره بالتهليل والتكبير فور تذكرك، فإن المداومة على ذكر الله تطرد الشيطان الذي يسبب النسيان.
الذكر العملي (أداء الفرائض): إذا نَسيت واجباً أو فريضةً كالصلاة، فاذكره بإقامة العمل المنسي فور التذكر؛ استناداً لقوله ﷺ: “من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك”.
الذكر المُذكِّر (تذكر المنسي): إذا نَسيت أمراً دنيوياً أو علمياً، فاذكره بالدعاء والتضرع أن يذكرك ما نسيته، فالذكر هو مفتاح التوفيق واستعادة الذاكرة.
خاتمة:
إن السر الأهم في هذه الآية العظيمة هو أنها تجعل من ذِكر الله هو العلاج والملاذ لكل قصور أو نسيان أو خطأ بشري. إنها دعوة لجعل الذكر ملازماً للعبد، بحيث يتحول النسيان من لحظةِ ضعفٍ إلى فرصةٍ للتقرب الفوري والتصحيح.
الآية تربط ببراعة بين الضعف الإنساني (النسيان) والقوة الإلهية (الذِكر)، لتخبر المؤمن بأن المفتاح الرباني لاستعادة التوازن واليقظة عند وقوع السهو أو الغفلة هو اللجوء إلى الله تعالى بجميع معاني الذكر: بالقلب، واللسان، والعمل.