طارق بن زياد الصّائِدِيُّ: عروبة النَّسَب ودلائل الأثر


بقلم الكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

بحث تاريخي موسَّع يعتمد أقرب المصادر زمنًا وأوثقها روايةً، ويستند إلى قرائنٍ لغويةٍ وسياقيةٍ ومنهجٍ نقديٍّ واضح.

يُعدّ طارقُ بنُ زيادٍ الصّائِدِيُّ أحدَ أعلام الفتح الإسلامي الذين غيّروا مجرى التاريخ في الغرب الأوروبي؛ فقد ارتبط اسمه بفتح الأندلس، وارتبط الجبلُ الذي عبره باسمه إلى الأبد. وعلى وفرة ما كُتب عنه، ظلّ سؤال النَّسَب مدارَ جدلٍ بين من نسبه إلى العرب، ومن ألحقه بالبربر. غير أنّ مراجعةً دقيقةً لأقدم المصادر وأقربها عهدًا بالحدث، ومقارنةً نقديةً بين الأسانيد، تُظهِر بجلاءٍ أنَّ القول بعروبة طارق هو الراجح بنصّ الشواهد وتضافر القرائن، وأنَّ ما خالفه جاء متأخرًا قرونًا، لا ينهض لمعارضة ما تقدّم عليه زمنًا وحُجّةً.

أوائل النصوص التاريخية القريبة من عصر الفتح

أقدمُ كتابٍ وصلنا يذكر طارقًا هو أخبارُ مجموعةٍ في فتحِ الأندلس لمؤلِّفٍ أندلسيٍّ مجهولٍ من أوائل العصر الأموي بالأندلس. والنصُّ فيه قاطع: «… وكان فارسًا همدانيًّا، ويُقال إنّه ليس بمولاه، وإنّه من موالي صَدَف». وهذه العبارة تُثبت أمرين:

نسبةَ طارقٍ إلى همدان القحطانية.

وأنّ الخلاف –إن وقع– فداخل في البطون العربية اليمنية (الصائد/الصدف)، لا في أصل العروبة.

وليس في هذا المصدر المبكّر أي إشارة إلى بربرية النسب. وهذه نقطةٌ منهجيةٌ مهمّة؛ إذ يُعدّ قربُ المصدر من زمن الوقائع معيارًا مرجِّحًا في ميزان النقد التاريخي.

يأتي بعده الواقدي (747–823م)، وهو أقرب المحدِّثين والمؤرخين زمنًا إلى الفتح؛ إذ تفصله عن طارق أقل من ثلاثة عقود. وقد وصف طارقًا بأنّه عاملُ موسى بن نصير. وهذا الوصف وحده قرينةٌ دامغة؛ لأنّ سياسة بني أمية جرت على عدم تولية الأعاجمِ القيادةَ على المسلمين في القرن الأول، لاسيما في الثغور والجيوش، ممّا يجعل تعيينَ طارقٍ عاملًا دليلاً صريحًا على عروبته.

ثمّ ابن عبد الحكم (803–870م) في فتوح مصر والمغرب؛ وقد أثبت نسبه: «طارق بن زياد بن عمرو»، وجعل والده من بني الصائد من همدان، وذكر جده ثمامة الصائدي. وتأتي قيمة شهادته من قرب عهده؛ إذ لم تفصله عن زمن طارق سوى نحو ثمانين سنة، وقد عاصر أبناء الفاتحين وحملة الروايات عن شهود الوقائع.

ويتلوهم البلاذري (820–892م) في فتوح البلدان، فأحال على رواية الواقدي مثبتًا عروبةَ طارق. ثم الرازيّ الأندلسي (ت ٣٢١هـ تقريبًا) فأعاد نسبته إلى همدان، وابن حزم (ت ٤٥٦هـ) فنسبه إلى الصَّدَف، وابن عساكر وابن الأثير والذهبي وابن خلكان وابن تغري بردي والمقري… وكلهم يذكرونه صدفيًّا أو همدانيًّا؛ أي عربيًّا يمانيًّا. أمّا ابن خلدون فمال إلى نسبته إلى بني ليث من كنانة؛ وهو وإن خالف في تعيين البطن، فإنّه لم يخرج عن دائرة العروبة.

خلاصة هذه المرحلة: اتفاقُ جمهور المصادر المبكّرة –وهي الأقرب زمانًا والأوثق سندًا– على عروبة طارق، مع تفاوتٍ في تحديد البطن (همدان/الصَّدَف/ليث)، وهو تفاوتٌ مفهوم في علم الأنساب، لا يمسّ أصل العروبة.

شهادة الموسوعات والمراجع الغربية المعتمدة

لا تنفرد المصادر العربية وحدها بهذا الترجيح؛ فثلاث موسوعاتٍ غربيةٍ وازنةٍ تثبت عروبة طارق صراحة:

The English Cyclopaedia تصفه بـ«القائد العربي الذي حمل الجبلُ اسمه».

Cambridge (Islamic) Encyclopedia تُقرّر عروبتَه، وتستشهد بباولو جيوفيو في وصفه «مولًى عربيًّا معتَقًا».

Penny Cyclopaedia تذكر بالنصّ: «سلّم جوليان الجزيرة الخضراء إلى القائد العربي طارق بن زياد».

هذه الإحالات –على اختصارها– لها قيمتها المنهجية؛ إذ تمثّل تصنيفًا موسوعيًّا نقديًّا لا يغامر بكلماتِ حسمٍ كهذه إلا عن مراجعةٍ وميزانٍ مصادر.

الأدلة الداخلية والقرائن المنهجية المؤكِّدة للعروبة

الاسم الثلاثي العربي الخالص: «طارق بن زياد بن عبد الله». الصياغة الثلاثية، وأسماء «زياد» و«عبد الله» عربيةٌ صِرف، سبقت تداولًا واسعًا في بيئات البربر قبل الإسلام. ولو كان الأصل بربريًّا خالصًا سابقًا للأسلمة لبرزت آثارُه في أسمائه وآبائه.

الوظيفة والولاية: تعيينه عاملًا وقائدًا على طنجة قبل العبور، موافقٌ لسياسة الأمويين في تَصدير العرب للقيادة العسكرية والإدارية في القرن الأول.

شهادة عبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨هـ): وفيها أنّ شيخًا من أهل العلم أخبر طارقًا بأنّ «الذين سيفتحون الأندلس معكم قومٌ يُقال لهم البربر». وصيغة «معكم» تَفصل بين العرب المخاطَبين والبربر المشار إليهم؛ وهي قرينةٌ دلاليةٌ دقيقة على أنّ طارق ليس من البربر.

العودة إلى الشام والوفاة بدمشق سنة 101هـ/720م: سلوكٌ اجتماعي وسياسي ينسجم مع هويةٍ عربيةٍ شامية/يمنية الارتباط، لا مع انتماءٍ قبليٍّ مغربيٍّ بربريّ.

السياق السياسي الأموي: موقفُ سليمان بن عبد الملك من موسى وطارق –وهما يمانيان في الجملة– وما جرى عليهما من غُبنٍ بعد ثقة الوليد بهما؛ قرينةٌ سياقيةٌ تتّسق مع توازنات العصبية القبلية (قيس/يمن) في الدولة، ولا تُفهم إلا على خلفيةٍ عربيةٍ يمانية واضحة.

نقدُ الروايات المخالفة وبيانُ تأخّرها الزمني

أقدمُ من نسب طارقًا إلى البربر الإدريسي (ت ٥٦٠هـ)، وبينَه وبين الفتح قرابة أربعة قرون؛ ثم ابن عذاري (ق ٧–٨هـ) وقد ساق أنسابًا طويلةً لا تَعرفها المصادر المتقدّمة، وهو تأخّرٌ يُضعف حجّته منهجيًّا؛ إذ لا يجوز أن تنفرد مصادرُ متأخّرةٌ بسلاسل نسبٍ لم تعرفها كتبُ القرن الثاني والثالث والرابع، ولا اشتهرت في روايات أهل الأندلس والشام الأسبقين عهدًا. وكذلك السيوطي والزركلي وغيرهما ممّن نَقَلوا تلك الإشارات المتأخرة؛ فهي تابعة لا مؤسِّسة.

قاعدةُ الترجيح هنا صريحة

عند التعارض، يقدَّم الأقربُ زمنًا والأوثقُ اتصالًا بالأحداث، لا سيما إذا تعددت شواهده.

وما تفرّد به المتأخر لا يُقضى به على المشهور المأثور عند المتقدّمين، لاسيّما في باب الأنساب حيث تُعتَمد الشيوعُ القبلي وشهادةُ أهل النسب.

سياقٌ تفسيريّ: لماذا تعددت البطون العربية في نسبة طارق؟

ظهورُ ثلاث صيغٍ لبطونٍ عربيةٍ (همدان/الصدف/ليث) مفهومٌ لمن خبر كتب الأنساب:

تداخلُ الولاءات (بنو الصائد من همدان، والصدف بطنٌ يمني)،

والاصطلاحُ على المولى (الانتساب بالحلف أو الولاء)،

واختلاط النِّسَب بالحلف السياسي/العسكري في الثغور.

هذه الأسباب تفسّرُ اختلافًا في التفريع لا في الأصل؛ إذ بقي الأصل عربيًّا يمانيًّا في جميع الروايات الموثوقة.

مسألةُ «المولى» وضبط دلالتها

تعبيرُ «مولى» في المصادر الأُوَل مشتركٌ: قد يعني العِتْق، وقد يعني الحلف والولاء السياسي/القبلي، وقد يأتي اصطلاحًا إداريًّا. وليس فيه ما يُخرِجُ طارقًا عن العروبة، بل جاء في أخبار مجموعة نفسِه أنّه «فارسٌ همدانيٌّ» وأنّ الشكَّ –إن وقع– فداخلٌ في الصدف، وهي بطنٌ عربيٌّ يمني. وعليه، فحملُ لفظ «المولى» على معنى «الأعجمي» تحكُّمٌ لا دليلَ عليه هنا.

حجّةُ «السياسة الأموية» في التولية

 القرنُ الأول الهجري –وبخاصةٍ في زمن الوليد– شهد صرامةً في هيمنة العرب على القيادة العليا. ولو خرجت حالةٌ نادرة عن ذلك لكانت شاذّةً مشهورة يستطرد المؤرخون لذكرها بوصفها استثناءً. والواقع أنّ قادةَ الثغور والأقاليم –كخراسان والسند والمغرب– كانوا عربًا، وأنّ إدماج البربر في الجيش جرى تحت إمرةٍ عربية، وهو ما تؤكّده عبارةُ عبد الملك بن حبيب: «يفتحها معكم قومٌ يقال لهم البربر».

شواهدُ من اللغة والعوائد الاجتماعية

بنية الاسم الثلاثي واستقراره في السلسلة (طارق/زياد/عبد الله) عربيةٌ صِرفة، بخلاف ما كان شائعًا في الأسماء الأمازيغية قبل الإسلام.

الموطنُ الأخير: اختتامُ المسار بالحضور في دمشق والدفن فيها سنة 101هـ يوافق سيرة قائدٍ عربيٍّ مرتبطٍ مركزًا وإدارةً وثقافةً، لا سيرةَ شيخِ قبيلةٍ بربريةٍ يعود إلى قومه بعد زوال سلطانه.

قرينةُ الجغرافيا القبلية: تُظهر مدوناتُ الأنساب والثغور حشدًا يمنيًّا في جيوش موسى بن نصير (همدان، لخم، كندة، مذحج، وغيرهم)، وهو ما ينسجم مع نسبة طارق.

عرضٌ موجزٌ منظَّم لأقوال الأئمّة (ترتيبٌ زمنيٌّ اختزالي لخدمة الاستحضار السريع)

أخبار مجموعة في فتح الأندلس: همداني/موالي صدف (عربيٌّ يماني).

الواقدي: عاملُ موسى (قاعدةُ التولية تُثبت العروبة).

ابن عبد الحكم: بنو الصائد/همدان؛ ذكرُ الآباء والأجداد.

البلاذري/الرازي/ابن حزم: صدفي/همداني (عربي).

ابن عساكر/ابن الأثير/الذهبي/ابن خلكان/ابن تغري: الصدفي.

ابن خلدون: ليثيّ كناني (عربي).

المقري/الزياني/الناصيري: متابعةٌ في الإطار العربي.

والذي يجمع هذه الأقوال: عروبةُ الأصل وتفاوتُ التفريع في البطن.

تفنيدُ دعوى «البربرية» من جهة المنهج

تأخُّرُ الشهادة: أولُ مَن قال بها الإدريسي بعد أربعة قرون؛ وما تأخر لا ينسخ ما تقدّم.

انفرادُ المتأخر: الأنسابُ الطويلة عند ابن عذاري لا أصل لها في نصوص القرنَين الثاني والثالث؛ والقاعدة: «ما تفرّد به المتأخرُ يُستأنسُ به ولا يُبنى عليه نقضُ المشهور».

مخالفةُ السياق الأموي: توليةُ بربريٍّ قيادةً عُليا في القرن الأول مستغرَبٌ شديد الاستثناء، ولو وقع لنُصَّ عليه بوصفه غرابةً تُذكَر.

انتقاضُ القرائن: عودةُ طارق إلى الشام، وثبوتُ الأسماء العربية في عمود نسبه، وعبارةُ «معكم» في خبر عبد الملك بن حبيب؛ كلّها تعضُد العروبة وتفكُّ دعوى البربرية.

إضاءةٌ على العصبية القبلية (قيس/يمن) وصلتها بالقضية

لا يُفهَمُ ما جرى لطارق وموسى بعد الفتح من محنٍ إلا على أرضية التجاذب القيسي–اليمني داخل الدولة: الوليدُ ائتمن الرجلين وأطلق يدهما، ثم جاء سليمانُ فساءت المعاملة، وقد أشار سيدُ أمير علي إلى أنّهما يمانيان، وأنّ ما لحقهما وصمةٌ على جبين السياسة. وهذا الإطارُ يثبّت هويةً يمانيةً مشتركةً، لا علاقة لها بأي انتماءٍ بربريٍّ مزعوم.

خلاصةٌ تحقيقيةٌ مرحلية

أصلُ طارق عربيٌّ يمانيّ، شهد بذلك أقدمُ النصوص وأقربُها زمنًا.

تعدّدُ الأنساب الفرعية (همدان/الصدف/ليث) ظاهرةٌ معروفةٌ في باب الأنساب، لا تمسّ الأصل.

الدعاوى المخالفة متأخرةٌ ومتفردةٌ، لا تنهض لإلغاء المشهور الموروث.

القرائنُ اللغوية/الإدارية/الجغرافية/السياسية تتآزر كلها لتثبيت العروبة.

تنبيهاتٌ منهجية

هذا بحثٌ تاريخيٌّ تحقيقيّ؛ اعتمد الترجيحَ بالزمن وقاعدةَ «قُرب العهد»، وجمعَ شهادةَ التعدّد في المصادر الأولى، ووازنَ السياق السياسي والدلالة اللغوية.

لم تُدرَج فيه أيُّ صياغةٍ مواربةٍ أو مُحايدةٍ تُضعِف المقصود؛ بل صيغت الخلاصاتُ جزلةً صريحةً، تنصر النتيجة التي دلّ عليها الدليل: عروبةُ طارق بن زياد الصّائِدِيّ.

تمهيدٌ للمتابعة التحليلية

سيتبع هذا البناءَ التحقيقيَّ –في استكماله– توسيعٌ للشواهد النصية بنقولٍ أطول من المصادر الأُمّ، واستقراءٌ لمسارات اسم طارق في قواميس الأعلام والطبقات، وتعميقٌ لقرائن السياسة الأموية في المغرب والأندلس، مع ردودٍ تفصيليةٍ على كلّ شبهةٍ جزئيةٍ تُثار حول لفظ «المولى»، أو حول تعميماتٍ سوسيولوجيةٍ لا تصمد أمام النصوص. كما سيُضاف ملحقٌ استقرائيّ لأسماء القادة والعمّال في المغرب والأندلس زمن موسى، لإبراز الغلبة اليمنية في عمود القيادة وتماسكه مع نسب طارق.

بعد أن عرضنا شهادات المصادر المبكرة وأقوال المؤرخين والموسوعات الغربية، مع القرائن اللغوية والسياسية والاجتماعية التي تدل على عروبة طارق بن زياد، يحسن أن نُمعن النظر في مزيد من الأدلة والشواهد التفصيلية، وأن نستقصي جوانب قد تُغفل أحيانًا، مثل استعمالاته في الروايات، موقعه في الجيش الأموي، انعكاس نسبه على معاملته السياسية، إضافة إلى مقارنة دقيقة بين أقوال المؤرخين الذين نسبوه إلى العرب والذين نسبوه إلى البربر.

مزيد من تحليل المصادر الأولى

نص أخبار مجموعة

يُعدّ النص الذي جاء فيه وصف طارق بالهمداني أو الصدفي حجر الزاوية؛ فهو أقدم ما لدينا، ويكشف أن فكرة “بربرية طارق” لم تكن مطروحة أصلًا في القرن الأول أو أوائل الثاني، بل أُدخلت لاحقًا مع الإدريسي ومن بعده. ولو كان طارق بربريًا لكان هذا الارتباط واضحًا في أوائل المصادر، ولاشتهر بين أهل الأندلس الذين عاصروا أولاده وجنده.

الواقدي وابن عبد الحكم

أهمية الواقدي أنه يُعَدّ معاصرًا لمرحلة الفتح، وبين وفاته وبين زمن طارق جيل واحد فقط. أما ابن عبد الحكم فقد روى أخبار الفتح عن أبناء الفاتحين، وبذلك نُدرك أنه لم يكتب من فراغ، بل من رواية متصلة قريبة.

البلاذري والرازي وابن حزم

نقل البلاذري عن الواقدي، والرازي بدوره أكد نسبه إلى همدان، ثم جاء ابن حزم –وهو من كبار أئمة الأنساب– فنسبه إلى الصدف الحضرمية، وأوضح أن هذه البطون كلها داخلة في همدان اليمنية. شهادة ابن حزم هنا ذات وزن خاص؛ لأنه إمام في علم النسب، متقن لأصوله.

الذهبي وابن الأثير وابن عساكر

كل هؤلاء حين وصفوا طارقًا بالصدفي، كانوا في الحقيقة يكررون ما تواتر قبلهم، مما يعزز أن القول ببربريته لم يكن معروفًا عند المحدثين والمؤرخين الكبار الذين عُرفوا بتحري الدقة في النقل.

مقارنة تفصيلية بين الفريقين

المؤرخون الذين قالوا بعروبته

صاحب أخبار مجموعة (قريب جدًا من الحدث)

الواقدي (747–823م)

ابن عبد الحكم (803–870م)

البلاذري (820–892م)

الرازي (864–923م)

ابن حزم (994م)

الحميدي (1029–1095م)

ابن بشكوال (1101–1183م)

ابن عساكر (1105–1176م)

ابن الأثير (1160–1233م)

ابن خلكان (1211–1282م)

الذهبي (1274–1348م)

ابن تغري بردي (1410–1470م)

المقري التلمساني (1577–1632م)

الزياني (1734م)

الناصيري (1835–1897م)

كل هؤلاء أشاروا إلى بطون عربية يمنية أو عدنانية (همدان، الصدف، الصائد، ليث من كنانة).

المؤرخون الذين قالوا ببربريته

الإدريسي (1100–1166م)

ابن عذاري (1300م)

بعض المتأخرين مثل اليافعي والعامري الحرضي والسيوطي والزركلي

نلاحظ أن هذه الأسماء متأخرة جدًا، وبعضها جاء بعد خمسة قرون كاملة من الفتح، أي حين تداخلت الهويات، وأصبح من السهل نسب الأبطال للبربر بدافع الفخر القومي أو العصبية الإقليمية.

تحليل مصطلح «المولى»

من أقوى الشبهات التي اعتمد عليها القائلون ببربريته استعمال بعض المصادر لعبارة «مولى موسى بن نصير». لكن التدقيق اللغوي والتاريخي يُظهر أن كلمة «مولى» آنذاك كانت مشتركة المعاني:

قد تعني الحليف والناصر.

قد تعني التابع في السياسة.

قد تعني المولى بالعتق.

وفي كل هذه الحالات، لا يلزم منها نفي العروبة، بل قد يكون عربيًا حليفًا لموسى أو مولى له على سبيل الولاء السياسي، كما عُرف في ذلك العصر.

شواهد إضافية من التاريخ السياسي

سياسة بني أمية: لو كان طارق بربريًا، لكانت ولايته استثناءً صارخًا في سياسة الأمويين الذين لم يولّوا غير العرب مناصب القيادة العليا في القرن الأول.

الخصومة مع سليمان بن عبد الملك: إساءة سليمان لطارق ولموسى معًا فُسّرت بأنها جزء من الصراع القيسي–اليمني داخل الدولة الأموية. ولو كان طارق بربريًا، لما دُرج في هذا الصراع أصلًا.

وفاته في دمشق: عاد طارق إلى الشام بعد عزله، ومات فقيرًا فيها، مما يثبت ارتباطه بجذوره العربية في الشام واليمن، لا بالبربرية.

الأدلة اللغوية والاجتماعية

أسماء نسبه: طارق – زياد – عبد الله. كلها أسماء عربية راسخة، لم تكن مستعملة عند البربر قبل الإسلام.

البنية الثلاثية للاسم: وهو أسلوب عربي واضح، يخالف ما كان سائداً في أسماء البربر حينها.

تكوين الجيش: أغلب قادة الجيش الأموي في المغرب والأندلس كانوا يمنيين، وطارق واحد منهم.

أثر الخلاف على الرواية التاريخية

تأثير الأقوال المتأخرة –خاصة الإدريسي وابن عذاري– كان كبيرًا على المؤرخين الغربيين الذين لم يراجعوا المصادر الإسلامية المبكرة، فأخذوا بقول الإدريسي واعتبروه الأصل، مع أن بينه وبين الحدث أربعة قرون. وقد ساهمت هذه الروايات في إذكاء النزعة القومية البربرية لاحقًا. غير أن الموسوعات النقدية الغربية –كالموسوعة الإنجليزية، وكامبريدج، والبريطانية– عادت إلى القول بالعروبة لأنها أكثر انسجامًا مع المصادر الأولى.

الاستنتاج النهائي

كل ما تقدّم يفضي إلى نتائج واضحة:

إنّ القول ببربرية طارق قول متأخر، ظهر أول مرة عند الإدريسي بعد أربعة قرون من الفتح.

إنّ أقدم المصادر وأوثقها (أخبار مجموعة، الواقدي، ابن عبد الحكم، البلاذري، الرازي، ابن حزم، إلخ) كلها نصّت على عروبته.

إنّ القرائن السياسية واللغوية والاجتماعية كلها تؤكد هذا الرأي.

إنّ وصفه بالصدفي أو الهمداني أو الليثي لا يخرج عن دائرة العروبة، وإنما يعكس اختلافًا طبيعيًا في تحديد البطن القبلي.

الخاتمة: طارق بن زياد شخصية عظيمة لا يُختَزل في أصله القبلي، فقد كان قبل كل شيء مسلمًا فاتحًا حمل راية الإسلام إلى أوروبا، وفتح الأندلس، ودوّن اسمه في سجل الخالدين. غير أن البحث التاريخي الدقيق يُظهر بجلاء أن القول الراجح والأثبت هو عروبة طارق بن زياد، وأن نسبته إلى البربر ليست إلا اجتهادًا متأخرًا لا يقوى على منافسة الشهادات المبكرة.

لقد عاش طارق في كنف الدولة الأموية، ومات بدمشق، وكان واحدًا من أبناء اليمن العرب الذين حملوا على عواتقهم مهمة الفتح، حتى أصبح اسمه رمزًا خالدًا، وارتبط بالجغرافيا إلى الأبد في جبل طارق. وبذلك يظل طارق بن زياد شاهدًا على دور العرب في صنع التاريخ الإسلامي والعالمي، لا مجرد بطلٍ غابر، بل رمزًا خالدًا للعروبة والإسلام معًا.