مسلسل Messiah: قراءة تحليلية في ظاهرة المخلّص وصراع الأيديولوجيات

بقلم الأستاذ : مازن أبو الفضل
مدرب تنمية بشرية ومهارات 

شاهدت مؤخراً مسلسل “المسيح” (Messiah) أو “رجل المعجزات” كما يُسمَّى على موقع نتفليكس (Netflix). لقد طرحت الشبكة الموسم كاملاً وهو يتكون من عشر حلقات.

سنتناول عرض المسلسل في ثلاث نقاط:

 أولاً، من وقت عرض الإعلان الترويجي؛

ثانياً، عرض المسلسل نفسه؛

 ثالثاً، التحليل والاستنتاجات.

أولاً: بدء العرض الترويجي

بدأ العرض الترويجي في أواخر عام 2019 وأحدث ضجةً في أوساط عديدة، لكنَّ معظم من شاهد الإعلان لم يقل إلا تعبيراً واحداً وهو “المسيخ الدجال”. لقد صَنَعَت نتفليكس مسلسلاً عن الدجال، وكان الجميع يترقبون المسلسل، البعض بشغف والآخر بتوجُّس، ويعود هذا بالطبع إلى سُمعة نتفليكس ونشرها لثقافات مرفوضة في الأوساط الملتزمة.

عندما تشاهد الإعلان، لا يمكنك تحديد توجُّه المسلسل أو مقصدهم بـ “المسيح”. بالنسبة لمفهوم “المُخلِّص”، عندما نتناوله سنجد اتفاقاً في الفكرة، لكن اختلافاً في التفاصيل، كعادة الديانات والتوجهات المذهبية. هناك ثلاث شخصيات أساسية في سيناريوهات نهاية العالم:

المهدي: وهو مُخلِّص من نسل النبي محمد، يمثل حاكماً مطلقاً سيقود حركة عالمية هدفها توحيد البشرية حول رؤية وأيديولوجية واحدة تحت الإرادة الإلهية. يتفق على هذا المذهب السُّني والشيعي، لكن الاختلاف في نقطة وحيدة وهي أنَّ السُّنة يقولون إنه سيولد في آخر الزمان، بينما يقول الشيعة إنه حيٌّ ويتجول في الأرض منتظراً الوقت المناسب للظهور.

المسيح: وهو شخصية متفق عليها في الديانات الثلاث، وهو مرافق ومعاون للمهدي. لدى المسيحيين عقيدة “المجيء الثاني” وهي عن عودة المسيح، لكنها لم تذكر حكومةً كحكومة المهدي، بل تحدثت عن إدانة الأحياء ومحاسبتهم بشكل عام. وفي اليهودية، هناك “المسيا” المُخلِّص الذي سيعيد أمجاد بني إسرائيل ويبني الهيكل، وعلامة عودته هي ظهور إسرائيل العظمى، وهي تتحدث عن حكومة عالمية أيضاً.

الدجال: وهو النسخة المشوهة من الإمامة الربانية، إنه إمام شيطاني.

عندما تُذكر سيرة نهاية العالم، غالباً لا يتحدث أحد إلا عن “الدجال” وما سيفعله بنا والأيام السوداء التي سنراها. ورغم وجود أيقونات إيجابية مثل المهدي والمسيح، إلا أن الناس ينتظرون الدجال بشغف ورهبة، وهذا موضوع يحتاج إلى مُحلِّل نفسي في الحقيقة. لدى الناس رغبة في إنهاء العالم أكثر من بنائه، ويرون وجود الدجال والمحرقة والنيزك أموراً منطقية أكثر من ظهور مُخلِّص آخر الزمان. ربما لأن خلاص العالم يتطلب مجهوداً والتزاماً فكرياً وأخلاقياً، بينما التصورات الأخرى لا تتضمن أي التزامات من أي نوع، فالمرء سيجلس ويتفرج وهو غارق في شهواته ونمط حياته العادي.

هناك فريق ينظر إلى المُخلِّص على أنه شخصية خيالية تصورها الناس من غلبهم، وهذا يرد عليه تواتر الفكرة في الوعي البشري. وهناك فريق يرى أن هذه الفكرة تعطل الناس عن بناء الحضارات وإصلاح العالم وتُحبِطُهم وتجعلهم ينتظرون من سيأتي ليُعدِّل المائل، وهذا غير منطقي أيضاً؛ لأن ثلاث دول في العالم تؤمن بالفكرة ومؤثرة على ميزان القوى العالمي. كانت الدولة العباسية والدولة الفاطمية لديهما الفكرة نفسها وكان لهما إسهامات في الحضارة الإسلامية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التفكير بشكل سلبي تجاه مفهوم المُخلِّص لا تدعمه نصوص دينية، هو مجرد ترجيح لا يُعجِبُنا والسلام، هكذا وبكل بساطة.

إذا افترضنا حقاً أن هناك مُخلِّصاً، فسيكون قائداً إلهياً ولديه رؤية لواقع يجمع بين الروح والمادة، يفصل بها العبث والاستبداد الذي غرق فيه العالم، ويكون خاتمة للتاريخ البشري ودليلاً على أن الإرادة الإلهية مطابقة للواقع وليست مجرد وجهة نظر.”

تبدأ أحداث المسلسل في سوريا حيث تُحيط “داعش” بمدينة دمشق. يظهر شابٌّ بملامح شرقية، خفيف اللحية، طويل الشعر، يجمع في مظهره بين أسلوب “الهيبيز” والصوفية، وهو بليغ اللسان ويتحدث عن “الجيل المُختار” وأنهم الجيل الأخير.

يُصادِف وقتُ ظهوره استعدادَ “داعش” لدخول دمشق، إذ تأتي عاصفة رملية غير متوقعة تُغطي سوريا لعدة أيام، تتسبب في هزيمة “داعش” وفشلها. يتجمع الأتباع حول الشاب ويلفت أنظار المخابرات الأمريكية، ثم يتحرك بأتباعه باتجاه فلسطين المحتلة.

يصل إلى الحدود وتوقفه قوات الاحتلال الصهيوني وتحتجزه، لكنه يهرب وقتها، وبعد ذلك يدخل حرم بيت المقدس (المسجد الأقصى) ويلقي خطبة في الناس بأن التاريخ قد انتهى، وينقذ طفلاً من الموت. بعد ذلك، يظهر في الأردن في زيارة خفيفة ويختفي، ليظهر في أمريكا وقت حدوث إعصار يفتك بإحدى القرى. بعد أن يأخذ الإعصار الأخضر واليابس، تتبقى الكنيسة فقط، ويقوم القس باستضافة الشاب الذي بدأ الناس بتسميته “المسيح”.

يُقبَض عليه ويُحاكَم، لكن محامي اللاجئين يخرجونه، ويعود إلى القس مرة أخرى، وتبدأ الوفود بالتجمع عند الشاب المُخلِّص. يأمر الشاب القس بأن يتحرك، وبعد أيام يصلون مع الأتباع إلى نيويورك ويلقي الشاب خطبة ثانية أمام المَسَلَّة وتِمثال لينكولن، ويتحدث عن الأخوة والأمم المُستبِدَّة ونهاية التاريخ وبداية حقبة جديدة. ويُنهي الخطبة بأنه يمشي على الماء كنوع من الإعجاز المادي ليزيد المؤمنين به.

يُصادف بعد ذلك حدوث إعصار وفيضانات، وبطريقة ما يجتمع الشاب بالرئيس الأمريكي ويقول له إنه مطلوب منه سحب القوات الأمريكية من العالم كخطوة أولى لإحلال السلام.

تمر الأحداث بعد ذلك، ويُدبِّر القس للشاب مقابلة تلفزيونية مع حماه، وقبل المقابلة بثوانٍ يترك المسرح ويركب سيارة مع الضابط الصهيوني الذي كان يُحقِّق معه في الأراضي المحتلة وهرب منه، والذي كان يتابعه طوال أحداث المسلسل. بعد ذلك، يركب معه ومرافقين آخرين، منهم الممثل المصري خالد أبو النجا الذي يظهر في دور ضابط صهيوني. تأتي الطائرة لتسقط فوق شمال أفريقيا وينجو الشاب والضابط وأبو النجا فقط، لينتهي الموسم الأول عند هذه النقطة.

أحداث ومحاور جانبية

هناك أحداث أخرى على هامش القصة، منها:

أتباع الشاب: الذين ظلوا على حدود فلسطين ومنعتهم قوات الاحتلال من الدخول، ثم رجعت منهم مجموعات إلى الأردن، وانضم بعضهم إلى جماعة تكفيرية. أما المجموعة التي بقيت على الحدود، فقد نجحت في دخول الأراضي المقدسة بعدما دخل الشاب جبريل الذي استقبله الفلسطينيون واعتبروه ناشطاً سياسياً وبدأوا يستغلونه في عرض قضيتهم.

القس الأمريكي وعائلته: ومشكلاته مع كنيسته ومحاولاته لإثبات نفسه أمام حماه، وابنة القس التي كانت تجهز لهروبها لولا أن الشاب المُلَقَّب بالمسيح أنقذها.

الضابط الصهيوني: ومشكلاته مع أسرته وأساليبه العنيفة مع المتهمين وقصة وفاة والدته على يد المقاومة الفلسطينية.

ضابطة المخابرات الأمريكية: ومحاولاتها لتصبح أمّاً بالتلقيح الصناعي.

هذه هي تقريباً الشخصيات الرئيسية التي تدور حولها أحداث المسلسل، ويربط كل هذه الخيوط ظهور الشاب بطل المسلسل.

🕵️‍♂️ تحقيق المخابرات الأمريكية

عندما حققت المخابرات في أمر الشاب، توصلت إلى أنه شاب يهودي من إيران اسمه بايام جولشيري. تربَّى مع عَمٍّ علَّمه ألعاب السحر وخفة اليد، وقضى فصلاً دراسياً في أمريكا يدرس علوم سياسية، ولديه أطروحة عن الإشكاليات السياسية وحلولها، وكان يدرس عند دكتور متطرف اسمه أوسكار.

كان الظن الأولي أن بايام تلميذ لأوسكار وينفذان خطة معاً، لكن بعد ذلك قال أوسكار إن أفكاره مقتبسة من فكر بايام وليس العكس.

هذه هي الخطوط العريضة للموسم الأول مع بعض التفاصيل.

نأتي الآن إلى المحور الثالث وهو تحليل المسلسل.

المسلسل يداعب فكرة متواترة ومتأصلة في الوعي والوجدان البشري، وهي فكرة “المُخلِّص”. تقريباً لا يوجد مذهب، سواء كان سماوياً أو أرضياً، إلا وله مُخلِّص، إما تجسيد في شخص، أو تجسيد في فكرة أو منهج أيديولوجي. الحوارات في المسلسل فلسفية جداً ومكتوبة بإتقان.

لقد عرض المسلسل شخصية المُخلِّص بشكل أظنه مقبولاً وإنسانياً إلى حدٍ ما، فهو شخص لا يتحدث عن نفسه بقدر ما يتحدث عن النفوس والواقع والطريقة المُثلى للحياة. تتناول شخصية المُخلِّص في المسلسل الدخول في المواضيع السياسية بشكل كبير بالتوازي مع المواضيع الأخلاقية، وهذا هو ما يلفت نظر المخابرات إليه ويجعل الناس يؤمنون به أكثر، وهذا أراه واقعياً جداً؛ فلو أن مُخلِّصاً سيأتي ليتحدث عن الأخلاق والمعاملات والفرائض فقط، لكان شيخ طريقة وليس مُخلِّصاً، وغالباً سيكون من صُنع الحكومات المُستبِدَّة.

يؤكد المسلسل على نقطة مهمة مستخلصة من كتاب “صدام الحضارات” لهنتنغتون، وهي أن الصراع الأخير سيكون صراعاً دينياً، ثقافياً، وأيديولوجياً؛ أي حرباً ناعمة، حرب عقول ونفوس. وهذه نقطة يجب أن نكون واعين لها ونحن نحلل النظام العالمي والأحداث الدولية.

هناك نقطة لطيفة قدمها المسلسل وهي ردود أفعال الطلاب الأمريكيين تجاه ما يحدث، وهذا أظن أنه يمكننا أن نقيس به التوجهات الشبابية للأحداث من هذا النوع. فمثلاً، سنجد:

من يرفض كل هذا ويرفع لافتة مكتوب عليها: “ليس مُخلِّصي” أو “لا أحتاج لمن يخلصني”.

من يُركِّب الأحداث على مُعتقداته ويقول: “هذا هو ما تدعو إليه ديانتي”.

من بدأ يُشكِّك في ديانته وكيانه ووجوده.

حدث مثل هذا له علاقة بالمعتقد يكون أثره عنيفاً على نفسية الشباب تحديداً دوناً عن أي فئات مجتمعية أخرى. إن الفِتَن الفكرية هذه يجب التعامل معها بعقلانية وحساسية كأنها قنبلة؛ لأنه من الواضح -والذي يمكننا قوله- أن أحداً لا يتعامل مع أي حدث بعقلانية وتحليل منطقي، فإما يُنكره أو يُؤوِّله.

كذلك، تظهر العلاقة بين أمريكا والكيان الصهيوني مُتمثِّلة بشكل أيقوني في الضابط إيفرام وضابطة المخابرات الأمريكية إيڤا. ويمكن قراءة ذلك في كل الحوارات التي تدور بينهما، وحتى حالتهم الأسرية تُشبه إلى حد ما الواقع الحضاري والسياسي للكيانين:

الكيان الصهيوني الذي يقتل الأطفال انتقاماً من المقاومة، وينظر لأمريكا نظرة تعالي واحتياج في آن واحد.

الكيان الأمريكي الذي يحاول إنجاب أي شكل حضاري أو مشروع ثقافي لكنه يموت دائماً، ويتورط في علاقة عاطفية بالكيان الصهيوني وهو يعلم أنها خطأ كبير.

وفي النهاية، وكما قال إيفرام، كلاهما حالتهما العقلية والنفسية غير متزنة.

❓ ختام وتساؤلات حول شخصية “المسيح”

حتى الآن، لا أعلم ما الذي ينويه صُنَّاع المسلسل. لم أرَ شيئاً في المسلسل يجعلني أقول إن هذا هو المُخلِّص أو لا. من الممكن أن يكون كذلك بالفعل، أي أنه شاب وُلِد في إيران ودرس في أمريكا ولديه أفكار استثنائية، فقرر أن العالم يحتاج إلى وقفة أو جاءه إلهام بذلك.

هو لم يَقُلْ عن نفسه في المسلسل إنه الرب أو أنه المسيح أو أي شيء. وحتى هذه اللحظة، الناس تناديه إما “يا إمام” أو “يا رب” أو “يا مسيح”، وهو غالباً يرد عليهم بالشكل نفسه الذي يرد به المسيح في الإنجيل: إنه إنسان بسيط في مُهمة عظيمة، يمشي على الماء ويُحيي الموتى.

من الممكن أيضاً أن يكون شخصاً لديه نوايا سيئة ستظهر مع الوقت، وتكون كل الأحداث الماضية لها تفسير منطقي.

إما أن تكون خطة صُنَّاع المسلسل هي تقديم وحي ديني ثوري مُشابه لـ “تشي جيفارا”، أو أن تكون نيتهم تدمير فكرة المُخلِّص من أساسها والتشنيع عليها وتَسفيهها.

لكن المؤكد أن الشخصية لا تُشبه أي مظهر من المظاهر التي وردت في الكتابات الدينية، بل قد تكون خليطاً استَحسَنَه صُنَّاع المسلسل ليجذب أكثر من جمهور.

المسلسل مهم وعميق، وأظن أنه سيثير الكثير من الجدل والكلام، خاصة مع الأحداث التي تدور في المنطقة العربية والتطورات التي ستترتب عليها وأنه من المؤسف ان الشبكة أوقفت المسلسل واعلنت انها لن تنتج جزء آخر منه لأسباب لم تعلن عنها.