مقياس الرضا

المقال الثالث من سلسلة ( سر الخلافة )
بقلم أ  : دينا عيد الفتاح
باحثة في العلوم الانسانية والتصوف الاسلامي

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

وقد أخبرنا في السابق أن الله خلق آدم بهدف إستخلافه في الأرض مما استجلب حسد وغيرة إبليس وتوعده لتضليل آدم وبنيه حتى لا يحقق هذا الاستخلاف وبيننا ان الله وضع منهجا للهدى هذا الهدى مبني على قسمين أساسيين لا تصح الهداية إلا بهما معا وهما هدي العلم والبيان وهدى التوفيق في التطبيق، وبيننا أيضا كيف لإبليس أن يضل بني البشر عن هداية العلم بتحريف الأديان السابقة وبتحريف فهم الانسان لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وللنصوص القرآنية والذكر المحفوظ .

وفي هذا المقال بإذن الله سنسرد حقيقة من الحقائق التي أنساها الشيطان للإنسان بهدف تضليلة عن هداية العلم والبيان وهي حقيقة الرضا ومفهوم الرضا .

والأصل أن الله لم يخلقنا ليعذبنا وحاشاه كإله بل الأصل أنه خلقنا لنستشعر الرضا فنرضى به ويرضى عنا، ولا يمكن أن يتحقق الإنسان برضاه بالله الا لو رضي الله عنه اولا فأرضاه ،فالنفس الراضية المرضية هي من الله والى الله، تستمد رضاها من الله عن الله فيرضى عنها الله .

وكم من مسلم يجد صعوبة في استشعار الرضا ومنا من يقع في السخط ومنا أيضا من يتوهم الرضا وليس هذا الرضا بالرضا المقصود ، فالرضا المقصود هو الرضا التام المصاحب للشعور بالراحة والسعادة والسكينة والطمأنينة ، فحين تقول بلسانك انك راضي وقلبك غير مطمئن فأنت في حقيقة الأمر لم تبلغ الرضا بعد

ولأن الله عز وجل هو الودود الرحيم جعل فينا مقياسا يرشدناإلى أننا ضللنا الإستقامة هذا المقياس هو مقياس الرضا ،فإن كنت تشعر بشيء من الضر فإنك بالتأكيد قد حدت عن صراط الله المستقيم بسبب نقص معلومة أو وجود معلومة مع التكاسل عن التطبيق
الله يريدك راضي رضا تام ليرضى عنك فإن كان بك ذرة واحدة لعدم الرضا فأعلم انه عليك مراجعة نفسك والتأكد من مكان الإعوجاج فيك ثم اصلاحه، الأقدار مكتوبة لكننا مطالبون بالسعي في تغيريها والأخذ بالأسباب والإصلاح فالمريض ينبغي له السعي في العلاج والفقير ينبغي له السعي في طلب الرزق وطالب العلم ينبغي له السعي في الطلب ،وصاحب الابتلاء ينبغي له السعي والاخذ بالاسباب ليُرفع عنه الابتلاء

وقد كان نبي الله أيوب اصبر الصابرين على ما أصابه من مرض ،وهذا الصبر كان مصحوبا بالرضا التام، حتى اضطرت زوجته لأن تبيع ضفيرتها من أجل شراء بعض الطعام، فمسه الضر أي مسه شيء من عدم الرضا، وحينها لجأ عليه السلام لربه ودعاه رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وقال رب اني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، وهذا المس الشيطاني يعني أنه أصابه بشي من عدم الرضا

والمس هو أدني انواع التأثير ، فحين دعا أيوب ربه كشف الله عنه الضر وأرشده الى مغتسل وشراب أي أرشده إلى سعي وعمل ،وكذلك نحن مطالبون.

ونعلم جميعا أن النفس الراضية هي نفس عالية المقام ،ورغم علو هذا المقام إلا أنه بداية للنفس المستنيرة وما دون هذا المقام هي أنفس ما زالت تعاني من ظلمانياتها ،وما يظلم ربك أحدا بل نحن من نظلم أنفسنا بأنفسنا ،حين نسكن في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وندعي الرضا الظاهري وفي باطنه السخط وندعي الراحة وفي باطنها الألم والمعاناة ، فتلك المشاعر السلبية هي ظلمانية أوقعها الانسان على نفسه حين سكن فيها ولم يسعى لتغيريها وتغيير ظروفه

والمنهج النبوي الشريف يحث المسلم على السعي وعلى التفاؤل بالخير وعلى الظن بالله الظن الحسن والدعاء لله والتضرع له والطلب منه مع الأخذ بالاسباب التي تعين المسلم على تغيير حاله للأفضل فيقول صلى الله عليه وسلم لا تمارضوا فتمرضوا وتفاءلوا بالخير تجدوه

وقال ايضا ” تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ ”

والجهل مرض وطلب العلم دواءه ،كما الجهل بأسباب استشعار عدم الرضا مرض كمرض عدم الرضا نفسه

اعرف نفسك تعرف ربك ،اجلس مع نفسك وحاسبها واعرف ثغراتها وعيوبها وامراضها ونقاط ضعفها ثم استعين بالله واصلح سيرشدك الى صراطه المستقيم