التكامل المعرفي بين التصوف و التنمية البشرية و تطوير الذات في ضوء الشريعة الإسلامية [بحث كامل]

إعداد : الأستاذ وليد عبدالله الشاذلى
 معلم خبير لغة عربية ، و مدرب التنمية البشرية 

المقدّمة:

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرةُ الحياة، وتتزاحم فيه المفاهيمُ والمناهجُ الفكرية والتربوية والإنسانية، برزت الحاجةُ الملحّة إلى إعادة بناء الرؤية الإسلامية الشاملة للإنسان من خلال منظارٍ يجمع بين الروح والعقل، بين العلم والإيمان، بين السلوك والمقصد. وقد كان التصوف الإسلامي، منذ نشأته الأولى، المدرسةَ التي حملت مشعل التهذيب الروحي والتربية الإيمانية، بينما جاءت التنمية البشرية وتطوير الذات كمجالٍ حديثٍ يُعنى بترقية القدرات الإنسانية وتنمية المهارات والسلوكيات، ليتقاطع الميدانان في غايةٍ واحدةٍ: بناء الإنسان المتكامل.

إنّ التكامل المعرفي بين التصوف والتنمية البشرية ليس مجرد تزاوجٍ اصطلاحيٍّ بين القديم والحديث، بل هو رؤيةٌ فكريةٌ ومعرفيةٌ تسعى إلى تأسيس منهجٍ توافقيٍّ يستلهم من التراث الروحي الإسلامي أصوله ومقاصده، ويستفيد من مناهج التنمية المعاصرة أدواتها وأساليبها، في ضوء ضوابط الشريعة الإسلامية ومقاصدها العليا.

وقد قال الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: “ليس التصوف رسوماً ولا علماً، ولكنه خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخُلُق فقد زاد عليك في التصوف”، وهي مقولةٌ تؤصِّل لمعنى الارتقاء الذاتي والسلوكي الذي يشكِّل لبّ كل منهجٍ تنمويٍّ أصيل.

وفي عصر الحداثة وما بعده، أصبحت إشكالية الفصل بين المعرفة الروحية والمعرفة المادية من أبرز التحديات التي واجهت الإنسان المسلم المعاصر، إذ سادت النظرة التجزيئية التي تفصل بين الدين والعلم، وبين العبادة والعمل، وبين القلب والعقل. فجاءت الدعوة إلى التكامل المعرفي لتعيد التوازن بين هذه الأبعاد، مستندةً إلى قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]،

إشارةً إلى أن التنمية الحقيقية تبدأ من تزكية النفس، وهي جوهر التصوف، وتمتد إلى عمارة الأرض، وهي غاية التنمية البشرية في المفهوم الإسلامي.

وإذا كان علم التنمية البشرية الحديث قد تأسس على مبادئ التحفيز الذاتي، وإدارة الوقت، وتطوير القدرات القيادية، فإن التصوف الإسلامي سبق ذلك بقرونٍ، حين وضع الأئمة الأعلام من أمثال الجنيد البغدادي، وأبي طالب المكي، والإمام الغزالي، وابن عطاء الله السكندري مناهج دقيقة في إصلاح النفس، وتزكية القلب، وترقية الوعي، وهي جوهر ما تسعى إليه برامج التنمية الحديثة. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين:

اعلم أن مفتاح السعادة ومبدأها ومصدرها هو أن تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف ما بينهما من العلاقة

وهو تعريفٌ دقيقٌ يجمع بين الإدراك الذاتي والتكامل الوجودي، وهو ما يُعبَّر عنه اليوم بمفهوم تطوير الذات.

وفي ضوء هذا المنظور، يسعى هذا البحث إلى بيان الأسس العلمية والشرعية التي يقوم عليها التكامل بين التصوف الإسلامي والتربية التنموية الحديثة، من خلال تحليل المفاهيم، واستقراء التجارب، وتوثيق الأقوال، وإبراز دور الشريعة الإسلامية في ضبط هذا التكامل حتى لا ينحرف عن أصوله، فيتحوّل إلى مجرد طقوسٍ أو شعاراتٍ نفسيةٍ خاليةٍ من الإيمان والتزكية.

كما يهدف البحث إلى تأسيس خطابٍ معرفيٍّ جديدٍ يستمد من نور الوحي منهجه، ومن خبرة العلماء والمربين أدواته، ليقدِّم للإنسان المعاصر رؤيةً شاملةً في تربية الذات وإصلاحها، واستثمار طاقاته في خدمة دينه وأمّته.

وقد اعتمد الباحث منهجًا تحليليًا تأصيليًا يقوم على جمع النصوص والمفاهيم وربطها بسياقها الشرعي والمعرفي، مع الاستعانة بأقوال العلماء القدامى والمحدثين، مثل ابن القيم في “مدارج السالكين”، وابن عجيبة في “إيقاظ الهمم”، والشيخ محمد الغزالي في “جدد حياتك”، والدكتور إبراهيم الفقي في نظرياته السلوكية، لتبيين نقاط الالتقاء والاختلاف بين المنهجين.

إن هذا التكامل ليس دعوةً للتلفيق أو الدمج الاعتباطي، بل هو دعوةٌ إلى وحدة المقصد الإنساني في معرفة الله، وإعمار الأرض، وإصلاح النفس، انطلاقًا من أصلٍ شرعيٍّ جامعٍ، هو قول النبي ﷺ:إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (رواه مسلم).

فالقلب هو مركز الوعي والنية والاتجاه، والتنمية الحقيقية إنما تبدأ من الداخل، من تصفية الباطن وتهذيب السلوك، ليثمر ذلك في الواقع عملاً نافعًا وسلوكًا راشدًا.

التمهيد: مفهوم التكامل المعرفي في المنظور الإسلامي

إنّ من أبرز سمات الفكر الإسلامي أنه فكرٌ توحيديٌّ شموليٌّ، لا يعرف الفصل بين العلم والدين، ولا بين المادة والروح، ولا بين الدنيا والآخرة. فالمعرفة في الإسلام ليست مجرّد تراكمٍ للمعلومات، بل هي نورٌ يهدي إلى العمل الصالح، قال تعالى:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]،

أي أن العلم في ذاته لا يُقاس بكمّه، وإنما بثمرته في الهداية والسلوك والإعمار.

1. المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتكامل المعرفي

التكامل في اللغة مأخوذٌ من الكَمال، وهو تمام الشيء واستيفاؤه أبعاده. قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “الكاف والميم واللام أصلٌ يدلّ على تمامٍ وبلوغِ الغاية”.

أما من الناحية الاصطلاحية، فالتكامل المعرفي هو:

{منهجٌ علميٌّ يهدف إلى الجمع بين مصادر المعرفة المختلفة – النقلية والعقلية والتجريبية – في إطار رؤيةٍ توحيديةٍ شاملةٍ للوجود والإنسان والحياة}

وفي الفكر الإسلامي، لا يمكن الحديث عن المعرفة بمعزلٍ عن الإيمان، لأنّ العلم في حقيقته عبادةٌ عقليةٌ تُثمرُ خشيةً من الله، كما قال تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28].

فالمعرفة في الإسلام ذات بعدين:

بعدٌ إلهيٌّ توقيفيّ مصدره الوحي الإلهي {القرآن والسنة}

وبعدٌ إنسانيٌّ استقرائيّ مصدره العقل والتجربة.

والتكامل بينهما هو الذي يُنتج التوازن في الفكر والسلوك، ويمنع الغلو أو الانحراف، فيكون العالم بالله عاملاً بالعلم، والعامل في الحياة مستنيرًا بالوحي.

2. جذور فكرة التكامل في الفكر الإسلامي

لم تكن فكرة التكامل بين المعارف غريبة عن تراثنا، بل كانت روح الحضارة الإسلامية.

فالعلماء المسلمون الأوائل – من أمثال الإمام الغزالي، وابن رشد، والفخر الرازي، وابن سينا، وابن الهيثم – جمعوا بين علوم الشرع والعقل والطبيعة، واعتبروا كل معرفةٍ طريقًا إلى الله إذا كانت نيتها خالصة.

قال الغزالي في المنقذ من الضلال:

“لم يكن مقصودي بعلم الكلام حفظ عقيدةٍ على مذهبٍ دون مذهب، ولكن الوصول إلى اليقين، إذ العلم الحقّ هو ما يوصل إلى معرفة الله”.

وقال ابن رشد في فصل المقال:

“إنّ النظر في الموجودات إذا أُحكم، دلّ على الصانع الحكيم، فكلّ ما يؤدي إلى معرفته فواجبٌ شرعًا تعلمه”.

فهذا التكامل بين النظر العقلي والإيمان الروحي هو ما يُمثّل جوهر المنهج الإسلامي في المعرفة.

3. التصوف كمجالٍ معرفيٍّ روحيّ

إنّ التصوف في جوهره ليس انعزالاً عن الدنيا، بل هو علمٌ بتهذيب النفس وسلوك طريق القرب من الله. وهو مجالٌ معرفيٌّ قائمٌ على التجربة الذوقية القلبية، يُكمل الجانب العقلي بالجانب الإيماني.

قال الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه:

“طريقنا هذا مبنيٌّ على الكتاب والسنة، فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث لا يُقتدى به في طريقنا.”

وهكذا نجد أنّ التصوف لا يعارض العقل، بل يُهذّبه ويُطهره من أهوائه. فهو علمٌ تطبيقيٌّ للنفس، كما أن التنمية البشرية علمٌ تطبيقيٌّ للسلوك. ومن هنا تنشأ فكرة التكامل المعرفي بين التصوف والتنمية البشرية، لأن كليهما يسعى إلى الارتقاء بالإنسان من حالٍ إلى حال، لكن أحدهما يستند إلى الوحي، والآخر إلى التجربة.

4. الشريعة الإسلامية وضوابط التكامل

الشريعة الإسلامية وضعت أُسسًا للتكامل بين المجالات المعرفية المختلفة، من خلال مبدأين أساسيين:

1. مقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، وهي إطارٌ جامعٌ لكلّ علمٍ أو ممارسةٍ تنمويةٍ.

2. الوسطية والتوازن، كما في قوله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

فالوسطية تعني أن لا يطغى جانب الروح على الجسد، ولا العقل على القلب، ولا المادة على الإيمان، بل أن تتكامل هذه القوى لتُنتج إنسانًا ربانيًّا مبدعًا.

5. أهداف التكامل المعرفي في هذا البحث

يهدف هذا البحث إلى:

بيان أن التصوف الإسلامي هو الأصل الشرعي لمفهوم تطوير الذات القائم على تزكية النفس.

الكشف عن نقاط الالتقاء بين علم السلوك الصوفي ومناهج التنمية البشرية الحديثة.

تأصيل التكامل المعرفي في ضوء النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة.

تقديم نموذجٍ تطبيقيٍّ إسلاميٍّ لبناء الذات المتوازنة روحًا وعقلاً وسلوكًا.

خلاصة التمهيد:

إنّ التكامل المعرفي بين التصوف والتنمية البشرية هو عودةٌ إلى الرؤية التوحيدية التي تجمع العلم بالعمل، والإيمان بالتنمية، في منظومةٍ واحدةٍ غايتها الإنسان الخليفة في الأرض، والعبد الذاكر لربه.

الفصل الأول

التصوف الإسلامي: المفهوم، الغاية، والمقاصد الشرعية

أولاً: تعريف التصوف ومصدره

التصوف في جوهره ليس طقوسًا جامدة، ولا مظاهر شكلية، بل هو منهج تزكيةٍ وسلوكٍ وإحسانٍ. وقد اختلفت تعريفاته بحسب تجارب أهله، لكنها كلها تلتقي عند قوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].

قال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله:

“التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة.”

وقال ذو النون المصري:

“الصوفي من لبس الصبر، وخلع الهوى، وترك الدنيا، وأقبل على المولى.”

ويُعرّفه الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه بقوله:

“التصوف هو تدريب النفس على العبودية لله، وإخلاص النية في الطاعة.”

فالتصوف في المفهوم الإسلامي هو علمٌ شرعيٌّ سلوكيٌّ يُعنى بإصلاح القلب، وتزكية النفس، وتصفية السرّ من الكدر، حتى يُصبح القلب مستقرًّا للسكينة، ومهبطًا لنور المعرفة بالله.

قال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء:

“غاية علم التصوف هي التخلّق بأخلاق الله تعالى على قدر الطاقة البشرية، فمن لم يذق لم يعرف، ومن لم يعرف لم يعمل.”

وهكذا، فالتصوف علمٌ تجريبيٌّ روحيٌّ، يقوم على الذوق والمجاهدة، وهو بذلك يكمل العلم الظاهري كما تكمل الروح الجسد.

ثانيًا: الغاية من التصوف

غاية التصوف ليست الانعزال ولا التنسّك المفرط، بل تحقيق العبودية الكاملة لله في الظاهر والباطن.

قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

فالتصوف هو تربيةٌ على الإحسان، وهو المقام الثالث في مراتب الدين بعد الإسلام والإيمان، كما ورد في حديث جبريل عليه السلام:

“أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.”

وقد قال الإمام ابن عجيبة الحسني في إيقاظ الهمم في شرح الحكم:

> “التصوف هو علمٌ يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل.”

وإذا نظرنا إلى الغاية العملية من التصوف، نجدها تحقيق التوازن بين الروح والعقل، بين الباطن والظاهر، وبين الخلق والخالق.

فالصوفي الحقيقي لا يهرب من الحياة، بل يعيش فيها بنور الله، ويعمرها بالحق، كما قال الإمام الشاذلي رضي الله عنه:

“كن بين الناس كواحدٍ منهم، ولا تكن بينهم بلا قلبٍ معهم.

ثالثًا: مقاصد التصوف الشرعية

إن التصوف ليس علماً مستقلاً عن الشريعة، بل هو روحها وباطنها. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله:

“من تفقّه ولم يتصوّف فقد تفسّق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقّق.”

وهذا القول — وإن اختلف في نسبته — يعبّر عن جوهر الحقيقة: أن التصوف بلا شريعةٍ ضلال، والشريعة بلا تصوفٍ جمود.

لذا فإن مقاصد التصوف تتكامل مع مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى، ويمكن تلخيصها في ما يأتي:

1. تحقيق التوحيد والإخلاص:

فالمتصوف يسعى إلى أن لا يرى في الوجود فاعلاً إلا الله، فيُطهّر نيّته من الرياء والغرور.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

2. تزكية النفس وتهذيب السلوك:

وهي المقصد الأعظم، إذ لا تُقبل الأعمال بغير صفاء القلوب.

قال ابن القيم في مدارج السالكين:

“سير السالكين إلى الله لا يتم إلا بتخلية القلب من الأغيار، وتحليته بالأنوار.”

3. تحقيق مقام الإحسان:

وهو جوهر الدين وروحه، وهو ما عبّر عنه الصوفية بمقام المشاهدة والمراقبة.

4. عمارة الأرض بالحق والخير:

فالصوفي الحق ليس زاهدًا في العمل، بل يرى أن كل حركةٍ في خدمة الخلق عبادةٌ لله، كما قال يحيى بن معاذ الرازي:

“عملٌ بلا إخلاصٍ عناء، وإخلاصٌ بلا صدقٍ رياء.”

رابعًا: الأثر التربوي والمعرفي للتصوف

يُعدّ التصوف مدرسةً تربويةً فريدة، أسست مفهوم التنمية الروحية في الإسلام قبل ظهور مصطلح “التنمية البشرية” بزمنٍ طويل.

فقد ركّز أئمة التصوف على تهذيب الإرادة، وضبط الشهوة، وتحرير القلب من التعلّقات، وهي ذات المبادئ التي تقوم عليها برامج تطوير الذات الحديثة، ولكن التصوف يتميّز عنها بأنه يربط ذلك بالله تعالى لا بالإنسان وحده.

قال الإمام ابن عطاء الله السكندري في حكمه:

> “اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلٌ على انطماس البصيرة.”

وهذا من أرقى صور الوعي الذاتي وتنمية الإدراك الداخلي، إذ يدعو الإنسان إلى التوازن بين العمل المادي والاعتماد على الله.

إنّ التصوف يقدم للإنسان رؤية متكاملة عن ذاته: فهو جسدٌ يعمل، وعقلٌ يفكر، وروحٌ تعبد، وقلبٌ يحبّ.

ومن هنا كان التصوف الإسلامي مفتاحًا للتكامل المعرفي والوجودي، لأنه لا يرى الإنسان مادةً فقط، بل كائنًا ذا رسالةٍ في الكون، كما قال تعالى:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].

خامسًا: التصوف في ضوء مقاصد التنمية المعاصرة

عند المقارنة بين مفاهيم التصوف ومفاهيم التنمية البشرية، نجد أن الغاية واحدة، وإن اختلفت الوسائل:

التنمية البشرية تُعنى بترقية الأداء والإنتاج والإدارة.

والتصوف يُعنى بترقية الإخلاص والنية والصفاء.

لكن حين يجتمعان في ضوء الشريعة، يصبح الإنسان مستنيرًا بالقيم ومتحركًا بالكفاءة.

وقد عبّر محمد إقبال عن هذا في قوله:

“الإسلام يريد إنسانًا فاعلاً، روحه متصلة بالسماء، ويده تعمل في الأرض.”

وهذا هو جوهر التكامل الذي يبحثه هذا البحث.

خلاصة الفصل الأول:

إن التصوف الإسلامي ليس مجرد طريقٍ للزهاد، بل هو علمٌ تربويٌّ إنسانيٌّ يهدف إلى بناء الإنسان الكامل في ضوء الشريعة. وهو بذلك يُعدّ أحد أهم ركائز التكامل المعرفي مع علم التنمية البشرية، لأن كليهما يسعى إلى تحرير الإنسان من قيود الغفلة والجهل والأنانية، وإطلاق طاقاته نحو الخير والوعي والإحسان.

الفصل الثاني

التنمية البشرية وتطوير الذات في الرؤية الإسلامية: المفهوم، والضوابط، والأهداف

أولًا: مفهوم التنمية البشرية وتطوير الذات

التنمية البشرية في أصلها مفهوم معاصر، يُراد به رفع كفاءة الإنسان وتنمية قدراته العقلية والروحية والاجتماعية والاقتصادية ليكون أكثر فاعلية وإنتاجًا وسعادة في حياته.

لكن عند النظر إلى المفهوم من زاويةٍ إسلامية، نجد أن الإسلام قد سبق الفكر المعاصر في تأسيس مفهوم التنمية على أسسٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ شاملة، تُعنى بالإنسان باعتباره خليفة الله في الأرض، قال تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

أي طلب منكم العمارة والإصلاح والتزكية، وهي جوهر التنمية.

وقد حدّد القرآن الكريم الغاية الكبرى من تنمية الإنسان في قوله تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 4–6].

فالتنمية هنا ليست مجرد تطويرٍ لمهاراتٍ خارجية، بل هي ترقية الإنسان من حضيض الغفلة إلى أوج الإيمان والعمل الصالح.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره:

“صلاح الأمة لا يكون إلا بصلاح الإنسان، وصلاح الإنسان لا يكون إلا بتكميل قواه العقلية والروحية، وتزكية نفسه من الأهواء.”

وهذا هو عين ما تسعى إليه التنمية البشرية في أرقى صورها.

ثانيًا: التطوير الذاتي في ضوء القرآن والسنة

إن مفهوم “تطوير الذات” في الفكر الإسلامي يرتكز على المجاهدة والسعي نحو الكمال الإنساني في طاعة الله.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].

وقال النبي ﷺ:

“المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله.” (رواه الترمذي).

فالتطوير الذاتي ليس فقط تنمية المهارات التقنية أو التواصلية، بل هو قبل ذلك تهذيب النفس وتقويم الفكر وتحقيق العبودية الواعية.

إن الإسلام يوازن بين تربية العقل والقلب والجسد في منظومةٍ واحدةٍ متكاملة، تُعطي الإنسان وعيًا بذاته وموقعه ووظيفته في الحياة.

وقد أشار الإمام ابن القيم إلى هذا في قوله:

“كمال الإنسان في أمرين: أن يعرف الحق، ويعمل به.” (مدارج السالكين).

وهو تعريف بليغ للتنمية البشرية في المفهوم القرآني، لأنها تبتغي المعرفة (العلم) والعمل (الفاعلية)، وهما جناحا النهضة الفردية والمجتمعية.

ثالثًا: الضوابط الشرعية للتنمية البشرية

لقد انتشرت في العقود الأخيرة برامج تنمية بشرية متعددة، بعضها مفيد، وبعضها منحرف عن العقيدة. لذلك كان لابد من تأصيل المفهوم وتأمينه بالضوابط الشرعية التي تحفظ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

ومن أهم الضوابط:

1. توحيد النية في طلب التزكية لا المصلحة الدنيوية فقط

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].

فكل تطويرٍ للذات يجب أن يكون غايته القُرب من الله، لا مجرد التفوق الدنيوي.

2. عدم الغلو في تمجيد الذات أو العقل

إذ إن بعض المدارس الغربية في التنمية البشرية تبالغ في تقديس “الطاقة الداخلية” أو “قوة العقل الباطن”، وهو انحراف عقدي.

قال الإمام الشاطبي في الموافقات:

“كل ما خرج عن حدود العبودية فهو إلى الانحراف أقرب، وإن كان في صورة الترقي.”

3. الالتزام بالمقاصد الشرعية الكبرى:

حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، إذ إن التنمية الحقيقية لا تقوم على التبذير أو الأنانية أو الانفلات الأخلاقي.

4. الموازنة بين العمل المادي والروحي:

فلا نجاح دنيوي بلا تزكية روحية، ولا تزكية بلا سعيٍ دنيويٍ نافع.

قال ﷺ:

“إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها.” (رواه أحمد).

وهذا أصلٌ من أصول التنمية المستدامة في الإسلام.

رابعًا: أهداف التنمية البشرية في المنظور الإسلامي

يمكن حصر الأهداف الكبرى للتنمية البشرية الإسلامية في أربعة محاور أساسية:

1. التنمية الإيمانية:

ترسيخ علاقة العبد بربه، وتنمية الوعي بالغاية من الوجود، قال تعالى:

> ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].

2. التنمية العقلية والمعرفية:

حثّ الإنسان على التفكير والتدبر والإبداع في إطار الهداية الربانية.

قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

3. التنمية الأخلاقية والاجتماعية:

وهي غاية من غايات بعثة النبي ﷺ، إذ قال:

“إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.” (رواه أحمد).

4. التنمية الإنتاجية والعمرانية:

تعمير الأرض بالعمل الصالح والإتقان. قال ﷺ:

“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.” (رواه الطبراني).

خامسًا: العلاقة بين التنمية البشرية والتصوف

إنّ التصوف الحقّ هو أرقى أشكال التنمية البشرية، لأنه يتناول الإنسان من الداخل، ويعمل على تحويله من “مريدٍ لنفسه” إلى “مريدٍ لله”.

بينما التنمية البشرية الحديثة — وإن كانت تهتم بالإنسان — إلا أنها تركز على القدرات الخارجية، فيبقى النقص في البعد الإيماني.

ولهذا قال الإمام عبد القادر الجيلاني:

“من أصلح باطنه بالذكر، أصلح الله ظاهره بالبركة.”

فالذكر والتزكية هما أساس الاستقرار النفسي، والثقة، والتحفيز الذاتي، وهي أهم أهداف التنمية البشرية الحديثة.

ويشير الدكتور عبد الرحمن السميط — رائد العمل التنموي الإسلامي — إلى أن التنمية الحقيقية تبدأ من القلب، قائلاً:

“الإصلاح لا يبدأ بالمشروعات، بل بالإنسان، فإذا صلح القلب صلح العمل.”

إنّ هذا التكامل بين البعد الروحي (التصوف) والبعد العملي (التنمية البشرية) هو الذي يصنع الإنسان المتوازن، الذي يعيش لله، ويعمل في الأرض بإتقانٍ ووعيٍ وسكينة.

سادسًا: نماذج إسلامية في التنمية الذاتية

1. النبي ﷺ: النموذج الأكمل في التزكية والقيادة والتنمية، فقد ربّى جيلاً من الأميين ليقودوا العالم بالعلم والإيمان.

2. الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مثّل قمة الوعي الذاتي حين قال:

“من عرف نفسه فقد عرف ربه.”

3. الإمام الشافعي: رمز الاجتهاد والتطور المستمر، إذ كان يقول:

> “كل يومٍ أزداد علمًا ومعرفةً بأخطائي.”

4. الصحابي مصعب بن عمير: مثال التحول الإيجابي الكامل من حياة الترف إلى حياة الدعوة والوعي، وهو نموذج رائد في “إدارة التغيير الذاتي”.

سابعًا: التنمية البشرية في مواجهة الحداثة والعولمة

إن عصر الحداثة والعولمة أوجد نماذج للتنمية البشرية قائمة على الفردية والمادية، بينما الرؤية الإسلامية تُعيد الإنسان إلى مركزية القيم والروح.

ففي حين تُنادي الحداثة بـ “تحقيق الذات” بمعزلٍ عن الإيمان، ينادي الإسلام بـ تحقيق العبودية التي تثمر الحرية الحقيقية.

قال محمد الغزالي رحمه الله:

> “الإنسان لا يكتمل إلا إذا امتزجت فيه عبادة الله بخدمة خلقه.”

فالتنمية الإسلامية — بدمجها بين التصوف وتطوير الذات — هي سبيلٌ لمواجهة التفكك القيمي والانفصام النفسي الذي يعانيه الإنسان المعاصر.

خلاصة الفصل الثاني

التنمية البشرية في ضوء الإسلام ليست فلسفة مادية ولا طقوسًا روحية، بل هي منهج تربيةٍ شاملةٍ للإنسان في جسده وعقله وروحه وسلوكه.

فهي تدعو إلى تحقيق الذات بالإيمان، وبناء الشخصية المتزنة التي تجمع بين الكفاءة الروحية والمهارة العملية.

وإذا تكامل هذا المفهوم مع التصوف الصحيح، نشأت مدرسة إنسانية راقية تجمع بين “العمل والإحسان”، وبين “النجاح في الأرض والسمو في السماء”.

 الفصل الثالث

التكامل المعرفي بين التصوف والتنمية البشرية وتطوير الذات في ضوء الشريعة الإسلامية — نحو رؤية توحيدية شاملة

أولًا: مدخل إلى مفهوم التكامل المعرفي

التكامل المعرفي يعني التفاعل الإيجابي بين المعارف المختلفة على نحوٍ يحقّق الوحدة في الفهم والعمل.

فلا يُنظر إلى الإنسان ككائنٍ ماديٍّ أو روحيٍّ فقط، بل ككيانٍ شاملٍ يتكامل فيه العقل والقلب، والعلم والعمل، والظاهر والباطن.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

> ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201].

فهو دعاءٌ يجمع بين الحسنة الدنيوية (العمارة والعمل)، والحسنة الأخروية (الإيمان والإحسان)، وهو جوهر التكامل بين التصوف والتنمية.

وقال الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال:

> “العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون، والروح بلا جسدٍ عدم.”

وهذا يؤكد أن الإسلام لا يفصل بين الفكر والسلوك، ولا بين العلم والسلوك الروحي، بل يجعلها دوائر متداخلة في منظومة واحدة.

ثانيًا: الأساس الشرعي للتكامل بين التصوف والتنمية

إنّ التكامل بين التصوف والتنمية البشرية يقوم على جذرٍ شرعيٍّ أصيل، لأن كليهما يسعى إلى بناء الإنسان في ضوء مقاصد الشريعة، وهي:

حفظ الدين

حفظ النفس

حفظ العقل

حفظ النسل

حفظ المال

فالتصوف يعتني بحفظ الدين والنفس والعقل من الداخل بالتزكية والإخلاص، والتنمية البشرية تعمل على حفظ المال والعمران والعمل والإنتاج من الخارج بالإتقان والإبداع.

وبذلك يتحقق التوازن الذي تريده الشريعة بين صلاح الفرد وإعمار الأرض.

قال تعالى:

> ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ