الإعلام الرقمي بين بناء الوعي وتزييف الحقيقة


بقلم الدكتور : فارس أبو حبيب
( إمام ومدرس وخطيب بوزارة الأوقاف )

مقدمة:
لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيلة للتسلية أو تبادل الأخبار، بل أصبح اليوم سلاحًا حقيقيًا يُوجَّه لتشكيل العقول وصناعة الوعي، أو تزييفه وقلب الحقائق رأسًا على عقب.

إنه ساحة معركة فكرية مفتوحة، لا تُستخدم فيها البنادق والدبابات، بل تُستخدم فيها الكلمة، والصورة، والمقطع القصير، والتغريدة العابرة التي قد تُغير وعي أمة بأكملها.

أولًا: الإعلام الرقمي.. سلاح ذو حدين:

لقد مكّن الإعلام الرقمي الشعوب من التعبير عن آرائها وكسر احتكار المعلومة، وفتح آفاقًا جديدة للتواصل والتأثير، فصار الأئمة والعلماء والمفكرون يستطيعون الوصول إلى ملايين المتابعين في دقائق معدودة، ينشرون العلم، ويصححون المفاهيم، ويُحركون الوعي نحو الخير والبناء.

لكن في المقابل، استغل الأعداء هذا الفضاء الرحب ليبثوا سمومهم وأفكارهم المنحرفة، في صورة جذابة مغلَّفة بالإبداع والذكاء التقني. فصار الإعلام الرقمي ساحة حربٍ ناعمة، تُخاض فيها معارك القيم والمبادئ والمعتقدات دون طلقة واحدة.

ثانيًا: تزييف الوعي وقلب الحقائق:

إن أخطر ما يُمكن أن يفعله الإعلام المنحرف هو أن يجعل الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل.

تُصنع الأكاذيب في غرف مغلقة ثم تُبَث للعالم على هيئة “حقائق موثقة”، ويُعاد نشرها آلاف المرات حتى تترسخ في عقول الجماهير.

وهكذا تُغسل الأدمغة دون أن يشعر أصحابها، فيتحول الإعلام من وسيلة توعية إلى آلة تضليل، ومن منبرٍ للحق إلى بوقٍ للباطل.

قال تعالى:
“يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ” [الصف: 8].

ثالثًا: الإعلام الرقمي حرفة وصنعة:

إن الدخول إلى عالم الإعلام الرقمي اليوم ليس ترفًا ولا هواية، بل هو فن ومهارة ومسؤولية.

فمن أراد أن يخاطب الجماهير، ويؤثر فيهم، ويقدم رسالة هادفة، فعليه أن يتقن أدوات المهنة:

١- معرفة كيف تُصاغ الرسالة الإعلامية بذكاء.
٢- فهم الجمهور المستهدف وطرق الوصول إليه.
٣- الإلمام بأساليب الإقناع والتأثير.
٤- الالتزام بالصدق والمهنية، لأن المصداقية هي رأس مال الإعلامي.
الإعلام الرقمي ليس مجرد “بوست” أو “فيديو” عابر، بل هو صناعة فكرية، ومشروع وعي، وميدان جهاد بالكلمة، يُؤجر فيه الصادق، ويُؤثم فيه المضلل.

رابعًا: نحو إعلام وطني واعٍ ومسؤول:

لقد أصبح لزامًا على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أن تتعاون في بناء إعلام رقمي وطني واعٍ، يصون هوية الأمة، ويدافع عن ثوابتها، ويُبرز جمال الإسلام وسماحته، ويُحصّن الشباب من موجات التغريب والانحلال.

وأن تُتاح برامج تدريبية لصقل مهارات الدعاة والشباب في فن الخطاب الإعلامي الرقمي، ليكونوا جبهة وعي في وجه التيارات التي تُزيف العقول وتُغيب الوعي.

خاتمة:

إن المعركة اليوم ليست فقط في الميدان العسكري، بل في الميدان المعرفي والإعلامي.

ومن لا يُتقن لغة الإعلام الرقمي، سيظل متفرجًا على الآخرين وهم يُشكّلون وعي الأجيال.

فلنكن نحن أصحاب الرسالة الهادفة، نصنع الوعي بدل أن نُصنع، ونقود الكلمة بدل أن تُقاد عقولنا بها.

“وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” [الإسراء: 81].