بين الخيال والواقع: حكمة السير في طريق الحياة
15 نوفمبر، 2025
بناء وتنمية الذات

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر
للخيال أهمية كبرى في القدرة على التخمين، وتحليل الأحداث، وهو الحافز لكل طموح، وسُمُوٍّ، وتفوق، ومنشئ لأي رُقِيٍّ، وتطور، ولا ريب في أن التفكير خارج الصندوق، يجعل العقل قادرًا على رؤية ما لم يكن متاحا على أرض الواقع، فالخيال هو مفتاح الابتكارات، وبداية الإبداعات، وهو الذي يجلب الأفكار، ويؤسس للاكتشافات والاختراعات.. لكني أنصح فقط بالموائمة بين إمكانات الشخص على أرض الواقع، وما يسبح في خياله من فكر؛ حتى يتمكن من تحقيق الآمال والطموحات، فلا يصح أن نطلق لمخيّلتنا العنانَ في التخيُّل الوهمي، والانغماس في تصور السيناريوهات المثالية لكل ما يجول بخاطرنا؛ لأن هذا سيفصلنا عن الواقع، ويرفع مستوى استيعابنا للعوالم الخيالية، ويعود حتما بخيبة أمل كبيرة؛ فلنكن واقعيين، ولنعلم أن الخيال الواسع لا بد أن يكون مرتبطا بما لدينا من محصول ثقافي ومعرفي، وبما اكتسبناه من خبرات فعلية، وتجارب ذاتية، مرتبطة بالبيئة المحيطة، ومرتبطة أيضا بمخزون ما تدركه صور المحسوسات الخمسة..
فكم من أناس يصارعون الأوهام، ويضيعون الوقت، والجهد، والمال، وهم في الأصل لا بأس بهم، ولا مرض، غير أنه الوهم الذي هو اعتقاد زائف، وراسخ في عقل المريض، على الرغم من توافر الأدلة التي تثبت له عكس ما يعتقد، والحجج العقلانية التي تدحض هذا الوهم، ونصيحتي لمن وقع فريسة للأوهام أن يفتح سمعه، وبصره، وبقية حواسه للوسائل المنطقية التي يقبلها العقل، وكذلك الأسباب التي توصله إلى الطريق السديد؛ فالذي يدفع العطش عن الحيوان إنما هو شرب الماء، والذي يدفع الجوع عنه إنما هو الطعام، فلا تعتمدوا في حياتكم على الافتراضات العامة التي تصدر عن الدماغ، ولا تشوهوا حواسكم، وحقيقتكم بالأوهام الزائفة، الخيالية، التي بنيت على الخداع، واعلموا أنكم لن تجدوا ضالتكم المنشودة إلا في مخاطبة أنفسكم بواقعية وإيجابية، ولن تخشع قلوبكم، وجميع حواسكم لذكر الله تعالى، إلا في قراءة القرآن الكريم، وتدبر معانيه، والتفكر في آياته، وقصصه، وعِبَرِه، وإشاراته، وأوامره، ونواهيه، وتنبيهاته، قال الله جَلَّ في عُلاه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} صدق الله العظيم.
وإن التعامل بواقعية يقتضي الحِكْمة التي لا تتأتى إلا بالتجارب الذاتية، والحصيلة المعرفية، والإخلاص في العمل الصالح، والزهد في الدنيا، واحترام الرأي الآخر، والطعام الحلال، ومن الحِكْمة البالغة ألا تجعلوا بينكم وبين العلم حجابا، فإذا ما رُزِقْتم الحكمة فقد رُزِقْتم الإصابة في القول والفعل، والحكمة في العقل والدِّين، وصرتم من أصحاب العقول الكاملة، المستنيرة، التي تستضيء بنور الله تعالى، وتهتدي بهديه، وكنتم من أولي الألباب، الذين أُعْطوا خيرا كثيرا. قال الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} والنبي- صلى الله عليه وسلم- ضَمَّ ابن عباس- رضي الله عنهما- إلى صدره، وقال: “اللهم علمه الحكمة” صدق الله العظيم ونبيه الكريم.
وعلى قدر المجاهدة، والتعامل العلمي، ومقاومة الشهوات يكون التحصيل، والإمداد، والهداية، قال الله تبارك وتعالىٰ: {وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا} والعمل الصالح جِسْرٌ مُمَهَّدٌ إلى الجنة، فهنيئا لمن أعطى، واتقى، وتصدق، وارتقى هذا الجسر بـعقله، وروحه، حتى عُتِقَ من النار، وحسبكم فتن الفيس، والماسنجر، والواتس، وما إلى ذلك من مثيرات، وملهيات، وتسلط للأهواء، والشهوات، عبر وسائل السوشيال ميديا، ففِروا إلى الله جَلَّ في عُلاه، كما فرَّ يوسف حتى قدَّتْ قميصه من دُبُرٍ! واعلموا أن تحقيق الأحلام والآمال والأهداف يكون بالعمل، والسعي والكفاح، والواقعية، وليس بالرغبة والأماني والرجاء، والخيال والأوهام، و {إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} صدق الله العظيم، وعليكم من الله تعالى السلام والرحمة والبركات.