خطبة الجمعة تَحْتَ عٌنْوَانْ ( كُنْ جَمِيلًا تَرَ الْوُجُودَ جَمِيلًا ، أَدَبُ الِاخْتِلَافِ وَجَمَالُ الرُّوحِ)


خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ تَحْتَ عٌنْوَانْ “”كُنْ جَمِيلًا تَرَ الْوُجُودَ جَمِيلًا”

(أَدَبُ الِاخْتِلَافِ وَجَمَالُ الرُّوحِ)
وَمَعَهَا: حُرْمَةُ التَّعَدِّي عَلَى الْجَارِ (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”)

لفضيلة الشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الأزهر والأوقاف

بِتَارِيخِ: 30مِنْ جُمَادَى الْأُولَى 1447هـ، الْمُوَافِقُ 21 مِنْ نُوفَمْبَرَ 2025 م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
kon gamela tra

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

أَوَّلًا: جَمَالُ الْبَاطِنِ هُوَ الْمِعْيَارُ (إِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ).

ثَانِيًا: “أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا؟” (جَمَالُ الرُّوحِ فِي أَدَبِ الِاخْتِلَافِ).

ثَالِثًا: “مَا رَأَيْتُ إِلَّا بَيَاضَ أَسْنَانِهِ” (عَيْنُ الرِّضَا وَالْجَمَالِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْكَوْنِ)

رَابِعًا (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ): حُرْمَةُ التَّعَدِّي عَلَى الْجَارِ (لَيْسَ الْوَاصِلُ مَنْ كَفَّ الْأَذَى، بَلْ مَنِ احْتَمَلَهُ)

الْمَوْضُـــــــــــوعُ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَمَّلَهُ بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْأَجْمَلُ وَجْهًا، وَالْأَكْمَلُ خُلُقًا، الَّذِي كَانَ يَدْعُو رَبَّهُ وَيَقُولُ: “اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي”. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مَنْ بُعِثْتَ لِتُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِكَ، الْأَقْمَارِ الزَّاهِرَةِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ… أَيُّهَا السَّادَةُ الْمُؤْمِنُونَ، يَا أُمَّةَ الْقُرْآنِ، إِنَّ عُنْوَانَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بِحَقِيقَةٍ غَائِبَةٍ، حَقِيقَةٍ لَخَّصَهَا أَحَدُ الشُّعَرَاءِ بِقَوْلِهِ: “كُنْ جَمِيلًا تَرَ الْوُجُودَ جَمِيلًا”.

إِنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ صُورَةٍ وَمَظْهَرٍ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ قَلْبِيَّةٌ، وَسَكِينَةٌ رُوحِيَّةٌ، تَنْعَكِسُ عَلَى سُلُوكِ الْإِنْسَانِ فَتَجْعَلُهُ يَرَى الْخَيْرَ حَيْثُ يَرَى النَّاسُ الشَّرَّ، وَيَلْتَمِسُ الْعُذْرَ حَيْثُ يَنْصِبُ النَّاسُ الْمَحَاكِمَ.

وَسَنَسِيرُ فِي رِحَابِ هَذَا الْمَعْنَى الرَّاقِي وَفْقَ الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ:

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: جَمَالُ الْبَاطِنِ هُوَ الْمِعْيَارُ (إِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ).

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَهْتَمُّونَ بِتَجْمِيلِ الظَّاهِرِ؛ الثِّيَابِ، وَالْبُيُوتِ، وَالْمَرَاكِبِ، وَيَنْسَوْنَ مَحَلَّ نَظَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ “الْقَلْبُ”.

يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ”.

فَالْجَمَالُ الْحَقِيقِيُّ يَنْبُعُ مِنَ الدَّاخِلِ. الْقَلْبُ النَّقِيُّ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ هُوَ الْقَلْبُ الْجَمِيلُ. وَإِذَا جَمُلَتِ النَّفْسُ، رَأَتِ الْكَوْنَ كُلَّهُ بَدِيعًا، وَإِذَا أَظْلَمَتِ النَّفْسُ بِالْأَحْقَادِ، رَأَتِ الْكَوْنَ سِجْنًا مُظْلِمًا وَلَوْ كَانَتْ فِي قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ.

وَلَقَدْ أَبْدَعَ الشَّاعِرُ إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي حِينَ خَاطَبَ الْإِنْسَانَ الْمُتَشَائِمَ الْعَابِسَ، فَقَالَ لَهُ:

أَيُّهَذَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءُ    كَيْفَ تَغْدُو إِذَا غَدَوْتَ عَلِيلًا؟

إِنَّ شَرَّ الْجُنَاةِ فِي الْأَرْضِ نَفْسٌ   تَتَوَقَّى قَبْلَ الرَّحِيلِ الرَّحِيلَا

وَتَرَى الشَّوْكَ فِي الْوُرُودِ وَتَعْمَى   أَنْ تَرَى فَوْقَهَا النَّدَى إِكْلِيلًا

وَالَّذِي نَفْسُهُ بِغَيْرِ جَمَالٍ   لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ شَيْئًا جَمِيلًا

فَالْقَضِيَّةُ يَا سَادَةُ هِيَ “نَظَّارَةُ الْقَلْبِ” الَّتِي تَرَى بِهَا النَّاسَ وَالْأَشْيَاءَ. صَحِّحْ بَاطِنَكَ، يَسْتَقِمْ لَكَ ظَاهِرُ الْوُجُودِ.

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: “أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا؟” (جَمَالُ الرُّوحِ فِي أَدَبِ الِاخْتِلَافِ).

وَمِنْ أَعْظَمِ تَجَلِّيَاتِ هَذَا الْجَمَالِ الرُّوحِيِّ: “أَدَبُ الِاخْتِلَافِ”.

كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ مَنْ يُخَالِفُكَ فِي الرَّأْيِ؟ هَلْ تَرَى الْمُخَالِفَ عَدُوًّا يَجِبُ سَحْقُهُ؟ أَمْ تَرَى الِاخْتِلَافَ إِثْرَاءً وَتَنَوُّعًا؟

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّخْصَ الْجَمِيلَ لَا يَفْجُرُ فِي الْخُصُومَةِ، وَلَا يَنْسَى الْوُدَّ لِمُجَرَّدِ خِلَافٍ فِي وُجْهَةِ نَظَرٍ.

وَاسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تَدْرُسُ فِي جَامِعَاتِ الْأَخْلَاقِ:

اخْتَلَفَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا مَعَ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ وَيُدْعَى “يُونُسُ الصَّدَفِيُّ” فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَاشْتَدَّ النِّقَاشُ بَيْنَهُمَا حَتَّى خَرَجَ يُونُسُ غَاضِبًا مِنَ الْمَجْلِسِ.

فَمَاذا فَعَلَ الشَّافِعِيُّ؟ هَلْ قَالَ: “ارْتَحْنَا مِنْهُ”؟ هَلْ طَعَنَ فِيهِ؟ كَلَّا!

فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، سَمِعَ يُونُسُ طَرْقًا عَلَى بَابِهِ. فَقَالَ: مَنْ؟ قَالَ الطَّارِقُ: “مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ”. قَالَ يُونُسُ: “فَتَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ إِلَّا الشَّافِعِيَّ (لِمَا كَانَ بَيْنَنَا فِي النَّهَارِ)”. فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ، فُوجِئَ بِالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَاقِفًا مُبْتَسِمًا.

فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، قَالَ: “يَا أَبَا مُوسَى، أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟!”.

اللَّهُ أَكْبَرُ! مَا هَذَا الْجَمَالُ؟! مَا هَذَا الرُّقِيُّ؟! “أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ؟!”. نَعَمْ، الْأُخُوَّةُ أَبْقَى مِنَ الرَّأْيِ، وَالْوُدُّ أَعْظَمُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ.

أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا الْيَوْمَ؟
حِينَ يَتَقَاطَعُ الْأَخُ مَعَ أَخِيهِ لِسَنَوَاتٍ بِسَبَبِ خِلَافٍ عَلَى مِيرَاثٍ أَوْ مَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ حَتَّى تَشْجِيعِ فَرِيقٍ رِيَاضِيٍّ!

لَوْ كُنَّا جَمِيلِينَ مِنْ دَاخِلِنَا، لَوَسِعَتْنَا صُدُورُنَا كَمَا وَسِعَتِ السَّلَفَ الصَّالِحَ.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: “مَا رَأَيْتُ إِلَّا بَيَاضَ أَسْنَانِهِ” (عَيْنُ الرِّضَا).

وَمِنْ عَلَامَاتِ هَذَا الْجَمَالِ: أَنْ تَقَعَ عَيْنُكَ دَائِمًا عَلَى الْحَسَنِ وَتَتَغَاضَى عَنِ الْقَبِيحِ.

يُرْوَى فِي الْأَثَرِ عَنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ مَرَّ هُوَ وَالْحَوَارِيُّونَ عَلَى جِيفَةِ كَلْبٍ مَيِّتٍ مُلْقَاةٍ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ انْتَفَخَتْ وَفَاحَتْ رَائِحَتُهَا الْكَرِيهَةُ. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: “مَا أَنْتَنَ رِيحَ هَذَا الْكَلْبِ!” (نَظَرُوا إِلَى الْقُبْحِ). أَمَّا رُوحُ اللَّهِ عِيسَى، صَاحِبُ النَّفْسِ الْجَمِيلَةِ، فَنَظَرَ وَقَالَ: “مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ!”. سُبْحَانَ اللَّهِ! لَمْ يَرَ فِي الْجِيفَةِ الْمُتَعَفِّنَةِ إِلَّا النُّقْطَةَ الْبَيْضَاءَ الْوَحِيدَةَ، بَيَاضَ الْأَسْنَانِ. هَكَذَا هِيَ النَّفْسُ الْجَمِيلَةُ، لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْجَمِيلِ.

وَانْظُرُوا إِلَى جَمَالِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي احْتِرَامِ الْآخَرِ وَحِفْظِ الْوُدِّ، حَتَّى مَعَ مَنْ آذَوْهُ. لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِي طَعَنَ فِي عِرْضِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ، وَآذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنِينَ طِوَالًا. جَاءَ وَلَدُهُ (عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ صَحَابِيًّا صَالِحًا) يَطْلُبُ قَمِيصَ النَّبِيِّ لِيُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

فَهَلْ شَمِتَ فِيهِ النَّبِيُّ؟ هَلْ قَالَ: “إِلَى جَهَنَّمَ”؟ لَا وَاللَّهِ! بَلْ أَعْطَاهُ قَمِيصَهُ الشَّرِيفَ، وَوَقَفَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، حَتَّى جَذَبَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَعَجِّبًا: “أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا؟”. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَنِي فَاخْتَرْتُ (أَيْ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ”.

مَا هَذَا الْقَلْبُ الْكَبِيرُ؟ مَا هَذَا الْجَمَالُ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْعَالَمِ؟ إِنَّهُ دَرْسٌ لَنَا أَنْ نَكُونَ كِبَارًا فِي أَخْلَاقِنَا، جَمِيلِينَ فِي خِصَامِنَا، نُبَلَاءَ فِي اخْتِلَافِنَا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ...فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ، نَصِلُ إِلَى الْعُنْصُرِ الرَّابِعِ، ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”، وَهُوَ: “حُرْمَةُ التَّعَدِّي عَلَى الْجَارِ”.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِذَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْجَمَالِ وَالرُّقِيِّ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ جَمِيلًا وَهُوَ مُؤْذٍ لِجِيرَانِهِ.لَقَدْ وَصَّى الْإِسْلَامُ بِالْجَارِ وَصِيَّةً لَمْ يَشْهَدْ لَهَا التَّارِيخُ مَثِيلًا. يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ”. (أَيْ يَجْعَلُ لَهُ نَصِيبًا فِي الْمِيرَاثِ).

وَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ وَيَقُولُ: “وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ”. قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ”. (وَالْبَوَائِقُ هِيَ الشُّرُورُ وَالْأَذَى). فَلْنُصَحِّحْ مَفْهُومَنَا عَنِ الْجِيرَةِ. لَيْسَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ هُوَ “كَفُّ الْأَذَى” عَنْهُ فَقَطْ، بَلِ الْإِحْسَانُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ “احْتِمَالُ الْأَذَى” مِنْهُ، وَمُقَابَلَةُ إِسَاءَتِهِ بِالْإِحْسَانِ.

وَإِلَيْكُمْ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْوَاقِعِيَّةَ مِنْ حَيَاةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، الَّتِي تُجَسِّدُ جَمَالَ التَّعَامُلِ مَعَ الْجَارِ الْمُؤْذِي:كَانَ لِسَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَارٌ إِسْكَافٌ (صَانِعُ أَحْذِيَةٍ)، كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ وَالضَّجِيجِ، وَيُؤْذِي الْإِمَامَ فِي صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَكَانَ يَقُولُ فِي غِنَائِهِ: “أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا”. فَلَمْ يَعِظْهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَشْكُهُ لِلشُّرْطَةِ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُ، بَلْ كَانَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ.وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي، افْتَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَوْتَ جَارِهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: “لَقَدْ أَخَذَهُ الْعَسَسُ (الشُّرْطَةُ) وَحَبَسُوهُ”. فَمَاذَا فَعَلَ الْإِمَامُ؟ رَكِبَ بَغْلَتَهُ، وَذَهَبَ إِلَى الْأَمِيرِ (وَكَانَ لَهُ جَاهٌ عَظِيمٌ)، وَشَفَعَ لِجَارِهِ السِّكِّيرِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ. وَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ، رَكِبَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ خَجَلًا. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ لَهُ بِكُلِّ رِقَّةٍ: “يَا فَتَى، هَلْ أَضَعْنَاكَ؟”.فَبَكَى الرَّجُلُ وَقَالَ: “لَا وَاللَّهِ، بَلْ حَفِظْتَ وَرَعَيْتَ، جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجِوَارِ”. وَتَابَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ وَأَصْبَحَ مِنْ تَسَخِيَّةِ الْعِبَادِ. هَذَا هُوَ الْجَمَالُ الَّذِي يُغَيِّرُ الْوُجُودَ. هَذَا هُوَ حَقُّ الْجَارِ: أَنْ تَصْبِرَ عَلَيْهِ، وَتَتَفَقَّدَهُ، وَتُحْسِنَ إِلَيْهِ وَإِنْ أَسَاءَ.

فَيَا مَنْ تُؤْذِي جَارَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ الْقُمَامَةِ أَمَامَ بَابِهِ، أَوْ بِكَشْفِ عَوْرَاتِ بَيْتِهِ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَا زَالَ يُوصِي بِهِ، وَرَسُولَ اللَّهِ نَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ شَرَّهُ.

كُنْ جَمِيلًا مَعَ جَارِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا حَقًّا.

الدُّعَاءُ…

اللَّهُمَّ جَمِّلْ بَوَاطِنَنَا بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّقْوَى، وَظَوَاهِرَنَا بِالْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالشَّحْنَاءِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَرَوْنَ الْحَقَّ حَقًّا وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيَرَوْنَ الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَيَجْتَنِبُونَهُ.اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُتَخَاصِمِينَ، وَاهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ.اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا مِصْرَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلْأَمْنِ وَالْجَمَالِ وَالْإِيمَانِ.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ..