جَلَالُ الكَلِمَةِ وَآدَابُ القَارِئِ : وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا

بقلم الشيخ :  أحمد إسماعيل الفشني
من علماء الأزهر الشريف

 

الحمدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَنَا بِأَعْظَمِ كِتَابٍ، وَجَعَلَ تِلَاوَتَهُ نُورًا لِلصُّدُورِ وَهَدْيًا لِلأَلْبَابِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَلَوْهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ،

إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَيْسَ كَسَائِرِ الكُتُبِ. إِنَّهُ كَلَامُ اللهِ، وَهُوَ الصِّفَةُ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا رَبُّ العِزَّةِ عِبَادَهُ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعَامُلَ مَعَهُ لَا يَكُونُ كَالتَّعَامُلِ مَعَ أَيِّ كَلَامٍ آخَرَ. لَقَدْ بَيَّنَ اللهُ جَلَالَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحَشْر: 21). فَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَهُ عَلَى الحَجَرِ الأَصَمِّ، فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَالُ القَلْبِ المُؤْمِنِ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ؟

مِنْ هُنَا، وَضَعَ لَنَا أَهْلُ الفَهْمِ وَالبَصِيرَةِ آدَابًا لِتِلَاوَةِ هَذَا الكِتَابِ المَجِيدِ، تَنْقَسِمُ إِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ.

أَوَّلًا: الآدَابُ الظَّاهِرَةُ (الأَدَبُ مَعَ الحُرُوفِ)

وَهِيَ السِّيَاجُ الأَوَّلُ لِتَعْظِيمِ الكَلَامِ. وَتَشْمَلُ مَا يَلِي:

 * الطَّهَارَةُ: أَنْ يَكُونَ القَارِئُ عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَمَسُّ المُصْحَفَ إِلَّا مُتَوَضِّئًا.

 * الاِسْتِعَاذَةُ وَالبَسْمَلَةُ: طَلَبًا لِلْحِمَايَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاسْتِعَانَةً بِالرَّحْمَنِ.

 * الاِسْتِقْبَالُ وَالجُلُوسُ بِأَدَبٍ: فَالجُلُوسُ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ أَدْعَى لِلتَّرْكِيزِ وَالخُشُوعِ.

ثَانِيًا: الآدَابُ البَاطِنَةُ (الأَدَبُ مَعَ المَعْنَى)

وَهَذَا هُوَ لُبُّ المَقْصُودِ، وَهُوَ مَا يُمَيِّزُ قَارِئًا عَنْ قَارِئٍ:

 * حُضُورُ القَلْبِ وَالتَّدَبُّرُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَدَبَّرَ، فَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (مُحَمَّد: 24). وَكَانَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: “لَا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ (أَيْ لَا تُسْرِعُوا فِيهِ)، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (التَّمْرِ الرَّدِيءِ)، وَلَكِنْ قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ”.

 * أَنْ يَتَلَقَّى الخِطَابَ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ البَصِيرَةِ (كَالإِمَامِ الغَزَالِيِّ): “يَنْبَغِي لِقَارِئِ القُرْآنِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ اللهَ يُخَاطِبُهُ هُوَ”. فَيَقْرَأُ الوَعْدَ وَكَأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِهِ، وَيَقْرَأُ الوَعِيدَ وَكَأَنَّهُ مُهَدَّدٌ بِهِ، فَيَزْدَادُ رَجَاءً وَخَوْفًا.

 * التَّأَثُّرُ وَالبُكَاءُ: فَإِنَّ القَلْبَ إِذَا فَهِمَ تَأَثَّرَ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ هَذَا القُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا” (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَكَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ، فَيُسْمَعُ نَشِيجُهُ (صَوْتُ بُكَائِهِ) مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ: مِيزَانُ النَّغَمِ وَالأَحْكَامِ

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى قَضِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، وَهِيَ سَبِيلُ القَارِئِ بَيْنَ جَمَالِ الصَّوْتِ وَجَلَالِ المَعْنَى.

لَقَدْ أَمَرَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَحْسِينِ الصَّوْتِ فَقَالَ: “زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَأَمَرَنَا اللهُ بِالتَّرْتِيلِ فَقَالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّل: 4).

وَلَكِنْ، يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ “التَّرْتِيلَ” وَ “التَّزْيِينَ” هُمَا وَسِيلَتَانِ لِخِدْمَةِ المَعْنَى وَإِبْرَازِ الخُشُوعِ، وَلَيْسَا غَايَةً فِي ذَاتِهِمَا.

إِنَّ الكَارِثَةَ تَقَعُ حِينَ يَتَحَوَّلُ القَارِئُ مِنْ “مُبَلِّغٍ” عَنِ اللهِ إِلَى “مُطْرِبٍ” لِلنَّاسِ.

حِينَ يَهْتَمُّ القَارِئُ بِ “النَّغَمِ” وَيُضَحِّي بِ “الأَحْكَامِ”، فَهُوَ يَرْتَكِبُ إِثْمًا عَظِيمًا.

فَأَحْكَامُ التَّجْوِيدِ لَمْ تُوضَعْ عَبَثًا؛ فَالمَدُّ وَالقَصْرُ، وَالإِدْغَامُ وَالإِظْهَارُ، كُلُّهَا لِضَبْطِ المَعْنَى كَمَا أُنْزِلَ.

فَأَنْ يَتَلَاعَبَ القَارِئُ بِالأَحْكَامِ لِيُوَافِقَ “مَقَامًا مُوسِيقِيًّا” فَيَمُدُّ مَا لَا يُمَدُّ، أَوْ يَقْصُرُ مَا لَا يُقْصَرُ، فَيُفْسِدُ المَعْنَى أَحْيَانًا، فَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّعْظِيمِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنَ اللَّعِبِ بِكَلَامِ اللهِ.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ “التَّطْرِيبَ” الَّذِي يُخْرِجُ القُرْآنَ عَنْ سَمْتِهِ وَوَقَارِهِ.

إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِيُخْشَعَ بِهِ، لَا لِيُطْرَبَ بِهِ.

خَاتِمَةٌ وَوَصَايَا لِقَارِئِ القُرْآنِ:

 * أَخْلِصِ النِّيَّةَ: اجْعَلْ قِرَاءَتَكَ للهِ، لَا لِيُقَالَ “صَوْتُهُ جَمِيلٌ” أَوْ “نَفَسُهُ طَوِيلٌ”.

 * قَدِّمِ الأَحْكَامَ: الأَحْكَامُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِي جَمَالُ الصَّوْتِ تَابِعًا لَهَا. فَالتَّجْوِيدُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ النَّغَمَ، وَلَيْسَ العَكْسُ.

 * اقْرَأْ بِقَلْبِكَ: لَا تَقْرَأْ بِلِسَانِكَ فَقَطْ. اجْعَلْ قَلْبَكَ يَتَدَبَّرُ، وَجَوَارِحَكَ تَتَأَثَّرُ.

 * تَذَكَّرْ: إِنَّ رُبَّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالقُرْآنُ يَلْعَنُهُ – كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ – لِأَنَّهُ يَقْرَأُ آيَاتِ النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ وَهُوَ ظَالِمٌ، أَوْ يَقْرَأُ آيَاتِ الرِّبَا وَهُوَ آكِلٌ لَهُ.

فَلْنَتَّقِ اللهَ فِي كِتَابِهِ، وَلْنُعْطِهِ حَقَّهُ مِنَ الإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّدَبُّرِ، لِيَكُونَ حُجَّةً لَنَا لَا حُجَّةً عَلَيْنَا.

وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.