ظلّ الاستخبارات وخيوط السيطرة الخفية في القارة السمراء.
15 نوفمبر، 2025
أخبار العالم الإسلامى
إسرائيل وحلم إفريقيا الغالي (الجزء الثالث)
بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس على درجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
لم يكن التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا يومًا حركة عابرة أو مغامرة سياسية قصيرة المدى، بل مشروعًا طويل النفس، قائمًا على بناء “جذور في الظل” قبل الفروع في العلن. فإذا كانت الزراعة والاستثمار والسلاح هي الوجوه الظاهرة التي تحدثنا عنها في الأجزاء السابقة، فإن الوجه الثالث، الأخطر والأعمق، هو الاختراق الأمني والاستخباراتي الذي تُديره إسرائيل بذكاء بارد، وصبر لا يشبه صبر الدول، بل صبر أجهزة خلقت لتعيش في العتمة.
منذ ستينيات القرن الماضي، أدركت إسرائيل أن القارة الإفريقية ليست مجرد امتداد جغرافي، بل كنز خام قابل لإعادة التشكيل. كانت تعرف أن السلاح قد يفتح بابًا، وأن التجارة قد تُقيم علاقة، لكن المعلومة وحدها تصنع نفوذًا طويل الأمد. ومن هنا بدأ “عصر الظلال” الذي بنت فيه شبكاتها، وفتحت ممراتها، وتسللت عبر شقوق هشاشة الأنظمة، لتصنع لنفسها مقعدًا ثابتًا في غرف القرار الأفريقية.
لم تعد إسرائيل تتعامل مع إفريقيا كطرف خارجي، بل كـ“حارس غير مرئي” في بعض الدول. شركات أمنية بواجهات مدنية تدرب الجيوش، وتعيد تشكيل وحدات الحماية الرئاسية، وتزوّد الحكومات بأنظمة مراقبة تُشرف عليها من بعيد. انتقلت من دور المساعد إلى دور المراقب، ومن المراقب إلى دور صانع القرار في لحظات حاسمة.
ولم يكن ذلك عبر القوة الخشنة، بل عبر دبلوماسية الهمس: رسائل غير معلنة، ووعود بأمن مستقر، وتحذيرات مبطنة من أعداء محتملين.
كان الهدف بسيطًا وعظيمًا في الوقت نفسه:
إنتاج حالة من الاعتماد الأمني الكامل على الخبرة الإسرائيلية.
ففي دول تعاني من انهيار مؤسساتها أو صراعاتها الداخلية، يصبح من يمتلك “أجهزة الرصد” هو من يمتلك الدولة، حتى وإن لم يظهر اسمه في الواجهة. وهكذا تحوّلت إسرائيل من مجرد زائر سياسي إلى “عين خفية” قريبة من القصور الرئاسية، تسمع كل ما يدور، وتعرف أين يتحرك الخطر، ومن أين يمكن أن تبدأ الفوضى وأين تنتهي.
اعتمدت إسرائيل على صناعة الأزمات ثم تقديم نفسها بوصفها المخلّص. تغذي بعض النزاعات الصغيرة، فتخاف الحكومات، فتطلب المزيد من أنظمة الحماية، فتدخل إسرائيل أكثر. كل خطوة تُفضي إلى خطوة، وكل أزمة تُفتح بابًا جديدًا. كانت تلعب على فكرة “الاحتياج المصنوع”، وكأن إفريقيا عصفور مذعور وإسرائيل هي اليد التي تمسك القفص.
ومع كل توسع في الظل، كانت إسرائيل تُنشئ لنفسها موطئ قدم يقترب يومًا بعد يوم من الأمن القومي العربي. فالقرن الإفريقي، وباب المندب، وممرات البحر الأحمر، لم تعد مجرد جغرافيا بعيدة. أصبحت مناطق مكشوفة لحليف لا يرى إلا مصالحه، ولا يقدّر إلا مكاسب نفوذه، ولا يتحرك إلا وفق حسابات تربط القارة كلها بخيط واحد: إضعاف العرب من أطرافهم قبل مواجهتهم في قلبهم.
إن النفوذ الاستخباراتي الإسرائيلي في إفريقيا ليس مجرد شبكة من العملاء أو تقارير أمنية. إنه مشروع كامل غايته أن تراقب إسرائيل دقات قلب القارة، وتقيس نبضها، وتعرف متى تشتد حرارتها، ومتى يمكن استغلالها. مشروع يجعلها حاضرًا في كل قرار، حتى في تلك القرارات التي لا تُذكر فيها علنًا.
واليوم، ومع اتساع الأزمات في بعض الدول الإفريقية، تحاول إسرائيل أن تعمّق جذورها، وأن تُحكم قبضتها على الممرات الحيوية التي تُحرك تجارة العالم. فالوجود العسكري قرب سواحل الشرق الإفريقي، ومحاولات السيطرة على بعض الموانئ الحيوية عبر شركات أمنية خاصة، لم تعد مجرد تحركات اقتصادية، بل جزءًا من “خريطة الصمت” التي تريد إسرائيل رسمها حول البحر الأحمر لتهديد أي دولة عربية ترفع صوتها يومًا.
إن ما يحدث الآن في إفريقيا ليس مجرد نفوذ سياسي، بل إعادة تشكيل لقارة كاملة بحيث تصبح بعض دولها غرفًا خلفية تدير منها إسرائيل ملفاتها الكبرى، وتُمرر عبرها أجنداتها، وتختبر فيها أدواتها قبل استخدامها في أماكن أخرى.
وكل ذلك يجري في صمت ثقيل، كأن القارة السمراء أصبحت خشبة مسرح تُطفأ عليه الأضواء بينما تتحرك الدمى بأصابع لا يراها أحد.
وهكذا يتضح أن إسرائيل لا تتحرك في إفريقيا بخفة عابرة، ولا بخطوات مشتتة، بل بخطة أكبر من حدود الجغرافيا، وأبعد من حدود القوة. إنها لا تريد أن تكون مجرد دولة مؤثرة في إفريقيا، بل أن تصبح حجر الزاوية في أمن القارة، والعين التي ترى كل شيء، والأذن التي تسمع كل شيء، واليد التي تُمسك بخيوط لا تنقطع.
ووسط هذا المشهد المظلم، يبقى الأمل معلقًا بقدرة العرب على استعادة حضورهم في القارة التي كانت يومًا عمقهم التاريخي. فإفريقيا ليست ساحة بعيدة، بل خط دفاع أول، وامتداد طبيعي، وذراع إن تركناها تُكسر اليوم، سنفقد معها الكثير غدًا.
إن صمت العرب يمنح إسرائيل مساحة أكبر مما تستحق، ويعطيها فرصة لا ينبغي أن تحصل عليها. فالقارة التي تُفتح اليوم أمام خفافيش الظلام ستغلق أبوابها غدًا حين تعي شعوبها حقيقة من يحاول سرقة قرارها وثرواتها من خلف الستار.
لقد آن الأوان أن يُقرأ ما يحدث في إفريقيا بعين واعية، وأن يُفهم أن الأمن الذي تزرعه إسرائيل ليس أمنًا حقيقيًا، بل أصفاد تُحكم حول القرار الإفريقي يومًا بعد يوم.
وما لم يدرك العرب أن ما يجري هناك ليس مجرد اختراق عابر، بل حرب هادئة لخنق المستقبل العربي من خاصرته الجنوبية، فسوف يستيقظون يومًا على قارة كاملة تُدار من خلف ستار صهيوني لا يرحم.