بداية تدوين أصول الفقه واستمداده (2)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

بداية تدوين أصول الفقه

بدأ علم أصول الفقه بصورته المدونة وليداً على شكل قواعد متناثرة في ثنايا كلام الفقهاء وبيانهم للأحكام، فقد كان الفقيه يذكر الحكم ودليله ووجه الاستدلال به، كما أن الفقهاء كانوا يعضدون آرائهم بقواعد أصولية يعتمد عليها كل فقيه؛ لتقويه وجهة نظره وتعزيز مذهبه وبيان مأخذه في الاجتهاد.

وأول من دون في أصول الفقه بصورة مستقلة الشائع عند العلماء أنه الأمام محمد بن إدريس الشافعي.

مسالك العلماء في دراسة أصول الفقه:
سلك الأصوليون عدة مسالك في دراسة أصول الفقه، وهي:
1 ـ طريقة المتكلمين، وتعتمد على تقرير قواعد الفقه وأصوله، مدعوماً بالأدلة والبراهين دون التفات إلى موافقة أو مخالف هذه القواعد للفروع الفقهية المنقولة عن الأئمة المجتهدين.

وتمتاز هذه الطريقة بالجنوح إلى الاستدلال العقلي وعدم التعصب للمذاهب والإقلال من ذكر الفروع الفقهية، وإن ذكرت هذه الفروع كان ذلك عرضا على سبيل التمثيل فقط، وقد اتبع هذه الطريقة المعتزلة والشافعية والمالكية.

ومن الكتب المؤلفة في هذه الطريقة:
البرهان لإمام الحرمين الجويني الشافعي، والمستصفى للغزالي الشافعي، والمعتمد لمحمد بن علي أبو الحسين البَصْري المعتزلي، ولخص هذه الكتب الثلاثة كل من: الفخر الرازي الشافعي، والآمدي الشافعي، وزاد الأخير عليها في كتاب الأحكام في أصول الأحكام.

2ـ طريقة الحنفية، وتقوم على تقرير القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل عن الأئمة من فروع فقهيه وتمتاز هذه الطريقة بالطابع العملي فهي دراسة عملية تطبيقية للفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذاهب، فهي تقرر القواعد الخادمة لفروع المذهب فهي أليق بالفروع وأمس بالفقه.

وكتب هذه الطريقة: الأصول للجصاص والأصول للدبوسي والأصول البزدوي وشرحه المسمى كشف الأسرار لعبد العزيز ابن أحمد البخاري.

3ـ الجمع بين الطريقتين الحنفية والمتكلمين، وهي تقوم على الظفر بمزايا المسلكين، فتعتني بتقرير القواعد الأصولية المجردة التي يسندها الدليل، مع الالتفات إلى المنقول عن الأئمة من الفروع الفقهية، وبيان للأصول التي قامت عليها تلك الفروع، وقد اتبع هذه الطريقة علماء من الشافعية والمالكية والحنابلة والجعفرية والحنفية. ومن كتب هذه الطريقة: بديع النظام للساعاتي الحنفي، وكتاب التنقيح، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وشرح التوضيح للتفتازاني، وجمع الجوامع لتاج الدين السبكي الشافعي، و‌مُسَلَّم الثبوت لمحب الله عبد الله بن عبد الشكور.

مِن أين استمدت قواعد أصول الفقه؟

تُستمد قواعد أصول الفقه مما يلي:
ـ من أساليب اللغة العربية ومبادئها.
ـ ما عرف من مقاصد الشريعة وأسرارها ومراعاتها للمصالح.
ـ ما كان عليه الصحابة من منهج في الاستدلال.