بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى من علماء الأزهر والأوقاف
عندما خلق الله الإنسان، جمّله بميزة فقدها كثير من الخلائق، واعتنى به سبحانه وتعالى أيما اعتناء. ميّزه بالعقل المتدبر الفطن في إدراك المسلمات البديهية، وجعل له من التجارب الحياتية التي يمارسها وتمارس عليه ما يجعل هذه المسلمات معتقدًا يعتنقه ويعيش به، يصقل هذا المعتقد سلوكياته وتوجهاته ويحدد معه أهدافه في الحياة.
وجعل هذا العقل يقبل ويرفض، ويتحرى ويدقق ويبحث، ويقيس الأشباه والنظائر على بعضها، ويفرض الفرضيات ويستنتح النتائج من خلال كل ما سبق.
وغالبًا ما يكره أن يكون نمطيًا أو مقلدًا.
ومن تنطوي عليه هذه السمات من العقول هم أساس التطور الإنساني الرهيب في مظاهر الحياة، واستحداث الجديد الذي هو شبه لحظي في العمارة في الأرض.
إنه إتقان الخالق سبحانه وتعالى لهذه الصنعة.
لم تكن هذه القدرات الرهيبة في هذا العضو في جسد الإنسان لمجرد أن تخدم على معيشته فحسب، وإنما هي لصقل مهاراته للتعرف على مهمته الأساسية والتي خلق من أجلها “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”.
وربما أن الناس الذين أهملوا عقولهم لم يعيروا هذه المهمة اهتمامًا؛ لأنهم لم يعملوا عقولهم في حقيقة خلقهم على هذه الحياة، واقتصروا في استخدام هذه العقول على تطويع مفردات الحياة للاستمتاع والترفيه، وخلق جو من السعادة يعيشون فيه هذه اللحظات القصيرة التي يعيشونها في هذه الحياة الدنيا.
وهذا النمط من أعمال العقل هو ما يجعل الإنسان يضل طريقه وينسى مهمته بكل تكاليفها الإلهية.
إن العقل الذي لا يدرك أن الله سبحانه وتعالى ملك له سلطانه وقانونه عقل عاطل مهمل.
ولو تدبر الإنسان الذي وقع في هذه الكارثة أمره للحظة، تجرد فيها من دوافع الهوى ومغريات الحياة، لعلم أن السعادة التي يبحث عنها في الدنيا ما هي إلا لحظات قليلة، يشقى من أجلها أيامًا وليال، وسرعان ما تتبدد هذه اللحظات ليداهمه بعدها العناء والمشقة في طلبها من جديد “قل متاع الدنيا قليل”.
وفي المقابل نرى أن الخالق سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان وحيدًا، يتخبط في حياته تائهًا في غياهب جهله بها، بل لطالما أخذ بيده ووجهه وأسدى إليه نعمة النصح والإرشاد حتى لا يضل سعيه في هذه الحياة القصيرة ويبوء بالخسران في الحياة الأبدية.
فنجده سبحانه وتعالى دائمًا أبدًا يتدارك الإنسان بالنصح والإرشاد.
ورغم تفاوت العقول في الفهم والإدراك، إلا أنه سبحانه يشير إلى أن المسلّمات البديهية كامنة في فطرة الإنسان، يستطيع كل إنسان تحريك عقله ببساطة نحو إدراكها، ولدى جميع الخلق من الثقلين – الجن والإنس – القدرة على ذلك.
ويتضح ذلك جليًا في الخطاب العام الذي يسوقه الله تعالى للناس جميعًا في كتبه السماوية، وفي القرآن الكريم على وجه الخصوص الذي هو آخر الكتب السماوية وأشملهم رسالة؛ لأنه موجه للخلق أجمعين.
فنجده سبحانه عندما يشير إلى أعمال العقل في مسألة وجوده سبحانه وتعالى، وتألهه على عرشه إلهًا وربًا خلق هذا الكون ويدبر شؤونه وأموره، يشحذ همة العقول على العموم بالنظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض.
ويربط الدليل المساق في القرآن الكريم بوجود الإنسان وبدايته ونهايته التي لا يملك لها حدودًا ولا تحديدًا، ويضرب له الأمثال ليشعره أن هناك متحكمًا في ذلك لا يستطيع الإنسان أن يناهض تحكمه أو يتفلت منه “أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ”.
فالنظر في الملكوت ليرى الإنسان ما سخره الله تعالى في هذا الكون من مفردات، لا تزال منتظمة في تواجدها وعملها كما هي: كالشمس والقمر والنجوم والكواكب والسحاب والرياح، وما تحمله من آيات باهرة تأخذ بيد الإنسان إلى الاستدلال على وجود ملك متحكم نظم سير ذلك كله، فلا حوادث ولا تخبط ولا تغيب “وكلٌ في فلك يسبحون”.
ثم يجعل بدايات الأيام والليالي ونهايتها دليلًا على أن هذا الكون حادث وله محدث أوجده من العدم، وساق الإنسان إلى بدايته ونهايته كدليل قاطع على أنه أيضًا مستحدث من العدم له بداية ونهاية.
ولأن القرآن الكريم معجزته خالدة إلى يوم القيامة، وعالميته تخاطب العالم في كل طور وجيل، ويواكب تطور العقل البشري وما يستحدثه من آلات يتعرف بها إلى الكون ويبحث ويتحرى حول كل ما فيه ليطوعه في خدمته ويستفيد من ذلك أيما استفادة، تجد أن القرآن ساق الدليل العقلي مدعومًا بالأدلة العلمية البحتة التي لا تدرك إلا بالآلة ليظل القرآن الكريم حيًا صالحًا للاهتداء به ومن خلاله إلى الخالق سبحانه.
فقد تضمن بين طيات آياته آيات باهرة كونية أدركتها الآلة الحديثة، كنظرية الانفجار العظيم للكون، وأنه في اتساع دائم، ومراحل تطور الجنين في بطن أمه، ومنازل القمر والأهلة، ونزول الحديد وأنه ليس من معادن الأرض، واستطاعت الآلة تصديق القرآن في ذلك.
كما أنه سبحانه ساق الأدلة على وحدانيته وتفرده، وأنه لا شريك له في ملكه، فضرب الأمثلة بملوك الدنيا واقتتال الملوك مع منازعيهم، وسرده سرد الفطرة الإنسانية المجبول عليها الناس، أنهم في قرارة أمرهم لا يتنازلون عن ملكهم لغيرهم، وتقوم المعارك الضارية من أجل ذلك لحماية حمى الملك وتثبيته.
وأن مظهر ذلك واضح للعيان في الأرض، لكنه ليس له مظهر واحد في الملكوت “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا”.
أي لكانت هناك المعارك التي تفسد الخلق وتسفك الدماء التي تقع فيما بينكم، ولكن كما ترون ليس هناك شيء من هذا القبيل أبدًا، والكون يسير في سيره دون خلل لأن مسيره واحد سبحانه.
إن وجود الله تعالى مسلّمة بديهية لا تحتاج إلى عناء لتأكيدها، لا تحتاج إلا إلى نظرة متجردة بعيدة عن أي موروث أو ثقافات أو توجهات، عندها سيهتدي الإنسان إلى خالقه، ولن يملك سوى الخضوع له سبحانه، والإذعان لأمره وتحقيق مراده “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”