
المقال الثانى من سلسلة ( سر الخلافة )
بقلم أ : دينا عيد الفتاح
باحثة في العلوم الانسانية والتصوف الاسلامي
بسم الله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد..
تحدثنا في المقال السابق عن عدو الإنسان الأول وعزمه على تضليل الإنسان عن صراط الله المستقيم
وأوضحنا أن سبب ذلك هو أن إبليس يرى أنه الأحق بخلافة الأرض من آدم وبنيه وبيننا أن للصراط المستقيم هدى وضعه الله عز وجل لبني آدم فمن تبع هذا الهدى فلا خوف عليهم من اغواء إبليس ولا يحزنون يوم القيامة
وأن هذا الهدى مبني على قسمين :
أولهما :هو هدى العلم والبيان أو الهدى الباطني أو الهدى السماوي
والثاني : هو هدى التوفيق في التطبيق أو الهدى الظاهري او الهدى الارضي ،وأنه لابد من الهداية للهدى بقسميه حتى يتحقق الانسان بالهداية الى صراط الذين انعم عليهم الله، وان هدى العلم دون التطبيق هو هداية لصراط المغضوب عليهم وليس لصراط الله المستقيم، وأن هداية التطبيق دون علم وبيان هو هداية الضالين ايضا عن صراط الله المستقيم
ويعلم كل مسلم أن من شرط صحة الصلاة قراءة الفاتحة في كل ركعة ،والفاتحة دعاء للهداية إلى صراط الله المستقيم لأن حياة الانسان كلها تتمحور حول هذا الهدى.
وفي هذا المقال سنوضح خطة من خطط إبليس في تضليل بني البشر تخص هداية العلم والبيان، فمنذ ادم عليه السلام والانبياء من بعده وابليس يغوي اولياؤه بتحريف النصوص الدينية والكتب السماوية ،واخفاء النصوص الاصلية عن العامة وخصها للخاصة واوصياء الدين، فظهرت مسميات الاديان ،ونسى الإنسان ان كل الأديان هي في الأصل دين واحد اسمه الإسلام، والدليل من القران الكريم والذكر المحفوظ والناسخ لما سبقه من كتب سماوية
فقال عن إبراهيم عليه السلام: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. {البقرة: 131}. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا {آل عمران : 67} , وقال عن نوح عليه السلام: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. {يونس: 72}. وقال يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {يوسف101}. وقالت ملكة سبأ: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. {النمل: 44}. وقال سحرة فرعون لما أسلموا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ. {الأعراف: 126}. وقال الحواريون للمسيح عليه السلام: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. {آل عمران: 52}
فالدين عند الله هو الاسلام منذ خلق آدم عليه السلام وما تم تحريفه هو من خطة إبليس ليفرق الناس شيعا ،والله كان عنده علم ذلك وهو يعلم الغيب ويعلم الجهر وما يخفى ،فجعل محمد صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم وأخبر به جميع انبياؤه في عالم الذر واخذ عليهم ميثاقه ان بُعث فيهم محمدا فعليهم جميعا اتباعه واتباع منهجه وهم اقروا بذلك عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام
وكان من دواعي ذلك أن ينزل الله القران الكريم والذكر ويتولى حفظهما من اي تحريف حتى يكون منهجا أصيلا مصححا وناسخا لما قبله وخاتما فلا وجود لمناهج ورسالات اخرى بعده، لكن إبليس لما لم يستطع تحريف القران الكريم كان له مخطط آخر، وهو تحريف الفهم للنص القراني والاحاديث النبوية ،ليعلن عن ظهور من اتباعه المتشددين والارهابين والتكفيريين والمستهزئين كل ذلك باسم الدين الاسلامي
فالمتشددين انساهم ان الدين يسر ،والارهابيين اقنعهم ان الدين انتشر بالسيف ويجب ان يستمر نشره بالسيف، والتكفيريين هم من كفروا كل من يختلف عنهم سواء في المذهب او في الدين نفسه واستباحوا اعراض الناس واموالهم ودماءهم اما المستهزأين فهم مسلمون بألسنتهم فقط لا غير
ولا شك ان النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا ان لنا ظاهر الانسان وان من قال اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله فهو في زمة الاسلام وحرم علينا دمه وماله وعرضه، لكن ذلك عند الله لا يكفي، لا يكفي ان نقول بأفواهنا شيء وبقلوبنا شيء اخر او ان تكون افعالنا متناقضة مع اقوالنا ، فالاعمال نعم بالنيات لكن هي في طبيعتها اعمال
والله وصف المؤمنون بأنهم آمنوا وعملوا، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ،ولا يكون المسلم مسلما عند الله الا لو قام بأركان الاسلام كلها من صلاة وزكاة وصوم رمضان وحج بعد الشهادة، لكن الشهادة فقط لا تعني انك مسلم عند الله
وهذا ما أوقع فيه الشيطان الكثير من المسلمين ، فمنهم من يقول المهم القلب ابيض وليس شرط الصلاة، يسب الدين ثم يقول المهم ان القلب أبيض والله غفور رحيم، نعم الله غفور رحيم ولكنه ايضا العظيم، أنساهم الشيطان انه العظيم فتمادوا في المعاصي والاخطاء تحت قناعة ان الله غفور رحيم وان النبي سيشفع لامته يوم القيامة ، فكيف يغفر الله لمن لم يعظم اوامره ونواهيه ولمن لم يستغفر الله العظيم عن الذنب فأصلح وتقرب بالفعل وليس بالقول فقط ، وكيف يكون من امة النبي من لم يتبعه قولا وفعلا واتبع هواه؟
ولم تتوقف خطط الشيطان في إضلال الإنسان عن هداية العلم والبيان عند هذا القدر، بل حرف مفهوم الايمان بالغيب وجعل الغيب هو علم التنبؤ بالمستقبل ، فلا يعلم المستقبل الا الله نعم لكن الغيب هنا مفهومها اشمل واوسع، فالغيب هو كل ما غاب عنك من علم وبيان وان كنت اعلم الناس على وجه الارض فيجب ان تؤمن ان فوق كل زي علم عليم وانك لم ولن تحيط بعلم العليم، فإن جهلت امر ما فهو بالنسبة لك غيب ، لا يحق لك ان تقول عن شخص انه مبتدع لمجرد ان لديه علم لا تعلمه انت،طالما لم يخالف الدين ولا يحق لك ان تكفر دولة لان في اعتقادك بجهالة ان بنوكها يعملون بالربا، ولا يحق لك ان تحلل شيء او تحرم شيء وانت جاهل به ولا تعلم
وقد كان لنا في قصة موسى والخضر المثل والعظة، فهو موسى كليم الله عليه وعلى نبينا السلام صاحب أكبر عدد من الآيات والمعجزات، ظن أنه أعلم من في الأرض فاوحى الله اليه أن هناك من أعلم منه وهو الخضر، وحين قابله ظن موسى ان ما يقوم به الخضر عليه السلام ضد شرائع الله ،أخذ موسى بالظاهر وكان من وراء هذا الظاهر حكمة وباطن طائع لأمر الله ،وقد يرى مسلم أخاه المسلم يتوضأ دون أن يمسح رأسه فيظن به ظن السوء وهو في الحقيقة معه رخصة كأن يكون به اذى من رأسه ،وعليه فإن من واجبنا ترك الحكم لله وحده ونصح أخاك بينك وبينه دون اساءة الظن به .
ومن خطط الشيطان أيضا :
تحريف فهم حديث من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، نعم غيره بيدك إن كان لك سلطة عليه ليس فيما ليس لك سلطة عليه ، وجدت حجر في الطريق أو اذى ارفعه بيدك عن الطريق ،اامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها، امنع ابنتك من الخروج بلبس لا يليق بها كمسلمة، لا ان تفجر وتخرب وتقول أنا اغير المنكر بيدي ،لا ان تلقي بماء نار على متبرجة مسلمة في الشارع وتقول انا اغير المنكر بيدي ،كن لك يد ذات إصلاح وإعمار لا يد تخريبية مفسدة في الأرض
وهناك الكثير والكثير من الخطط الشيطانية التي لا حصر لها ولا عد لتضليل الإنسان عن طريق العلم والبيان ،وسنبينها بإذن الله في المقالات القادمة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
مجلة روح الاسلام فيض المعارف