بقلم أ : دينا عيد الفتاح باحثة في العلوم الانسانية والتصوف الاسلامي
بسم الله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله سيدنا محمد النبي الامي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
انه من دواعي سروري انا الأمة الفقيرة إلى الله أن أكتب في هذا الصرح العظيم ،وإنه لشرف كبير أن أكون من خدام هذا المنهج النبوي الشريف عن طريق مجلة ازهرية جمعت من علماء ومشايخ ، منارة العلم والمعرفة للعالم الاسلامي أجمع بوسطية وسماحة هذا الدين الحنيف دون غلو أو تطرف
وما كنت لانال هذا الشرف الا بعدما من الله علي من واسع كرمه بهذا الفيض الموصول من شيخي العزيز الكبيطي الادريسي الحسني حفظه الله، ولا يحق لي أن أنكر فضله الواسع فيما انا فيه الان ، فاللهم ارزقنا الادب معه وارزقنا الادب في حضرة نبيك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد…
يقول عز وجل في كتابه في سورة ابراهيم {وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم}
واقتفاءا بالرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام قررت أن ابتعد عن الاسلوب الاكاديمي في كتابة مقالاتي وأن أكتب بالأسلوب السهل المبسط الذي تستوعبه كافة الاذهان والعقول بجميع مستوياتها فبسم الله نبدأ
كل مسلم يعلم جيدا انه تواجد على وجه الارض وله عدو لدود متربص به، هذا العدو هو إبليس وذريته من الشياطين ، وكذلك أعوانه المتمثلون في جنوده من الجن واولياؤه من البشر
وكل مسلم يعلم أن إبليس كان من الجن، لكن إبليس كانت لديه مشكلة الحسد والتطلع لما في يد غيره من مخلوقات حتى من قبل ادم، فكان بيتعبد لله عز وجل ليحقق مكانة مقربة منه تنافس مكانة الملائكة المقربين
أنكر إبليس طبيعته الإختيارية في العبادة التي خلقه الله عليها وأن للملائكة طبيعة أخرى وهى أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولما حقق إبليس تلك المكانة ورفعه الله مع الملائكة لم يكن في مخيلته أن الله يخلق بيده آدم الذي يجعله خليفته في أرضه ويفضله على إبليس
فلما خلق الله ادم من طين نفخ فيه نفخة نورانية من روحه ووضع في تلك النفخة الالهية السر والامر الذي سيسجد له الملائكة ،ويظن الاكثرية أن العبادة تقتصر على أداء الفرائض والمناسك فقط لكن الحقيقة أن العبادة هي أن تختار أن تعيش على مراد الله كيفما كان فكان مراد الله لادم ولذريته هو استخلافه في الارض أي تعميرها، وهذا الاستخلاف لكي يتحقق كان لا بد له من أدوات أهمها هي السر الموجود في هذه النفخة النورانية الالهية من روح الله ومن أمره ثم من بعده حرية الاختيار التي تولد الابداع في البناء والانشاء والعمارة ،ثم العلم المحقق لتسخير خلق الله لادم، ثم طاعة الملائكة لتلك النفخة النورانية التي هي من أمر الله ثم تسخير الكون كله لمساعدة ادم في مهمته وتحقيق الخلافة
الله وفر لادم كل ذلك فخلق كون من أجله وسخره له ونفخ فيه من روحه وعلمه الاسماء كلها وأسجد الملائكة له وأعطاه حرية الاختيار ليحقق الابداع .
لكن هذا العدو لم يرضى بحكم الله ولم يطع أمر الله له بالسجود لادم بخيلاءه وغروره وأبى واستكبر السجود وقال أنا خير منه، انا الاحق منه للخلافة، هو من طين وأنا من نار، كان يجب أن أكون أنا مكانه، فلما رأه الله انه استكبر ولم يعترف بخطئه طرده من الجنة وعلى ذلك كان إبليس وهو اعرف الخلق بربه بكثرة عبادته فدعاه ايا رب انظرني إلى يوم يبعثون ، وأنا سأثبت لك ان ادم وذريته لا يستحقون هذا الاستخلاف
فقال له الله انك من المنظرين ولك ما طلبت واقسم ابليس بعزة الله انه سيقعدن لنا صراط الله المستقيم ليحيدنا عنه فأجابه الله ان عباده ليس لابليس عليهم سلطان إلا من أغواه ابليس واتبع إغواءه واجاب دعواه
وأقسم إبليس انه سيغوي كل بنى آدم وذريته اجمعين دون إستثناء وأنهم جميعا سيقعون في شباك إغواءه إلا عباد الله المخلصين الذين خلصهم الله بفضله وكرمه من اغواء ابليس.
وخرج إبليس من الجنة وقد أصبح لحياته هدف آخر غير المنافسة على مكانة الملائكة الا وهو منافسة هذا الادمى المخلوق من طين على الاستخلاف في الارض فالملائكة لم يعدوا هم خير الاخيار لانهم سجدوا لهذا المخلوق من طين
خرج ابليس من الجنة وهو يخطط ويدبر ليخرج ادم ايضا من الجنة كما خرج هو ولم يكن يدرك أن في تدبيره تحقيق لمراد الله الذي هو استخلاف ادم في الارض وليس في الجنة ففي الجنة قدخلق الله لادم كل شيء واحل له من ثمرات كل اشجار الجنة الا شجرة واحدة حرمها عليه وعلى وزوجه وكان في ذلك اختبار لادم ،فمن يصنع آلة لنفسه يجربها ليختبرها هل هذه الالة تحقق ما صنعت من اجله ام لا
فأختبره الله بهذه الشجرة المحرمة حتى تسلل ابليس الى الجنة ويقال انه تسلل في صورة حية ويقال انه ارسل لادم وزوجة حية لتقوم بمهمته الجديدة
ولو قال ابليس لادم اعصي ربك وكل من الشجرة المحرمة لما فعلها ادم لكن الاغواء لا يكون ابدا بطلب العصيان بشكل مباشر بل كان لا بد من اسلوب مغوي ومقنع وفي نفس الوقت تظهر فيه المعصية تقرب وطاعة
واقنع إبليس آدم واغواه انه يجب الا يرضى بطبيعته البشرية التي خلقه الله عليها ويجب عليه أن يكون ذو طبيعة أرقى تستوجب الخلود لا الموت او تستوجب مكانة الملائكة وأنسى ابليس ادم ان الملائكة نفسها سجدت له بأمر الله
ثم اغواه ان تلك الشجرة التي حرمها الله عليه تحقق له ذلك إما الخلود أو مكانة الملائكة فأكل منها آدم وزوجه وبدت لهما سوءاتهما
واخذ ادم يتوارى لا يعلم أين يذهب وأين يفر من الله فسأله الله اتفر مني يا آدم فقال له آدم بل استحيي منك يارب وعاتبهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة كما عاتب ابليس حين عصى وقال له ما لك الا تكون مع الساجدين
لكن ادم كان رد فعله غير إبليس ولذلك غفر الله له فأبليس استكبر وقال أنا خير منه أما آدم فأعترف بذنبه ولم يقل يارب نحن في الجنة وليس هناك من يكذب ويخدع في الجنة وهكذا كنت اعتقد لكنه تم خداعي وايهامي أن هذه الشجرة تقربني اليك وانا اريد قربك لم يتحجج آدم واعترف بذنبه فعلمه الله كيف يستغفر وغفر له، لكن تم طرده من الجنة هو وزوجه وابليس بعدما عرف آدم أن له عدو متربص به وعليه ألا يطيعه وأنه عز وجل وضع صراط مستقيم لادم وذريته ووضع منهج هداية لهذا الصراط فمن تبع هدى الله فلا خوف عليهم من اغواء ابليس ولا هم يحزنون
الصراط المستقيم ومنهج الهدى ،المنهج النبوي الشريف
الله سبحانه خلق آدم ليجعله خليفته في ارضه وليعمر الارض به وجعل فيه كل الأدوات لمساعدته ،كما خلق لكل هدف سواء دنيوي او اخروي طريق مستقيم لتحقيقه.
ومعروف ان اقرب مسافة بين نقطتين تكون في شكل خط مستقيم ،فكان هذا الطريق المستقيم هو الطريق المختصر والاسرع والموصل للهدف ايا كان هذا الهدف
وسمى الله هذا الطريق المستقيم بصراط الله المستقيم وصراط المنعمين وسبيل الله
اما ابليس فهو على وعده ووعيده وعداوته لادم وذريته وهو مترصد لهم ليضلهم عن هذا الصراط المختصر والاسرع والموصل ويهديهم سبل شيطانية أخرى لا توصلهم أبدا ،ولان الله يعلم ذلك في إبليس وضع منهج واضح وصحيح ومكتمل و محفوظ من التحريف وكذلك خاتم وناسخ لكل المناهج من قبله وانزله على خير خلقه واحب عباده ورسله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجعل فيه السعادة والسكينة والراحة والرضا في الدنيا والفرح في الاخرة ،وارتضى هذا المنهج لعباده وهدى اليه من يشاء،وهو صراط الله المستقيم
والطريق الوحيد الموصلة لكل الاهداف سواء كانت دنيوية او اخروية،وجعل عز وجل لهذا المنهج النبوي الهادي إلى صراطه المستقيم قسمان لا بد أن يتحققا معا من اجل الهداية التامة
فكان القسم الاول هو هداية باطنية سماوية تتمثل في هداية العلم والتبيان ،فلكل هدف طريق واحد موصل معرفة هذا الطريق وتحديده والعلم به هي هداية العلم والتبيان ،اما القسم الثاني فهو هداية ظاهرية ارضية تتمثل في التوفيق في التطبيق اي في تطبيق هذا العلم على ارض الواقع
وكان من الناس قسم من اهتدى للعلم والتبيان كأهل الكتاب ولم يطبقوا هذا العلم فغضب الله عليهم واضلهم عن الطريق وجعلهم في ظلمات وهم اليهود
ومن الناس قسم اهتدى بالتطبيق دون فهم كالحمار الذي يحمل اسفارا فأضلهم الله عن صراطه المستقيم وجعلهم من الضالين وهم النصارى الذين يقولون أن عيسى ابن الله وان الله ثالث ثلاثة فهم يصلون ويعبدون دون علم وفهم وتبيان
وقد نكون من المغضوب عليهم ولسنا يهود وقد نكون من الضالين ولسنا نصارى لاننا لم نحقق تمام الهداية بقسميها
والمنهج النبوي هو منهج تزكية النفس لتحقيق هداية التوفيق في التطبيق ومنهج الذكر لتحقيق هداية العلم والبيان يقول عز وجل
{قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}
وقد افلح من اتبع هذا المنهج والفلاح هو النجاح في الدنيا والاخرة وهو اجابة دعاء ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة اي يارب حسنة الدنيا والاخرة معا لا حسنة الدنيا فقط ولا حسنة الاخرة فقط وهذا هو عين الفلاح
اذن المنهج الوحيد الذي يهدي الى صراط الله المستقيم والذي يسعى ابليس ان يضلك عنه هو المنهج النبوي الشريف
والذكر يهدي إلى العلم وإلى تحديد الطريق الموصلة للهدف ويهدي كذلك إلى تذكر الإنسان لحقيقة نفسه التي سمي إنساناً لانه نساها ويهدي ايضا الى معرفة الله حق معرفته اما تزكية النفس فهو التطبيق للارتقاء بها إلى مستوياتها العليا ولتصبح في شفافية الروح ونورانياتها فتتبع امر الله فيها وتحقق مراده بالتطبيق الملموس على ارض الواقع وكذلك لتستمد من نور الروح الذي هو حلقة الوصل بين الرحمن وعباده فتتصل بالله وتسجد لها الملائكة
ولان ابليس يلاحظ ويدرس ويخطط ويستعين بجنوده واعوانه ،وضع الخطط ليضل بني ادم اما عن هداية العلم او هداية التوفيق او الاثنان معا المهم ان يقطع عنك هذا النور وهذا المدد وينسيك الدور الحقيقي الذي جئت الارض من اجله فيضعك في دائرة لا تنتهي وحلقة مفرغة ليس لها اخر وتجد عمرك كله يضيع من اجل السعي وراء لقمة العيش واقل القليل ويجعلك خدام لقمة العيش وقد يغويك لتسرق او ترتشي والادهى والامر ان يضع امامك نماذج لاناس حقوقوا ملايين الدولارات بسهولة وسرعة ودون بذل اي مجهود لتترك حتى خدمة الناس من اجل لقمة العيش وتتجه لسلوك هذا السبيل السريع للوصول لمرادك في وقت قصير وهو في الحقيقة تحقيق لمراد ابليس
ونرى ذلك واضحا في احد تطبيقات التواصل الاجتماعي فنجد الشيخ الكبير يظهر ليرقص ويتمايل ويجمع المشاهدات ليحقق الشهرة والدولارات ونجد تلك التي تروج لما يتنافى مع الاداب العامة وسلوكيات المجتمع من اجل ايضا تحقيق الثروة في وقت قصير ودون بذل مجهود او دون عمل ذو قيمة يحقق الغرض الذي خلقت من اجله
ولم يتوقف ابليس في اغواءه عن ذلك بل تربص بكل من يسعى للخروج من الظلمات إلى النور وايقاظ روحه بمناهج طاغوتية غير معلومة المصدر تدعي أنها تخرج من الظلمات إلى النور وتحقق السعادة والسلام النفسي وتبين للانسان الدور الحقيقي والغاية من الحياه وهي مناهج في الاصل بوذية او هندوسية او حتى وان كانت يهودية او مسيحية فهي محرفة ليست بكمال منهج نبينا صلى الله عليه وسلم
فبدل الصلاة أمورهم بالتأمل المعتمد على عبادة الكون واليوجا وبدل الذكر امروهم بهمهمات وطلاسم غير مفهومة وبدل التزكية اوهموهم بتنمية بشرية وذاتية مزيفة تعتمد على تعظيم النفس وتضخيمها والاغفال عن حقيقتها فيجد تابعيها ان روحه بدأت تستيقظ لكنه لا يعلم انها اصبحت مريضة فتوهمه تارة انه المهدي المنتظر وتارة انه نبي اخر الزمان وتارة انه عيسى ابن مريم وتارة انها مريم العذراء وتارة انها روح عادت مرة اخرى للحياه بسبب التناسخ الروحي او الكارما وقد توهمه بالالهوية في النهاية وتأمره تلك الروح المصابة بالمرض بالتحرر بإيذاء الجسد او بقتل الابناء بطريقة بشعة وطهيهم واكلهم او بقتل النفس او بذبح شخص او بكتابة طلاسم غير مفهومة على الحيطان او تعلمه السحر والاستعانة بالجن او بيع روحه للشيطان والسجود له
وصدق الله ورسوله حين وصف هذا الصراط بأنه صراط المغضوب عليهم لانه يخرجهم ليس فقط عن الصراط المستقيم بل عن الملة ايضا وقد يسلك بك ابليس سبيل اخر من سبله ليضلك عن صراط الله المستقيم وهو ان يوهمك ان العبادة الحق هي ان تزهد في الدنيا وان تعتزل الخلق وتقضي باقي عمرك في جبل بعيد عن البشر تصلي وتصوم وتذكر وتقتات على الفتات وبذلك انت تحقق مراد الله لك وهذا السبيل ليس الحق لان الله يريدك الا تنسى حظك من الدنيا لكن في الحدود التي وضعها واحلها لك والله جعل العمل عبادة وخلقك للحركة وللسعي في ارض الله وجعل منهج يعلمك كيف تتعامل مع الناس ويحدد علاقاتك بهم فكان المنهج النبوي هو طريق الشكر وليس طريق الزهد وقال احد العارفين ليس الزهد في الا تملك شيء بل الزهد الا يملكك شيء فالدنيا في يدك لا في قلبك ،فالمنهج النبوي هو طريق الهدى وهو طريق الفلاح وهو طريق الشكر وهو الصراط المستقيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله الاطهار الى يوم الدين