بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي إمام وخطيب ومدرس على درجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
في خضم انشغال العالم بالمناهج والدرجات والمنافسة الأكاديمية، جاءت بعض المدارس المصرية لتعيد ترتيب الأولويات، فالتربية قبل التعليم، والإيمان قبل المعرفة، والخلق قبل التفوق. لقد أدركت تلك المدارس أن المدرسة ليست مكانًا لتكديس المعلومات في عقول الطلاب، بل ميدان لتزكية النفوس وبناء الإنسان بناءً متوازنًا يجمع بين العلم والأدب، وبين العقل والروح.
من هنا انطلقت فكرة إقامة صلاة الظهر جماعة داخل الحرم المدرسي، حيث يؤدي الطلاب والطالبات صلاتهم بخشوعٍ ونظام، كل في مكانه المخصص، في أجواء من السكينة والإيمان. هذه المبادرة البسيطة في ظاهرها تحمل في باطنها رسالة عظيمة، فهي تزرع في القلوب حب الطاعة، وتربط الطالب بخالقه وسط زحمة اليوم الدراسي، وتغرس في وجدانه أن الصلاة ليست فريضةً عابرة، بل سلوكٌ يومي يربي على الانضباط والالتزام.
الطالب حين يقف بين يدي ربه في صفٍ منتظمٍ إلى جوار زملائه، يتعلم دروسًا في الوحدة والنظام والاحترام أكثر من أي درسٍ آخر. يتعلم أن وقت الصلاة مقدس كقدسية العلم، وأن الالتزام بها هو صورة من صور الأدب مع الله ومع الناس. ومع مرور الأيام، تصبح الصلاة عادة طيبة، وسلوكًا أصيلًا، وميزانًا يزن به الطالب تصرفاته ويهذب به نفسه، فينخفض صوته احترامًا، ويهدأ غضبه حياءً، ويزداد خلقًا ووقارًا.
وقد لا تخلو التجربة في بدايتها من بعض الصعوبات، فمن الطبيعي أن يخطئ بعض الطلاب أو يتهاون البعض في البداية، لكن المهم هو الاستمرار في التربية والتوضيح، فبالتكرار والقدوة يتعلم الجيل معنى الالتزام، وبالصبر والمثابرة تُغرس القيم في القلوب حتى تصبح جزءًا من الشخصية.
ولعل أجمل ما في هذه الخطوة أنها لا تخص طلابًا بعينهم، بل تمتد لتشمل المدرسة كلها؛ إدارةً ومعلمين وعاملين، فالكل يصبح جزءًا من هذا الجو الإيماني الذي يعيد للمدرسة هيبتها ومكانتها، ويعيد للمعلم دوره التربوي العظيم، فهو ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، بل مربٍ للضمير ومهذبٌ للوجدان.
ومن الواجب أن نرفع أسمى آيات التقدير لكل إدارة مدرسة آمنت بهذه الفكرة وحرصت على تنفيذها رغم ما فيها من تنظيمٍ وجهدٍ ومتابعة، ولكل معلمٍ احتضن طلابه بحبٍ وصبرٍ، وسعى لأن يزرع فيهم احترام الوقت وقدسية الصلاة. إن هؤلاء المعلمين والإداريين يستحقون التكريم، لأنهم يقدمون للوطن خدمةً تربويةً أعظم من أي درسٍ في كتاب، خدمة تبني الأخلاق وتُصلح النفوس وتُعلي القيم التي تُصان بها الأمم.
وفي الختام، فإن الأخلاق هي تاج الأمم وسر نهضتها، وهي الثمرة الكبرى لأي تعليمٍ ناجح. فحين تؤدي الصلاة دورها في تهذيب النفس، وتؤدي المدرسة رسالتها في ترسيخ القيم، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو بناء جيلٍ واعٍ، متدينٍ بلا تشدد، خلوقٍ بلا تكلف، واثقٍ بنفسه، مخلصٍ لوطنه. إن العلم بلا خلقٍ كالنور بلا حرارة، أما حين يجتمع الإيمان بالعلم، والخلق بالمعرفة، فحينها فقط تُشرق شمس مصر بأجيالٍ راقيةٍ تصون قيمها وتنهض بها إلى المجد والرفعة.