قد تتوالى على الإنسان أحمال من الآلام والأحزان أو أثقال من المصائب والبلايا، والتي إن عَظُمت وطالت ربما تقتل الإنسان، وهذه سنة الله في الدنيا، قال تعالى: {وُلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 155]، فجعل الله عز وجل البكاء متنفسًا للإنسان يُخَفِف عن نفسه من آلامه وأحزانه ومخرجًا لهذه العواطف السلبية؛ حتى لا تنفجر داخل القلب، ولم يسلم من هذه المِحن أحد لا نبي ولا رسول.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دخل على ابنه إبراهيم وهو يموت ويجود بنفسه فَقَبَّله وشَمَّه، فجعلت عيناه تذرفان، فتعجب عبد الرحمن بن عوف من بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: “يا ابن عوف إنها رحمة”، ثم قال صلى الله عليه وسلم: “إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون”.
فالبكاء يغسل القلوب من هَمِّها وينظفها من كَرْبها وهو مع ذلك مغفرة للذنوب وتكفير للسيئات، كما قال صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المسلم من: نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه”.
فالبكاء نعمة ودموع العين منة من الله تعالى، وهو لغة الحزن الصامتة، وهو اللغة المشتركة بين الإنسان والطير والحيوان، فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما حائطا من حيطان الأنصار، فإذا فيها جَمَل، فلما رأى الجملُ النبيَ صلى الله عليه وسلم حَنَّ إليه وَذَرَفَتْ عيناه، فمسح صلى الله عليه وسلم ذِفراه، فسكن، فسأل صلى الله عليه وسلم: “مَن صاحب الجَمل؟
” فقال رجل من الأنصار: هو لي يا رسول الله، فقال: “أما تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلّكَكَها الله، إنه شكا إلي أنك تُجيعه وتُدئبه”.
وعلى العكس تماما هناك مشاعر من الفَرَح والسَّعادة ووالسرور لا يقوى الإنسان على تحملها أو كتمها فتخرج عن طريق البكاء وتظهر عن طريق سيلان الدموع وهو ما يُعرف بـ(قُرَّة العين)، وهي دموع الفرح، والذي طلبها عباد الرحمن في أزواجهم وذرياتهم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74]، أي نرى من أزواجنا وذرياتنا شيئاً يُفْرح القلب ويَشرح الصدر، حتى تبكي العين.
أما قُرَّة عين النبي صلى الله عليه وسلم وفرحة قلبه فكانت في الصلاة الخاشعة والتي في حلاوتها ومحوها للهموم والأحزان يقول صلى الله عليه وسلم: “حُبِّب إلي النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة”، فكان صلى الله عليه وسلم يبكي من شدة فرحه بالصلاة وحبه للوقوف بين يد الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء أي يغلي جوفه بالبكاء، وهو أرقى أنواع البكاء وهو البكاء من خشية الله، والذي ينجو به الباكي من بكاء يوم القيامة، كما في الحديث: “عَيْنَانِ لاَ تَمسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ اللهِ”، وهو البكاء الذي مَدح الله به أهل العلم والخشية فقال في وصف دموعهم: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}[الإسراء: 109].