الإسلام دعوة عالمية 2
10 نوفمبر، 2025
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم الكاتب الصحفى : مؤمن الهباء
رئيس تحرير جريدة المساء الأسبق
قدمت فى مقال الأسبوع الماضي نبذة سريعة عن كتاب (الإسلام دعوة عالمية) للأستاذ عباس العقاد وما يتضمنه من عروض ومختصرات لما كتبه بعض المستشرقين ليؤكد بها أن دعوة الإسلام قد طافت العالم، استقبلها البعض استقبالا حسنا منصفا وإن لم يعتنقها، وتقبلها آخرون بالطعن والتشويه، وابتدأت بكتاب “رأي فى نبي الإسلام” للزوجين توماس، واليوم أقدم ملخصا لما عرضه العقاد فى كتابه عن المستشرق الفرنسي (روم لاندو)، الذى زار وأقام فى بعض الدول الإسلامية الإفريقية، وأنجز كتابا رائعا بعنوان ( الإسلام والعرب)، يقول العقاد إنه ألم فيه بعجالة حسنة عن نشأة الإسلام وسيرة النبي وبلاغة القرآن ووسائل نشر الإسلام ومشكلات العالم الإسلامى السياسية والفكرية، والفرق الدينية والحروب الصليبية وغزوات الاستعمار الحديث والصهيونية.
يثنى العقاد على “لاندو” كثيرا، فيقول إنه مثل صالح للمستشرقين المنصفين، عكس أولئك المستشرقين والمبشرين الذين يقيمون فى بلاد الإسلام ليبحثوا عن أسباب للتشهير والانتقاص، فيبالغون فيها، أو يختلقون مالم يجدوه، ونقل عنه قوله “إن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مفطورا على التدين، مستعدا بطبيعته لرسالة الإصلاح التى تلقاها فى رؤاه ومشاهداته الخفية، وكان مع هذه الفطرة الروحانية رجلا عمليا، فطن ببديهته لما انطوى عليه المزاج العربي من قوة وضعف، وأدرك أن الأناة واجبة فى تلقينهم آداب الإصلاح، وقد تأصل فى روعه إيمان بالتوحيد لا يقبل الهوادة ولا المصانعة، وعزيمة صادقة على استئصال كل أثر للوثنية التى فشت فى الأمة العربية، وقد كانت رسالة محمد مهمة هائلة جسيمة، لايقدر عليها إنسان يصدر فى أعماله عن المنفعة والأنانية، ويرجو أن يحققها بمجهوداته أو بمساعيه الذاتية، ولا شك البتة فى بطلان تلك الأكاذيب التى تزعم أن الآيات الموحاة إليه وليدة نوبات من الصرع كانت تنتابه بين آونة وأخرى، إذ ليس بوسع المصاب بتلك النوبات أن يتلقى فيها نسقا من الكلام له ما للقرآن من العمق وانتظام التركيب، وأن الإخلاص الذى أدى به رسالته، واليقين الراسخ فى نفوس أتباعه بصدقه، والامتحان الذى اختبرت به رسالته مدى السنين والأجيال، لهي من الدلائل على أن محمدا ـ عليه السلام ـ براء من شبهة الخداع والادعاء، وهاهو الإسلام باق بعد ثلاثة عشر قرنا يجذب إليه المؤمنين عاما بعد عام، وقد خلا التاريخ من مثل واحد على دعوى من دعاوى الخداع أفلحت فى إقامة دولة شامخة، وحضارة من أنبل الحضارات الإنسانية”.
وفى تبرير حيرة الغربيين فى فهم سر بلاغة القرآن يقول (لاندو):
“إن الغربيين يجهلون مناسبات النزول، وأن ترتيب الآيات على حسب مواقعها سبب من أسباب حيرة القارئ الغربي عند تلاوة القرآن، وأن السور المطولة تنزلت فى أخريات أيام النبي، وفيها بيان الأصول الشرعية وقواعد الحكم وتدبير الشئون العامة، مما يتتبعه القارئ الغريب فلا ينشط لقراءته، وإنما يدرك هذا القارئ بلاغة الكتاب فى قصار السور التى تنزلت بمكة، واحتوت من حماسة الروح ما هو جدير بالانتباه والتوقير”.
ويقول عن الحروب الصليبية:
“إن أوروبا كانت فى حاجة إلى منفس لما أصابها من الفقر والمرض، ووجدتها فرصة للهجرة إلى الشرق فى حركة من حركات الاستعمار، تمضى فيها البواعث الاقتصادية إلى جانب البواعث الدينية، وقد وجد الصليبيون فى الشرق حضارة مادية وثقافية أرفع مما كانوا يعهدونه فى معيشتهم، وعادوا إلى بلادهم بثمرات شتى من الحضارة المادية كالسكر والحرير والعطور والأصباغ، كما أخذوا من الشرق تأسيس نظام العملة الذهبية ومعاملات المصارف، واستفاد الغرب والشرق معا من تبادل الخطط فى المسائل الحربية، على أن العرب لم يستفيدوا كثيرا من اتصالهم بالصليبيين، وكل ما عرفوه من معاملتهم أنهم جشعون متعصبون متهوسون بجنون القتال والتدمير”.
وعن فضل المسلمين فى إحياء الفلسفة كتب:
“إن قصة كشف المسلمين عن الفلسفة اليونانية ونقلها إلى الغرب لهى فصل من أجمل فصول التقدم الإنسانى من الجهالة إلى المعرفة، وما كانت المخطوطات اليونانية بالشيء النادر فى أرجاء القارة الأوروبية، ولكنها كانت ـ أو معظمها ـ مدفونة أو منسية فى الأديرة، ولم تكن لها ترجمات لاتينية، وقد امتازت القسطنطينية بوفرة هذه المخطوطات، ومنها ومن بلاد فارس عرف العرب ماعرفوه عن الإغريق”.
وعن اغتصاب اليهود لفلسطين يقول (لاندو):
“إن العرب ـ وهم ساميون ـ قد عاشوا فى سلام مع اليهود الساميين، وعطفوا عليهم لما ابتلوا به من مظالم النازية، ولكنهم لايفهمون لماذا يتحملون وحدهم أعباء الغيرة الإنسانية التى يصطنعها الغرب لرعاية اليهود”.
وأكمل الأسبوع القادم إن شاء الله.