مصر درة الأوطان

بقلم الدكتور: إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية 

مصر ليست مجرد بقعة جغرافية متميزة على خارطة العالم فحسب، بل هي التي علمت العالم معنى الحضارة، والمتحف المصري الكبير الذي تم افتتاحه أول هذا الشهر، يؤكد ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، فالمصري القديم هو أول من قرأ وكتب وأول من زرع وحصد وأول من تاجر وصنع وأول من عبد الإله الواحد الأحد قبل الزمان بزمان، ومصر هي قلب العروبة والإسلام النابض، ومهد الحضارات التي اصطفاها الخالق سبحانه وتعالى لتكون رائدة في مسيرة الحضارة الإنسانية، فهي ليست ريادة مكملة ولكنها ريادة بادئة وغير مسبوقة، أتاحت للبشرية آفاقًا من التطور لم تكن متاحة من قبل.

فمصر تحظى بمكانة خاصة متجذرة في أصل العقيدة والتاريخ؛ فهي الأرض الوحيدة التي تجلى الله سبحانه وتعالى إلى أحد الجبال فيها (جبل الطور)، وهي أرض مباركة، ومحطة مهمة في تاريخ العديد من الأنبياء والمرسلين، فنبي الله موسى عليه السلام وُلد في مصر ونشأ وترعرع في قصر الفرعون، وفيها كانت دعوته وخروجه من مصر بقومه (بني إسرائيل)، ونبي الله هارون عليه السلام هو شقيق سيدنا موسى عليه السلام، وُلد وعاش جزءًا من حياته في مصر، وكان وزيرًا لسيدنا موسى ومتحدثًا باسمه، ونبي الله يوسف عليه السلام جاء إلى مصر صغيرًا، وأصبح فيما بعد عزيز مصر (وزيرًا مسئولًا عن خزائنها)، وأقام فيها هو وأهله بعد ذلك، ونبي الله إدريس عليه السلام تشير بعض الروايات إلى أنه كان أول من بُعث بأرض مصر (أو أرض الكنانة)، وأنه عاش فيها فترة من الزمن، وهناك كثير من الأنبياء الذين زاروا مصر أو مروا بها، ومنهم نبي الله إبراهيم عليه السلام (أبو الأنبياء) فقد هاجر إلى مصر من فلسطين ومكث فيها فترة، ومن مصر أهدى له ملكها الأميرة السيدة هاجر (أم النبي إسماعيل عليه السلام)، ونبي الله يعقوب عليه السلام، فقد قدم إلى مصر مع أبنائه وأهله؛ ليعيشوا مع ابنه يوسف عليه السلام في أرض جوشين (وهي الشرقية الآن)، ونبي الله عيسى عليه السلام والعائلة المقدسة، جاءوا إليها، وكان وقتها سيدنا عيسى طفلًا رضيعًا تحمله أمه السيدة مريم العذراء ويوسف النجار هربًا من بطش الملك هيرودس، ومكثوا في مصر بضعة أعوام قبل أن يعودوا إلى فلسطين.

فمصر كانت، وما زالت، عبر التاريخ هي المأوى الآمن الذي يلجأ إليها الأنبياء والصالحون والمستضعفون من كل بقاع الأرض، وكل مَن ضاقت به السبل بحثًا عن الأمن والأمان والرزق؛ فقد ورد ذكر اسم مصر في القرآن الكريم بشكل صريح خمس مرات، وذُكر تلميحًا أكثر من 30 مرة، كما ذكر مقترنًا بالأمن والأمان والاستقرار، في موضع يضاهي ذكر المسجد الحرام، حيث قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، كما قال تعالى : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ).

كما خص النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” مصر بوصية خاصة بأهلها، مسلميها ومسيحييها بقوله: “استوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا”، وتأكيدًا على هذا الترابط الجذري، فإن المصريين هم أخوال العرب كافة، من خلال السيدة هاجر، أم نبي الله إسماعيل عليه السلام، الأمر الذي يمنح هذه العلاقة بعدًا فريدًا ومقدسًا.

ولم تقتصر مكانة مصر على التاريخ الديني، بل امتدت لتشمل القيادة العلمية والسياسية؛ فالأزهر الشريف لم يكن يومًا مجرد جامعة، بل كان وما زال منارةً للعالم الإسلامي ومؤسسةً دينيةً وسياسيةً واجتماعيةً ذات تأثيرٍ عميق، وكانت مصر ولا تزال “مصنع الرجال والعقول المبدعة”، وقبلة طلاب العلم لأكثر من أربعة قرون، فمن أرضها تخرج الأساتذة لتعليم العالم، وإليها رحل العلماء الكبار كالشافعي والقرطبي ليتفوقوا ويبرزوا.

كما حملت مصر راية الخلافة الإسلامية لقرابة ثلاثة قرون، تدير شئون العالم الإسلامي بعقول وحكمة أبنائها، ويؤكد التاريخ أن مصر هي “كنانة الله” التي لم تخضع أبدًا إلا لله سبحانه وتعالى الواحد القهار، فقد صدّت الغزو التتري وأذاقته الهزيمة الساحقة في “عين جالوت”، وأذلت الحملة الصليبية السابعة، وأسرت ملكهم لويس التاسع، ولم تكتفِ بذلك، بل سحقت كل المحتلين الذين طمعوا فيها أو أرادوها بسوء عبر العصور؛ الفرس الأخمينيون (525 ق.م)، كسرت شوكتهم وطردتهم بعد فترات من المقاومة قادت في النهاية إلى استعادة الحكم الوطني (قبل دخول الإسكندر)، الرومان (30 ق.م)؛ قامت بثورات متواصلة ضدهم على مر القرون حتى سقطت سيطرتهم أخيرًا بانتهاء العصر الروماني والبيزنطي، العثمانيون (1517 م)؛ لم تتوقف مقاومتها لسيطرتهم، وشهدت فترات صعود للقوى المحلية التي حاولت استعادة استقلالها، إلى أن تخلصت منهم رسميًا في القرن العشرين، الفرنسيون (حملة نابليون 1798 م)؛ أشعلت ثورات ضدّهم (كثورة القاهرة الأولى والثانية)، وأجبرتهم على الانسحاب من البلاد بعد ثلاث سنوات فقط؛ بفضل المقاومة الشعبية والتحالفات الخارجية، البريطانيون (1882 – 1954 م)؛ واجهتهم بثورة تلو ثورة (كثورة 1919)، وناضلت ضدهم سياسيًا وعسكريًا حتى جلاءهم الكامل، وأعلنت جمهوريتها المستقلة، وأثبتت أن إرادة شعبها لا تُقهر، لتظل دومًا حصن الصد والمنعة للأمة.

أما الحديث عن كرم أهل مصر، فيكفي ذكر موقفهم التاريخي في إغاثة العالم زمن نبي الله يوسف عليه السلام عندما حلت المجاعة، كما تجلّى كرمهم أيضاً عندما أغاثوا المسلمين عام “عام الرمادة” في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مؤكدين بذلك أصالة هذا الجود المتأصل في طباعهم.

إن إحياء مجد مصر يفرض مسئولية مزدوجة على أهلها وعلى الأمة العربية والإسلامية؛ فالنهوض لن يتحقق إلا بوحدة أبنائها، ولهذا يجب على أهل مصر أن يجتهدوا في العمل بإخلاص كل في مجاله؛ حتى تكتمل نهضتها وعودتها إلى دورها القيادي؛ فمصر تمتلك الأرض الطيبة والموارد الطبيعية واليد العاملة المتقنة، مما يجعلها بيئة خصبة للاستثمار لجميع المستثمرين من شتى بقاع الأرض.

فمصر ليست مجرد دولة يمكن أن تُهمل، بل هي ركن ركين، ونهضتها لا تتحقق إلا بالتعاضد واستثمار الطاقات الهائلة التي وهبها الله لهذه الأرض المباركة، فهنيئًا لك يا مصر بأرضك وشعبك وجيشك القوي الأمين.