الإختلافات الجذرية بين العلوم الدينية والعلوم السياسية

بقلم الدكتور: حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس 


سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الثالث:

 هناك اختلافات جذرية وجوهرية بين العلوم الدينية والعلوم السياسية :
حيث إن مبادئ وقضايا الأديان بوجه عام واضحة وظاهرة وثابتة كمبادئ عامة ولكن قضايا السياسة ترتبط بمصالح متغيرة بعضها معروف على السطح وبعضها غير معروف للعامة، ولذلك قضايا الدين ثابتة لكن السياسة متغيرة بتغير المصالح والزمان والمكان، قضايا وأمور الدين واضحة للجميع وثابتة لكن السياسة جزء كبير منها غير واضح ومتغير وبه كثير من الأسرار والخبايا غير المعلنة، فالدين مبادئ سماوية من الله سبحانه وتعالى لكن السياسة من صنع البشر وتتغير بتغير البشر والزمان والمكان.

لكن الدين ثابت لا يتغير، الدين من السماء والسياسة من الأرض، الدين صدق ومحبة، السياسة مصالح بها كثير من الأكاذيب، والاحقاد وتصفية الحسابات والمصالح  الدين واضح معلن، السياسة غير معلنة، الدين من السماء منير واضح للجميع، السياسة من صنع البشر وهى كالبحر العميق ما خفي منه أكبر. وهذا هو الفرق الكبير بين السماء الصافية المنيرة الواضحة في مقابل البحر العميق غير الواضح وصعب معرفة ما يحتويه ومن هنا يصعب على علماء السماء الذين اعتادوا النور والشمس معرفة ما تحويه البحار العميقة والعكس أيضا صحيح

الدين تم نشره عن طريق الانبياء والرسل وهم أعظم خلق الله، لكن السياسة يتم نشرها من خلال بشر على مختلف الألوان فمنهم النقي ومنهم الثوري ومنهم الخائن والكاذب، ومن هنا رجل الدين تعلم وعاش في النور الذي جاء من السماء من خلال أعظم خلقه وهم الرسل الكبار عليهم الصلاة والسلام جميعاً، لذلك رجل الدين يعمل في ظل ثوابت واضحة ثابتة ومعلنة ولا تتغير عكس رجل السياسة وحسابات المصالح المتغيرة في ظل عوامل بعضها معلن وبعضها خفي لا يعلمها إلا القليل وترتبط السياسة بالبشر على اختلاف أنواعهم وأغراضهم بجانب تدخلات خارجية وضغوط للتأثير على صانع القرار ومن هنا صعوبة فهم المجال السياسي بالنسبة لرجل الدين أو لغيره ومن ثم صعوبة الخوض أو التدخل فيه نظراً للاختلافات الكبيرة بين العلوم الدينية والعلوم السياسية وغياب الثقافة العامة بوجه عام مع انتشار الجهل والامية الثقافية


 حاجة كل من رجال السياسة والدين إلى بعضهما البعض :
هناك حاجات ومصالح متبادلة بين رجال الدين ورجال السياسة وكلاهما يعمل على التأثير في الراي العام ومحاولة كسبه وكلاهما محتاج للأخر وكلاهما يسعى لنشر رسالته بين العامة وقد يكون بعضها لوجه الله وبعضها لتحقيق مصالح دنيوية محدودة وكلاهما يسعى لبسط تأثيره وثقافته على معظم وأكبر القطاعات الممكنة، ولذلك هناك نقاط التقاء كثيرة وأيضاً نقاط اختلاف ومن هنا فان رجل السياسة يسعى لكسب تأييد رجل الدين لبسط المزيد من النفوذ والانتشار بين الشعب للاستفادة من رجل الدين لتحقيق أهدافه السياسية، ورجل الدين في حاجة لمزيد من حرية التعبير ونشر الثقافة الدينية بين العامة، ومن هنا هناك مساحة من المصالح أو العلاقات والتأثيرات المتبادلة تختلف من زمن لآخر ومن مكان لآخر ومن شخص لأخر وهنا يولد الكثير من الشبهات فالدين والسياسة مثل السماء والبحر.

ثم أن هناك مصالح متبادلة ومن ثم يكون هناك شبهات كثيرة حيث يسعى كثير من رجال السياسة للتقرب للعلماء من رجال الدين ودعوتهم ومنحهم الجوائز والهدايا واستضافاتهم وتكريمهم وكثير من المميزات الأخرى رغبة في استمالتهم إلى جانبهم، وهذه السياسات منتشرة بشدة في جميع أنحاء العالم الإسلامي ومن مختلف النظم سواء ملكية أو جمهورية ومن ثم فان مجرد قبول دعوة أو مشاركة لرجال السياسة قد تسبب كثير من الشبهات لرجل الدين والواقع به الكثير من الشبهات في هذا المجال مما قد يصعب حصرها وخاصة أنها قد تكون على شكل هدايا أو جوائز أو تعينات ويكفي أن نعرف أن هدايا بعض لاعبي كرة القدم تصل إلى مئات الألوف وأحيانًا ملايين فما بالك بأهمية رجل الدين وقيمته لدى هؤلاء وهناك فعلا من الشيوخ من حصل على هدايا أو جوائز تتعدى قيمتها الملايين من الجنيهات.