تَفَكُّك الأسرة عندما تُسيطر الأنانية
3 أغسطس، 2025
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس على درجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
حين تتسلل الأنانية إلى كيان الأسرة، فإنها لا تكتفي بأن تفسد العلاقة بين الأفراد فحسب، بل تهدم أسس التماسك التي بُنيت عبر سنوات من العشرة والمشاركة والاحتمال. الأنانية، بطبيعتها، تحوّل الفرد من كائن اجتماعي إلى ذاتٍ مغلقة لا ترى إلا مصالحها، ولا تسمع إلا صوت رغباتها، ولا تُبصر إلا ما يحقق لها المكاسب، حتى لو كانت تلك المكاسب على حساب أقرب الناس إليه.
في الأسرة، الأنانية ليست مجرد سلوك سلبي، بل هي مرض خبيث يُفتت الروابط بصمت. يبدأ الأمر بتفضيل النفس على الآخر، ثم بالتقليل من شأن التضحيات، ويستمر إلى أن يصل الجميع إلى نقطة يشعر فيها كل فرد بأنه في معركة مع البقية، لا علاقة حقيقية تربطه بهم سوى المصالح المؤقتة.
فالأب الذي يظن أن دوره لا يتعدى توفير المال فقط دون اهتمام أو مشاركة وجدانية، والأم التي تعتقد أن بيتها وحده يكفيها دون مراعاة احتياجات زوجها وأبنائها النفسية، والابن الذي يتمرد على الجميع ساعيًا لتحقيق ذاته خارج نطاق الاحترام والمسؤولية، والابنة التي تهرب من الحوار إلى العزلة والإنغلاق… كل هؤلاء حين تتحكم فيهم الأنانية، يسلكون طرقًا مختلفة متباعدة، تنتهي جميعها في طريقٍ مسدود.
ولا شك أن من أبرز نتائج سيطرة الأنانية داخل الأسرة هو غياب التعاطف، ثم غياب الحوار، ثم انعدام الشعور بالانتماء. وما الأسرة إلا كيان ينهار عند فقدان هذه العناصر الثلاثة. فالأنانية لا تزرع في القلوب إلا الجفاء، ولا في الألسنة إلا العتاب واللوم، ولا في المواقف إلا البرود والصدام.
وفي مجتمعاتنا العربية التي طالما كانت الأسرة فيها الملجأ الآمن، والسند الحقيقي، تصبح هذه الأنانية قنبلة موقوتة تهدد استقرار الأسرة بأكملها. ولعل من أسباب تفشي هذه الآفة ضعف التربية على القيم الجماعية، وانغماس الأفراد في ثقافة “أنا أولًا”، والتأثر بوسائل التواصل التي تروج لفردانية مشوهة، لا ترى النجاح إلا في الانفصال عن المحيط، وليس في التفاهم والتكامل مع من حولنا.
إن الخروج من هذا النفق لا يكون إلا بإحياء ثقافة الإيثار داخل البيوت، وإعادة تعريف معنى النجاح العائلي، ليس بمدى امتلاك كل فرد لحريته المطلقة، بل بقدر ما ينجح الجميع في العيش سويًا رغم اختلافاتهم، وبالقدرة على تقديم التنازلات بدافع الحب لا الخضوع.
فالأسرة الناجحة ليست التي يخلو بيتها من الخلاف، بل التي يُحكم فيها الخلاف بالحب والعدل والنية الصافية. وكلما تراجع كل فرد خطوة من أجل الآخر، تقدم الجميع خطوات نحو الاستقرار والطمأنينة.
ولا ننسى أن من رحِم الأسرة تُولد القيم الكبرى التي تنهض بها الأوطان. فإن تشرذمت الأسرة، تفكك المجتمع، وإذا تفكك المجتمع، ضاعت الأمة.