الجمعة , 19 أبريل 2024

رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه


بقلم الأستاذ :على السلامونى

أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي  ” 40 ق هـ/584م – 18هـ/639م ” صحابي وقائد مسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، لقَّبَهُ النّبيُّ محمدٌ بأمين الأمة حيث قال: «إن لكل أمّة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح». وقال له أبو بكر الصديق يوم سقيفة بني ساعدة: «قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح».

أسلم أبو عبيدة في مرحلة مبكرة من الدعوة الإسلامية، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، وشهد مع النبي غزوة بدر والمشاهد كلها، وكان من الذين ثبتوا في ميدان المعركة عندما بُوغت المسلمون بهجوم المشركين يوم أُحُد.
وفي عهد أبي بكر الصديق، كان أبو عبيدة أحد القادة الأربعة الذين عيَّنهم أبو بكر لفتح بلاد الشام، ثم أمر أبو بكر خالداً بنَ الوليد أن يسير من العراق إلى الشام لقيادة الجيوش الإسلامية فيها، فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافةَ عَزَلَ خالداً بنَ الوليد، واستعمل أبا عبيدة، فقال خالد: «وَلِيَ عليكم أمينُ هذه الأمة» وقد نجح أبو عبيدة في فتح دمشق وغيرِها من مُدُنِ الشامِ وقُراها.


إسلامه

لا يُعرف ترتيب أبي عبيدة بين السابقين إلى الإسلام، ولكن ابن هشام في السيرة ذكره في عُصبة أسلمت بعد ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام، والأرجح أنهم لم يُسلموا في يوم واحد، بل أسلموا متفرّقين في أيام، وكان ترتيبهم بأجمعهم بعد الثمانية السابقين، وقبل مَن ذُكر بعدَهم.
ويُعد أبو عبيدة من السابقين الأولين إلى الإسلام، فهو ممن التقاهم النبيُّ في دار الأرقم قبل أن يبلغ المسلمون أربعين رجلاً، وهو صاحبُ النبي من أول الدعوة، وحفظ القرآن منذ تباشير فجره الأولى، وأوذي في سبيل الله فصبر، ونقل ابن سعد أنه هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عُقبة. وقال الذهبي: «إن كان هاجَرَ إلى الحبشة فإنه لم يُطل بها اللَّبث».


هجرته إلى المدينة

هاجر أبو عبيدة من مكة إلى المدينة المنورة، فنزل على كلثوم بن الهدم الأوسي، وبعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الهجرة، آخى بين المهاجرين والأنصار، وقد روى مسلم في الصحيح عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة (زيد بن سهل بن الأسود الخزرجي)، ونقل ابن سعد في الطبقات «أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حُذيفة»، وقيل «أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ».

صفاته وأخلاقه
لقب بأمين الأمة  كما ذكرنا قال ابن حجر العسقلاني: «والأمين هو الثقة الرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكنَّ السياقَ يُشعر بأن له مزيداً في ذلك، لكن خَصَّ النبيُّ ﷺ كلَّ واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان، والقضاء لعلي ونحو ذلك».

مناسبة هذا اللقب كما رواها البخاري: أن العاقبَ والسيدَ صاحبي نجران قدِما إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: «لا تفعلْ، فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبُنا من بعدنا»، قالا: «نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً»، فقال: «لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً حقَّ أمين»، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قُمْ يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة».
وروى مسلم عن أنس: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله فقالوا: «ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام»، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: «هذا أمين هذه الأمة»

زهده
«غَيَّرتنا الدنيا كُلَّنا غَيْرَك يا أبا عبيدة.» عمر بن الخطاب
روى جمعٌ من الرواة قالوا: قدم عمرُ الشام، فتلقاه الأمراءُ والعظماءُ فقال: «أين أخي أبو عبيدة؟»، قالوا: «يأتيك الآن»، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلَّم عليه ثم قال للناس: «انصرفوا عنا»، فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم يَرَ في بيته إلا سيفه وتُرسه ورحله، فقال له عمر: «لو اتَّخذتَ متاعاً، أو قال: شيئاً»، فقال: «يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل».
وفي المعنى نفسه برواية أخرى: أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة: «اذهب بنا إلى منزلك»، قال: «وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ»، فدخل فلم يرَ شيئاً، قال: «أين متاعك؟ لا أرى إلا لِبداً (الصوف المتلبد) وصَحْفةً (وعاء الطعام) وشنَّاً (القربة من الجلد)، وأنت أمير، أعندك طعام؟»، فقام أبو عبيدة إلى جَوْنةٍ (وعاء يشبه السلة أو الجرة يوضع فيه الخبز) فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: «قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك عليّ، يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل»، قال عمر: «غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيرَك يا أبا عبيدة». قال الذهبي: أخرجه أبو داود في سننه وقال: «وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهدَ مَن كان فقيراً مُعدَماً».
وروى ابن سعد عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربعمئة دينار، وقال للرسول: «انظر ما يصنع بها»، قال: فقسمها أبو عبيدة، قال: ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، فقسمها إلا شيئاً قالت له امرأته نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر قال: «الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا».

روايته للحديث
أسلم أبو عبيدة في وقت مبكر من بداية البعثة النبوية، وكان واسع العلم بالكتاب والسنة، إلا أن كتب الحديث لم تروِ عنه إلا أحاديث قليلة. فصحيح البخاري يخلو من الأحاديث المسندة إلى أبي عبيدة، وروى مسلم حديثاً واحداً، وروى الترمذي حديثاً واحداً، وفي مسند الإمام أحمد اثنا عشر حديثاً، إذا حَذَفْتَ المكرَّرَ بقي منها سبعةُ أحاديث، وفي مسند أبي يعلى تسعة أحاديث، يوافق الإمام أحمد في ستة منها، وتبقى ثلاثة أحاديث متضمَّنة في حديث واحد. فيكون مجموعُ ما روي عن أبي عبيدة ثمانية أحاديث، منها ما هو مرسل، ومنها ما هو متَّصل، وصحَّ بعض أسانيد المتصلة وضعف بعضها.

ذكر العلماء أسباب قلة أحاديث أبي عبيدة وغيره من كبار الصحابة ممن لم يرووا أحاديث كثيرة، قال ابن سعد: قال محمد بن عمر الأسلمي: «إنما قَلَّتِ الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يُحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وَلِيَا فسُئلا وقضيا بين الناس، وكلُّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمةً يُقتدى بهم، ويُحفظ عليهم ما كانوا يَفعلون، ويُستَفتَون فيُفتون، وسمعوا أحاديث فأدَّوها، فكان الأكابرُ من أصحاب رسول الله ﷺ أقلَّ حديثاً عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وأبي عبيدة بن الجراح ونظرائهم، فلم يأتِ عنهم من كثرة الأحاديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة… فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم».

صفته الشكلية
«ثلاثة من قريش أصبحُ الناس وجوهاً وأحسنهم خلقاً
وأشدُّهم حياءً: أبو بكر وعثمان وأبو عبيدة.»
جاء في كتاب الطبقات الكبير وسير أعلام النبلاء: «كان أبو عبيدة رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالاً، أجنأ (أو أحنى) أثرم الثنيتين»، وقال الذهبي: «إنه كان يخضب بالحناء والكتم، وكان له عقيصتان».
مهنته
يُروى أن أبا عبيدة كان يعمل في حفر القبور، فقد أخرج أحمد وابن سعد والبيهقي عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ كان بالمدينة رجلان: أبو عبيدة يضرح وأبو طلحة يلحد، فدعا العباس رجلين، فأرسل أحدهما إلى أبي عبيدة والآخر إلى أبي طلحة، قال: «اللهم عن أبي طلحة خَرْ لرسولك»، فوجد أبا طلحة فجاء فألحد له. وأخرج ابن سعد من طريق عبد الله بن أبي طلحة قال: اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﷺ فقالوا: «اللهم خر لنبيك، ابعثوا إلى أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله»، فجاء أبو طلحة فقال: «والله إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد خار لنبيه أنه كان يرى اللحد فيعجبه».
وفاته
وفي عام 18هـ الموافق 639م توفي أبو عبيدة بسبب طاعون عمواس في غور الأردن ودُفن فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *