الأحد , 19 مايو 2024

شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

إعداد : الأستاذ محمد عويس

الشجاعة من أكرم الخصال التي يتصف بها الرجال، فهي عنوان القوة، وعليها مدار إعزاز الأمة، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فالشجاعة صفة لا يتحلى بها إلا الأقوياء الذين لا يأبهون الخوف،

والشجاعةُ خُلُق عظيم، يدَّعيها أكثرُ الناس لأنفسهم، ولا تَثبُت إلاَّ في القليل منهم، عدَّها الحكماءُ عمادَ الفضائل، ورأسَ المكارم؛ إذ جعلوا أصلَ الخير كلِّه في ثبات القلب، ورباطة الجأش، حتى قال بعض العلماء: “إن كل كريهة تُرفع، أو مكرمة تُكتسب، لا تتحقق إلا بالشجاعة”.

وأما نبيُّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد أوتي من الشجاعة أعلاها، ومن النجدة أوفاها، وكان فيه من ثبات القلب ما لم يكن في غيره، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً، ولا كَذُوبًا، ولا جَبَانًا ). رواه البخاري.

كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، يدل على ذلك أنه قام في وجه الكفر وحده، يدعو إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، فتصدى له أهل الكفر جميعاً، وحاربوه عن قوس واحدة، وآذوه أشد الايذاء، وتآمروا على قتله مراراً، فلم يرهبه ذلك، ولم يلن له قناة، بل زاده إصراراً على دعوته وتمسكاً بالحق الذي معه. وقال في إباء وشموخ متحدياً طواغيت الأرض: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه”.
ومن أمثلة ذلك:

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أحسن النَّاس، وأجود النَّاس، وأشجع النَّاس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق النَّاس قِبَل الصوت، فاستقبلهم النَّبي صلى الله عليه وسلم، قد سبق النَّاس إلى الصوت وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: لقد وجدته بحرًا، أو إنَّه لبحر

وشجاعته – صلى الله عليه وسلم – تتجلَّى في هذا الحديث في أنه من شِدة عجَلته في الخروج إلى العدو قبل الناس جميعًا، خرَج على هذا الفرس الذي انقلَب بفضل الله – عز وجل – إلى أسرع ما يكون بعد أن كان معروفًا بالبُطء، وخرج – صلى الله عليه وسلم – ما عليه سَرج، ولم يَخش من الخروج وحْده لكشْف الحال؛ لكي يُطَمئِن أصحابه – صلى الله عليه وسلم.
ومن أمثلة ذلك أيضاً

صعد -صلى الله عليه وسلم- على الصفا، ونادى قريشًا بطنًا بطنًا، حتى اجتمعوا، فصدع بما أُمر أمامهم، وقذف بالحق باطلَهم، وكان -صلى الله عليه وسلم- وحده، وأهل مكة ضده، ومَن آمن معه لا يقدرون على نصرته، فما أشجعَه! وما أشدَّ بأسَه! وما أعظمَ جرأتَه!

ولما أسرى به ربُّه -عز وجل- وعرج به إلى السموات، لم يستر هذه الحادثةَ العظيمة عن الناس؛ بل قذف بها بينهم غيرَ هيَّابٍ منهم، ولا آبهٍ بتكذيبهم وسخريتهم، فارتدَّ أناس بسببها، ولكن أبا بكر صدَّقها، ومن يومها سُمِّي الصدِّيق -رضي الله عنه وأرضاه-.

يقول القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: “وأمَّا الشجاعة والنجدة، فكان -صلى الله عليه وسلم- منهما بالمكان الذي لا يُجهل، قد حضر المواقف الصَّعبة، وفرَّ الكماة والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه -صلى الله عليه وسلم”.

وعن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قال: “رأيتني يوم بدر ونحن نَلوذ بالنبي وهو أقربنا إلى العدو، وكان – صلى الله عليه وسلم – من أشد الناس يومئذٍ بأسًا”.

فلننظر إلى شجاعة النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وهو الذي يَملِك أن يَأمر، فيُطاع بلا تردُّد، إلا أنه يأبى إلا أن يكون أوَّل المسارعين لمواجهة الشدائد والصِّعاب، بل لمواجهة الأعداء، فصلَّى الله على مَن علَّم الدنيا كيف تكون شجاعة الرجال.

لقد كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مضرب المثل، ومحط النظر، فهو شجاع في موطن الشجاعة، قوي في موطن القوة، رحيم رفيق في موطن الرفق، فصلوات ربي وسلامه عليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *