الأحد , 19 مايو 2024

 نعْمَة الرَسُول ﷺ عَلَى الثَّقَليْنِ 

الحمد لله الذي كرَّس خواص عباده من الأنبياء والأصفياء بالرسوخ في معالم الدين ووفقهم لمعرفة جزء من كنه ذاته مجملا بسبب آياته المنقوشة على كتابه المبين ورزقهم الشفقة والرأفة على المؤمنين، وعلى رسوله ونبيه محمد الذي تخلق بالشيم المرضية ورقى حتى أصبح إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه تأدبا بأدب رسول الله أجمعين.

نعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى ولا تعدّ ولو يكرِّس المنعم عليه كل عمره لاحصاء تلك النعم ما يستطيع البتة ولكن حسب النصوص تنقسم النعم إلى قسمين :

القسم الأول: الأصول ، وهذه تدريجياً تنوع إلى نوعين : نوع يتعلق بدنيا الإنسان ومعاشه اليومي ولا ندخل فيه ، ونوع يتعلق بالعقيدة والايمان والآخرة فهذا النوع أعظم وأكرم من النوع السابق الذي كان متعلقة بأمر العاجل،

فالرسول الأكرم- صلٌ الله عليه وسلم- أَعْظم نعمَة من تلك النعم التي أنْعم الله بها عَلى الثَّقَلين ، لأن كل النعم تتفرع من نعْمَة الرَسُول- صلى الله عليه وسلم- وبها تقوم نعمة الرسالة والوحي بإذن الله تعالى وليس هذا قرار البشري بل قرار من بيده كل الأمر : [ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: 44] فالخطاب عشعش في صدر خاتم الرسالة ثم عشعش في صدور غيره بإلقائه . دوما فالمنة تأتي من كائن منَّ على غيره بنعمة وإحسان وصدقة ، فالله تعالى يمنّ على الإنسانية السمحاء ببعثة حضرة الرسول- صلٌ  الله عليه وسلم- وبعثة من يكون وسيلة بين الوجوب والإمكان .

وينبغي عليهم حتماً أن يتنبهون إلى تلك النعمة ويعلمون بها وأنها تحفة قيمة من لدن خبير عليم : [ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ] [آل عمران: 164].

ومرة اخرى يسمعهم تلك النعمة المباركة تكون وسيلة خروجهم من الظلمات إلى النور المبين : [ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [الفتح: 28]. قد أكَّد الباري جل وعلا على تلك النعمة القيمة في صدر نزول الوحي ومنَّ عليهم ثمّ في نهاية الأمر وقرب وداع حضرة صاحب الرسالة والتحاقه برفيقه الأعلى في تلك الآية الكريمة : [ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا] [المائدة: 3].

فأيّ النعم أكبر وأجلّ من نعمة الرسول- صلٌ الله عليه وسلم ، وهي تدوم ولا تنقطع مع فرد من أفراد أمته من حين التكليف إلى بعثه وحشره وبعد دخوله في جنة ربه ومولاه ، إذا كان السالك والعابد متعلقا قلبه بحضرة الرسول- صل الله عليه وسلم- في حال المراقبة يكون مسيطرا وغالبا على الشيطان اللعين وعدوه اللدود ، إذا ألقيت أنظارك على الآية تسنح لك الحقيقة : [ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] [التوبة: 128].

ولابد أن يعلم الناس وأمته الدعوة والاجابة أن الرسول – صل الله عليه وسلم يبلغ ما نزل إليه من الأمر والنهي فقط ، وإذا استجابوا الأمر يثابون وإذا أعرضوا عن القبول يحاسبون والذنب عليهم وليس الرسول- صل الله عليه وسلم- مسئولا عن عدم القبول وعدم الاستجابة : [ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِين] [النور: 54] وكما يفهم ذلك الأمر من الآية الآتية : [ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ] [النحل: 35]

أقول حقيقة لاتنسها وسجلها في ذهنك : بعض ممن لا يعرفون حقيقة الرسول- صل الله عليه وسلم- يذهبون في تفسير تلك الآيتين السابقتين إلى سوء الأدب مع حضرة صاحب الرسالة- صل الله عليه وسلم- بأنهم يقولون : ليس للرسول- صل الله عليه وسلم- إلا التبليغ ، يفهم من كلامهم بأنه- صل الله عليه وسلم- أجنبي عن أمته المجيبين والعاصين ، أعاذنا من ذلك السؤء الأدب ونحن كأمته نتبرأ مما يقولون . بَيْدَ أن وظيفة التبليغ المتضمن عدم المسئولية حين عصيان الأمة محل التكريم من الله سبحانه لمن كلفه على التبليغ : (( وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَليْنَا التَّسْلِيمُ»
فالآية الآتية في ظهرها جواب صريح وتوعد لمن التفت إلى التبليغ لفتة التحقير والتقليل ، فينبغي على الأمة الاستماع ثم التسليم والانقياد : [ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] [النساء:65]

ليس عند الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- شيء أهمَّ من تبليغ أمرالله ونهيه ، كل الرفاهيات والتجملات في حالة الصفر عندهم في باديء الأمر حتى يوصلون القوارب الدعوية إلى الساحل  قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) [المدثر: 1 – 7] ي
ضعون الليل على النهار وبالعكس لأجل ردِّ الناس من الغواية إلى الهداية ويصرفون كل قواهم الشرية والنبوية في سبيل إيصال الدين : [ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( [المزمل: 1 – 8]

ولكن ليسوا- عليهم الصلاة والسلام- مسئولين عن عصيان الأمة وعدم إلتزامها بدين الله عز وجل- فإن ما عليهم تنبيه الناس تجاه معالم دين مولاهم وإيقاظهم من النوم المهلك: [ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) [آل عمران: 128، 129] فماذا يفعل الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- مع شريحة لا تختار دين الله: [ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) [الأنعام: 69 – 71]

فرسولنا- صل الله عليه وسلم- جامع لكل أوصاف الأنبياء الذين سبقوه ، ولم يترك ناحية مما جاءوا بها من العدالة وعدم الغش في البيع والشراء وعدم الاعتداء على حق الغير والاهتمام بالشعائر الروحية ، فنعمة الرسول- صل الله عليه وسلم- غير متعلقة بزمن دون زمن بل باقية إلى اتقضاض العصر والأوان : [ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) [هود: 84 – 86]

الكاتب والباحث الصوفى الكردى الدكتور :
عبدالكريم فتاح أمين
جامعة الحلبجة / كلية نريية الشهزور / قسم تنمية البشرية


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *