الأحد , 19 مايو 2024

الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام في توجيه الناس إلى معالم الدين

الحمد لله الذي كرَّس خواص عباده من الأنبياء والأصفياء بالرسوخ في معالم الدين ووفقهم لمعرفة جزء من كنه ذاته مجملا بسبب آياته المنقوشة على كتابه المبين ورزقهم الشفقة والرأفة على المؤمنين، وعلى رسوله ونبيه محمد الذي تخلق بالشيم المرضية ورقىَ حتى أصبح إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه تأدبا بأدب رسول الله أجمعين.

قد علمنا أن الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- لا يستخدمون السخرية والاستهزاء قاطبة حينما يؤدون وظيفتهم الدعوية، ولا يرى منهم الأسلوب لايكون لائقا بعنوانهم النبوي بل جنابهم العالي وادبهم السامي يهتمون بالناس ومصالحهم المادية والمعنوية، فضلا عن هذا لهم إخلاص مميز وليس موجودا في غيرهم بهذه الدرجة  والمستوى العالى، ولا يهملون أمتهم لمحة العين ولذا يركزون أنفسهم في معالجة المشاكل التي بثت في أوساط المجتمع تكاد ان تقلعهم في الجذور وتهلكهم، سواء كانت المشكلة متعلقة بالجوانب العقائدية أو بالخلقية كالزنا او الناس اذا وقعوا تحت بطش الجبارين والجائرين حتى أصبحت الحياة عليهم مريرة في أعناقهم وشوكة على أجسادهم ونارا في أفئدتهم وعروقهم، ومدُّوا أيديهم إليهم بالقتل والظلم والاستبداد .

والجدير بالذكر: أنهم مجبولون على الصراحة والجدية ويكرهون الابتزاز حتى المزاح المشروع إلا بالقلة فضلا عن غير المشروع، وما قلنا ليس رأيا سائرا فقط بل مأخوذة من الاية  الآتية :

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
وبعد التبرء والإعراض عما نسبوه إليه من السخرية والاستفزاز بهم شرع في شرح ما طلبوه بعجالة بعيدا من المماطلة والمجاملة والمداهنة، ووضع قانونا لم يسبق إليه غيره من الناس بتعليم الله تعالى إياه :

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)البقرة

فالأنبياء-عليهم الصلاة والسلام- يعيشون في الخوف من الله تعالي وينسون مصالح أنفسهم البتة، فالمصلحة الحقيقية عندهم إرضاء الله سبحانه وجرّ الناس إلى المعرفة ذاتا وصفة، وتعليمهم الصفات الذاتية والثبوتية والمعنوية، ويُعلِّمون الناس أن الله تعالى هو المرجع والمصدر لكل ما يريده الانسان ويجعله نصرا لنفسه :

قال تعالى ﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
هود

وقد أعطوا من الله تعالى حظا عظيما في صفة الشجاعة والجرئة ، وينجزون ما امروا به ومجنبين عن التسويف والتعطيل القاتل، ولذا لا يخافون لومة اللائمين ولا هجوا  الهاجين  ولا شتم الشاتمين لانهم يعيشون في ظل الله ورعايته اللامتناهية.
من يليق بالريادة؟ أجل شخص اجمتعت فيه الصفات الإيجابية وانتفت فيه الصفات السلبية، فالشجاعة والعقل والإخلاص نحو مجتمعه أسماها، وأنا أذكر لك نموذجا في ذلك في حضرة المصطفى الأمين- صل الله عليه وسلم:

(( عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه و سلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وهو على فرس لأبى طلحة عرى ما عليه سرج وفي عنقه السيف فقال لقد وجدته بحرا أو إنه لبحر)

قال تعالى حول اخلاص نوح- عليه الصلاة والسلام- بعد تمرد قومه الضالين : [ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) الشعراء

و قال تعالى حول اخلاص الهود- عليه السلام : [ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) الشعراء

وقال ٲيضا حول اخلاص صالح – عليه السلام : [ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143)الشعراء

و قال تعالى تجاه اخلاص لوط- عليه السلام : [ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161)إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162)الشعراء

و قال سبحانه أيضا تجاه اخلاص شعيب – عليه السلام- بعدما كذَّبه قومه : (( كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177)إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178)الشعراء

فالانبياء – عليهم السلام- يتصفون برجاحة العقل والرأي ولا يوجد في أمتهم من فوقهم من حيثية الصفات المحمودة والوجدانية والامانة :

قال تعالى [ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18)الدخان

ولذا وصفهم الكافرون المبطلون بالسحر والدجل والشعوذة والتنجيم لانهم يعلمون ان الناس لا يصدقونهم في وصفهم بالجهل والخبل :

قال تعالى ﴿ أَفَسِحْرٌ هَٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (الطور – 15]

وفي بعض الاحيان ينسبونهم إلى الجنون والخبل بادعاء أن الجن يلهيهم ويلهمهم وهذا الإدعاء ليس من الجهل بل الشيطنة والجبروت الفرعونية ولكن هذا الادعاء أيضا لا يفعل لهم شيئا ولا يغير من الأمر شيئا لأن رجاحة العقل وغزيرة التصور والتفكرالمعجب نقض الأوكار العنكبوتية التي نسجتها ألأيادي العادية الخائنة والخيالات العقيمة، ويسنح للناس بسهولة أن الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام- في قمة العقل والتدبير، والحكمة متولدة في قلوبهم وتجري على ألسنتهم، وهم يستطيعون إنقاذ المجتمع مما تورطوا فيه من الجهل المفرط والإنقياد لمخلوق مثلهم الذي لا يضر ولاينفع:

قال تعالى ﴿ كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52]

بَيْدَ أن مرجع الأمر عندهم رضا الله تعالى فقط ولا يدافعون عمن دخل في دائرة غضب الله وسخطه ولا يشفع لهم :
 عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنا فَرَطُكُمْ علَى الحَوْضِ، فمَن ورَدَهُ شَرِبَ منه، ومَن شَرِبَ منه لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهُمْ ويَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحالُ بَيْنِي وبيْنَهُمْ. قالَ أبو حازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمانُ بنُ أبِي عَيَّاشٍ وأنا أُحَدِّثُهُمْ هذا، فقالَ: هَكَذا سَمِعْتَ سَهْلًا؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، قالَ: وأنا أشْهَدُ علَى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فيه قالَ: إنَّهُمْ مِنِّي، فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي. | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري

كيف يأخذهم المزاح والسخرية ويجتلهم الابتزاز حينما هم الدليل الوحيد والسراج المنير إلى الله تعالى :

( عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، عن النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلا ، ولخرجتم تجأرون لا تدرون تنجون أو لا تنجون)) رواه عَبد بن حُمَيد والبزار والحاكم وقال : صحيح الإسناد .

الكاتب والباحث الصوفى الكردى الدكتور :
عبدالكريم فتاح أمين
جامعة الحلبجة / كلية نريية الشهزور / قسم تنمية البشرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *