الرئيسية » شبهات حول التصوف » جواز التمايل فى الذكر

جواز التمايل فى الذكر

الحركة في الذكر أمر مستحسن، لأنها تنشط الجسم لعبادة الذكر وهي جائزة شرعاً بدليل ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحافظ المقدسي برجال الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال:( كانت الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح، فقال صلى الله عليه وسلم: “ماذا يقولون ؟” فقيل: إنهم يقولون: محمد عبد صالح ، فلما رآهم في تلك الحالة لم ينكر عليهم، وأقرهم على ذلك، والمعلوم أن الأحكام الشرعية تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، فلما أقرهم على فعلهم ولم ينكر عليهم تبين أن هذا جائز.وفي الحديث دليل على صحة الجمع بين الاهتزاز المباح ومدحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الاهتزاز بالذكر لا يُسمى رقصاً محرماً، بل هو جائز لأنه ينشط الجسم للذكر، ويساعد على حضور القلب مع الله تعالى ؛ إذا صحت النية. فالأمور بمقاصدها، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ثم أن هناك قاعدة فقهية معروفة تقول: ( إن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد فيه نص بالتحريم ) ،
أي أن جميع الأشياء مباحة إلا الذي جاء فيه دليل شرعي بحرمته، وعلى هذا فإن الذي يحرم الحركة أثناء الذكر هو المطالب بدليل التحريم، أما الذاكرون فمعهم دليل الإباحة المطلق ومعهم أيضاً الأمر العام بالذكر على أي حال (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، وإن الاهتزاز أثناء الذكر أمر وجداني وتلقائي يلحظه كثير من الناس حتى في أثناء تلاوة القرآن عندما يجدون أنفسهم يهتزون لا إرادياً،

ونسوق فيما يلي بعض النصوص الدالة على جواز التمايل والاهتزاز فى الذكر :

روى الإمام مسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان [واللفظ لهما] عن ابن عمر قال: ( سمعت رسول الله وهو على المنبر يقول : يأخذ الجبار سماواته وأراضيه بيده وقبض رسول الله يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول:أنا الجبار أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال:ويتمايل رسول الله عن يمينه وشماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل منه حتى إني لأقول أساقطٌ هو برسول الله).

وروى البيهقي في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عون بن جحيفة عن أبيه قال: (رأيت بلالاً يؤذن وقد جعل إصبعه في أذنيه، وهو يلتوي في آذانه يميناً وشمالاً) أي يلف جهة اليمين وجهة اليسار.

أخرج الخطيب البغدادي في ( الموضح ) ( 2 / 330 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 42 / 491 )من طريق ابن أبي الدنيا، قال : حدثنا علي بن الجعد، قال : حدثنا عمرو بن شمر، قال : حدثنا إسماعيل السدي، قال : سمعت أبا أراكة يقول : (صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه قلت كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده وقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيء يشبههم . لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً قد باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر يوم الريح .

نقل العلامة محمد السفاريني الحنبلى عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن الإمام أحمد قال على الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة) ومعنى يتواجدون أي يتحركون ويهتزون من الشوق إلى الله عز وجل , وقد حكم الإمام احمد بالاستماع والتواجد كما جاء فى ( الفروع : محمد بن مفلح المقدسى الحنبلى ج 5 ص 38 )

وقال العلامة ابن عابدين في رسالته (شفاء العليل): (ولا كلام لنا مع الصادقين من سادتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة ردية فقد سئل إمام الطائفة سيدنا الجنيد: أن أقواما يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع الله يفرحون، فإنهم قوم قطَّعَتْ الطريق أكبادهم ومزق النصب فؤادهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم ولو ذقت مذاقهم لعذرتهم)

وقال في حاشيته الشهيرة ( رد المختار على الدر المختار ) بعد كلام ما نصه: وخلاصة ما أجاب به العلامة التحرير وابن كمال باشا بقوله:

ما في التواجد إن حققت من حرج ولا التمايل إن أخلصت من بأس

وقد جاء في مجموعة من فتاوى الشيخ الشعراوي التي أصدرتها مجلة التصوف الإسلامي عام 1998 مانصه: ما رأى الإمام فى التمايل فى أثناء الذكر؟ هل هو من الدين؟ الإمام الشعراوى: (إذا لم تجد فيه نصاً، فالأمر على الإباحة، لأن النهى على التحريم، افعل ولا تفعل، فهو على مطلق الإباحة، وإذا كان التمايل صناعيا كان نفاقا، وإذا كان التمايل طبيعيا كان وجداً، لا سيطرة للإنسان عليه، والذكر راحة نفسية، وعلى كل حال فالذاكرون وإن تمايلوا فهم خير من الذين يتمايلون فى حانات الرقص.

ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال :
سهري لتنقيحِ العلومِ ألذ لي ** من وصلِ غانيةٍ وطيــبِ عناق
والعشاق ِوألذ من نقرِ الفتاةِ ** لدُفها نقري لألقي الرملَ عن أوراقي
وتمايلي طرباً لحلِ عويصـةٍ * في الدرس أشهى من مدامة ســاق

فقد أتى في الشرح : قوله ( وتمايلي ) : التمايل : الترنح في سرور وغبطة . والطرب : هِزَّةٌ تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، وقد يخص بالسرور، وحلول الفرح وذهاب الحزن.

سُئل الحافظ بن حجر المحدث الكبير عن رقص الصوفية وهل له أصل وهل رقص أحد بحضرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه؟قال: نعم، إن جعفر بن أبي طالب رقص بين يدي رسول الله لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة الخطاب ولم ينكر عليه رسول الله فهو في مصطلح الحديث إقرار، والنبي لا يسكت عن حرام أو مكروه.

وأفتى بجواز الرقص عند سؤال أحد الحاضرين في مجلسه فقال: يجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله ، وكان رقصهم بالوثبات والوجد وإنشاد الشعر جائز بين يدي النبي ، وأصل هذه الطرائق من الكتاب والسنة الحاثين على كثرة ذكر الله والاجتماع على محبة الله ، أما سب المشايخ وتكفيرهم فكفر شرعاً بلا خلاف (السيف القاطع للسيوطي والإلهامات الإلهية للشيخ محمود أبي الشامات)

وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من كبار الأئمة منهم شيخ الإسلام العز بن عبد السلام (الحاوي للفتاوي ) وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي يذكر الله على كل أحيانه)

الإمام الشيخ السنوسي رحمه الله تعالى : قال في ( نصرة الفقير ) وغيره: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ، ويقومون ويرقصون، ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم. وقد رأيت بفأس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب، مع توفّر العلماء فلم ينكر أحد عليهم. وقد بلغني أن شيخنا شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة كان يحضر معهم في بعض الأحيــان (الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص (283-282).

إعداد / مصطفى خاطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.