الثلاثاء , 22 أكتوبر 2019
الرئيسية » مفاتيح الفرج » مناجاة للذاكرين

مناجاة للذاكرين

يا خير مؤنس وأنيس، يا خير صاحب وجليس، طوبى لمن اكتفى منك بك، اللهم لبيك لبيك يا حبيب القلوب، لبيك يا سرور القلوب، لبيك لبيك يا منى القلوب، لبيك اللهم آليت بك عليك، أن لا تصرفني بك عنك، ولا تحجبني بك عنك.

       إلهي لو دعوتني إلى النار لأجبتك، وافتخرت بك، فكيف وقد دعوتني إلى نفسك، إلهي إن قربتني منك، فمن الذي يبعدني، وإن أعززتني بك فمن الذي يذلني، وإن رفعتني إليك فمن الذي يضعني، إلهي مَن أرهب وأنت مولاي؟ ولمن أرجو وأنت مناي؟ وبمن أستأنس وأنت جليسي؟ فبك عليك أن تتفضل بإتمام فضلك، يا نعم المولى ونعم النصير، إلهي سِرِّي عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، وأنت بالجود معروف، وبالكرم موصوف.

       إلهي أنت أنيس المستأنسين من أحبائك، ومأوى الموهوبين من أصفيائك، وجليس الملهوفين من أوليائك، إلهي ما أطيب معرفتك في قلوب العارفين، وما أحلى ذكرك في أفواه الذاكرين، وما أحلى مودتك في أسرار المحبين، إلهي أنت الذي لا تبطل أمل الآملين، لا يخفى عليك أحوال المريدين، ولا يخيب لديك رجاء المنيبين.

       إلهي أنت سروري إذا نظرتُ منك إليك وأنت حسبي إذا استكفيتُ بك منك، وأنت أنيسي إذا نزلتُ منكَ بك، اللهم ارحم انقطاعي إليك، وانفرادي بك ووحشتي  عمن سواك، فيا خير مؤنس وأنيس، ويا خير صاحب وجليس، كن دليلي منك وإليك، إلهي اجعل أجلَّ العطايا في قلبي حياءك، وأعذب الكلام على لساني ثناءك، وأحب الساعات إليَّ ساعةً يكونُ فيها لقاؤك.

       إلهي ما أوحش قلباً ليس فيه ذكرك، وما أخرب قلباً ليس فيه خوفك، وما أقل سروراً ليس في حبك، إلهي لا صبر لي في الدنيا عن ذكرك، فكيف أصبر في الآخرة عن رؤيتك؟

       إلهي أشكو إليك غربتي في بلادك، ووحشتي بين عبادك، إلهي ما لمرادنا غيرك، ولا لبغيتنا دونك، وما لحاجتنا سواك، إلهي هذه لذائذ المناجاة، فكيف لذائذ

الملاقاة؟ إلهي هذا شكري، وشكر شكري، إلهي هذا سروري وسرور سروري، إلهي هذا ودي وود ودي، إلهي أُنسي بك أوحشني من خلقك، ومعرفتي بك تمنعني عن مناجاة غيرك.

       إلهي كيف أشغل لساني بذكر غيرك، أم كيف أشغل بصري برؤية غيرك، أم كيف أشغل قلبي بحب سواك، وأنا لا أعرف غيرك؟ إلهي، على من أُثني وأنت وليي، ومَن أرجو وأنت مُناي؟ يا خير معروف مذكور، أعززتني بولاية معرفتك، فلا تذلني يا سيدي بعدها بمَن سواك، إلهي عجبت ممن يعرفك كيف لا يستغني عمن سواك، إلهي عجبتُ ممن أنس بك كيف لا يستوحش من غيرك؟

       إلهي أحييتني بمعرفتك، فلا تُمتني بنكرتك، إلهي أريتني وصالك، فلا تُرني فراقك، إلهي إن لم تفعل ما نريد، فصبرنا على ما تريد، إلهي فرِّغ قلبي لذكر عظمتك، وأطلق لساني بوصف منتك، وقوني على شكر نعمتك، إلهي ارحمني فأنا عاجز عند النصب، جاهل بالسبب، حيران في الطلب، إلهي جعلت سبب ما تعطي رجاءك، وسبب ما يجمع بين أوليائك تأليفك بين قلوبهم.

       إلهي فأعطني المرجو كما وهبت الرجاء، واجمع بيني وبين أوليائك، كما ألفت بين القلوب، كيف يفتقر مَن أنت حظه، أم كيف يستوحش من أنت أنيسه، أم كيف يذل من أنت حبيبه، أم كيف يحزن من أنت نصيبه؟ إلهي همك أبطل عني الهموم وحبك حال بيني وبين الرقاد، وشوقي إليك منعني اللذات، وأُنسي بك أوحشني عمن سواك.

       إلهي أنت تُوالي مَن يعاديك، فكيف تُعادي مَن يواليك؟ إلهي معرفتي بك دليلي عليك، وحبي لك وسيلتي إليك، إلهي عرف المحبون كمال ربوبيتك، والمذنبون صنيعك، وكمال قدرتك، فاستسلموا وانقادوا لك، إلهي اجعلني ممن لا يتخذ دونك خليلاً، ولا يلتمس إلى سواك سبيلاً، ولا يرجو من غيرك فتيلاً. إلهي لا تجعلني ممن صرفت عنه وجهك، وحجبت عنه عفوك، وأغلقت عليه بابك، وقطعت عنه أسباب عصمتك، ووكلته إلى نفسه، إنك على كل شيء قدير.

كتاب : ( حالة أهل الحقيقة مع الله )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.