الرئيسية » منوعات » حكمة اختبار الله للإنسان

حكمة اختبار الله للإنسان

اعلم أن سر خلق التدبير والاختيار، ظهور قهر القهار. وذلك أنه سبحانه أراد أن يتعرف إلى العباد بقهره، فخلق فيهم تدبيرا واختيارا، ثم فسح لهم بالحجة حتى أمكنهم ذلك، إذ كانوا في وجود المواجهة والمعاينة، لم يمكنهم التدبير والاختيار، كما لا يمكن الملأ الأعلى ذلك.

فلما دبر العباد واختاروا، توجه بقهره إلى تدبيرهم واختيارهم فزلزل أركانهم، وهدم بنيانهم فلما تعرف للعباد بقهر مراده علموا أنه القاهر فوق عباده.
فما خلق الإرادة فيك لتكون لك الإرادة، ولكن لتدحض إرادته إرادتك فتعلم أنه ليس لك إرادة.

كذلك لم يجعل التدبير فيك ليكون ذلك دائما فيك، وإنما جعله فيك لتدبر ويدبر فيكون ما يدبر لا ما تدبر، ولذلك قيل لبعضهم بماذا عرفت الله؟ قال بنقض العزائم.

فائدة أخرى: وهو أن الحق تعالى أراد أن يختبر هذا الآدمي فأحوجه لأمور شتى لينظر أيدخل في استجلابها بعقله وتدبيره، أو يرجع إلى الله في قسمته وتقديره.

فائدة أخرى: وهو انه سبحانه وتعالى أراد أن يتحبب إلى هذا العبد، فلما أورد عليه أسباب الفاقة ورفعها عنه، وجد العبد لذلك حلاوة في نفسه، وراحته في قلبه، فأوجب له ذلك تجديد الحب لربه، قال صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به نعمه). فكلما تجددت النعم تجدد له من الحب بحسبها.

فائدة أخرى: وهو أنه سبحانه وتعالى، أراد أن يشكر، فلذلك أورد الفاقة على العباد، وتولى رفعها ليقوموا له بوجود شكره، وليعرفوه بإحسانه وبره، قال الله تعالى:{كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور}.

فائدة أخرى: وذلك انه تعالى أراد أن يفتح للعباد باب المناجاة، فكلما احتاجوا إلى الأقوات والنعم، توجهوا إليه برفع الهمم، فشرفوا بمناجاته ومنحوا من هباته، ولو لم تسقهم الفاقة إلى المناجاة لم يفقهها عقول العموم من العباد. ولولا الحاجة لم يستفتح بابها إلا عقول أهل الوداد.

التنوير في اسقاط التدبير لابن عطاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.